4 - بين دُفءِ القرفة.. وبرودةِ الاختبار

"رن.. رن.. رنين.."

توقف العالم من حولي. كان الصوت يأتي من مكان ما داخل الغرفة، قريبًا لدرجة جعلت شعر عنقي يقف. ثم توقف فجأة.

التفتُّ ببطء، وعيناي تمسحان الحوائط الرخامية الباردة لدورات المياه. لم يكن هناك أحد سواي.

ساد صمتٌ أشد وطأة من الرنين نفسه. تراجعتُ خطوة إلى الخلف، وظهرِي يرتطم بالحافة الرخامية للحوض.

«هل بدأتُ أهلوس؟» همستُ لنفسي، وأنا أضغط بيدي على جبهتي النابضة بالألم. الصداع، والإرهاق... كل شيء كان يدفعني نحو حافة الجنون.

تجاوزتُ الباب الثقيل لدورات المياه، وبدأتُ بالسير في الردهة الطويلة المؤدية إلى المخرج الرئيسي للمبنى.

كانت خطواتي ثقيلة، وكل ما أفكر فيه هو العودة إلى سريري، وتناسي هذه الساعات اللعينة.

ولكن، ما إن عبرتُ البوابة الزجاجية الضخمة التي تفصلني عن الشارع حتى....

"لوياااان.. هنا، هنا"

جفلتُ، والتفتُّ برأسٍ ثقيل نحو مصدر الصوت المألوف. وسط حشود الطلاب الشاحبين والسيارات المتوقفة، لمحتُ أثر ذلك الشعر الأسود المرفرف.

"أمي!"

تدافع الحشد من حولي، لكن جسد أمي كان يتحرك بعكس التيار.

كانت ترتدي معطفها ذي اللون البني، وتلف وشاحًا رماديًا حول رقبتها لحمايتها من هذا الصقيع الشديد.

ما إن وصلت إليّ، حتى امتدت يداها الدافئتان لتمسكا بوجنتيّ الباردتين. نظرت إلى وجهي، وتراجعت خطوة للخلف وهي تطلق زفرة حزينة:

"يا إلهي.. لويان! ما الذي حدث؟ وجهك شاحب كالموتى، وهناك ماء يقطر من شعرك. كيف تخرج إلى هذا الصقيع دون أن تجففه؟ ستمرض حتمًا على هذه الحال."

ولم تنتظر مني إجابة؛ بل نزعت وشاحها الرمادي الدافئ بسرعة، ولفّته حول رأسي المبلل بأصابع مرتجفة من القلق، ثم بدأت تسحبني خلفها نحو السيارة بخطوات سريعة.

ركبتُ السيارة، وما إن أغلقتُ الباب حتى عزلني الزجاج عن ضوضاء الشارع الشاحب. انبعث دفء المكيف ليلامس وجهي، لكن جسدي كان لا يزال يرتجف داخليًا.

أدارت أمي محرك السيارة، والتفتت إليّ بنظرة ممزوجة بالقلق والفخر.

"لا بأس مهما كانت النتيجة، فأنت تعلم أني فخورة بما فعلت."

شعرتُ بغصة في حلقي عند سماع كلماتها.

"شكرًا أمي..." همستُ بها وأنا أستند برأسي على زجاج النافذة البارد، مراقبًا البوابة وهي تختفي تدريجيًا.

"إذن ماذا عن بعض الشوكولاتة الساخنة والكب كيك؟"

"بالطبع.. الشوكولاتة هي الحل الوحيد لإعادة إحياء خلايا دماغك الميتة." أجبتُها بنبرة حاولتُ جعلها مازحة، لكن الإرهاق جعلها تخرج خافتة.

استسلمتُ لدفء السيارة، وأغمضتُ عينيّ لعلي أحظى بضع دقائق من السلام اللذيذ...

"لقد اتصل إخوتك"

فتحتُ عينيّ فجأة، وطار كل الدفء الذي كان يداعب جفوني.

"إخوتي؟" خرجت الكلمة من فمي مخنوقة، كأنني أستجوب السكون الذي حلّ فجأة داخل السيارة.

أومأت أمي وهي تحول نظرها للحظة عن الطريق، وارتسمت على وجهها تلك الابتسامة الدافئة:

"أجل، اتصلوا علي قبل نصف ساعة، كانوا قلقين عليك، ومع ذلك كانوا يتراهنون على أنك ستحدث ضجة بالتأكيد. أخبروني أن أبلغك بألا تفكر كثيرًا في ورقة اليوم، وأن تركز فقط على الاختبار الثاني، واعتذروا لأنهم لا يستطيعون المجيء."

"يتراهنون أنني سأحدث ضجة؟" تمتمتُ في سري، وارتسمت على شفتيّ ابتسامة ساخرة.

لو علموا فقط أنني صرخت في منتصف قاعة الامتحان لربما كسبوا رهانهم فعلًا.

"وأخبرتني أختك أنه الأفضل لو خرجنا لرحلة ما بدل البقاء بالمنزل، رشحت لي مدينة ملاهٍ جديدة وأيضًا مدينة الثلوج ومطعم فريزي."

"أمي، لا تستمعي لاقتراحاتها المجنونة، ما يلائم طبيعتها الانتحارية لا يلائم جهازي العصبي المتهالك. أنا لن أخرج من المنزل حاليًا."

ضحكتْ أمي ضحكةً خفيفة هزت كتفيها، وضغطت على مقود السيارة برفق وهي تلتف نحو المنعطف المؤدي إلى حيّنا:

"معك حق، شقيقتك لطالما كانت مندفعة.. لكنها تحبك، لهذا هي قلقة عليك، وكلهم كذلك."

استندتُ برأسي مجددًا على زجاج النافذة البارد.

"كيف حالهم؟"

"مجانين كالعادة، متحمسون كالعادة، لقد تشاجروا على من يتكلم أولًا في الهاتف. لا تخبرني أنك اشتقت لهم، لقد مر شهر فقط على زيارتهم."

"لا، فقط عليّ رمي كل كتب الفيزياء والرياضيات التي ملأت رأسي بها بسببهم عليهم."

أطلقتْ أمي ضحكة رنانة ملأت أرجاء السيارة الدافئة، وربتت على ركبتي بخفة:

"أوه.. إذن هذا هو السبب! لا تقلق، يمكنك الانتقام منهم عندما تراهم. سنصل قريبًا، لا تنم الآن."

أومأتُ برأسي صامتًا، وأنا أراقب الشوارع المألوفة لحينا بدأت تظهر من خلف الضباب الكثيف.

أخيرًا، توقفت السيارة أمام منزلنا. لم أتنفس الصعداء حقًا إلا عندما خطوتُ داخل ردهة المنزل، واستقبلتني رائحة الشوكولاتة والمخبوزات الدافئة.

انتظر! رائحة شهية، لكن... أمي سيئة في الطبخ.

إذن ما هذه الرائحة؟

تصلبتُ في مكاني، والتفتُّ نحو أمي التي كانت تغلق باب المنزل. بدت ملامحها غير متفاجئة وهي تستنشق الرائحة:

"هذه..."

"كعك القرفة الطازج مع كريمة الفانيليا ومسحوق الكاكاو." أكملتُ عنها العبارة بصوت منخفض، بينما تحركتُ غريزيًا نحو المطبخ المفتوح على صالة المعيشة.

وجدتُ كعكًا موضوعًا بحرص على الطاولة ومغطى مع عبارة: "حظًا موفقًا" عليها.

"أرى أن أباك كان حريصًا على صنعها قبل ذهابه للعمل."

ابتسمتُ رغماً عني، لطالما كان أبي يدعمني بطريقته الصامتة الخاصة.

"هيا، اغسل يديك واجلس" قالت أمي وهي تخلع معطفها، "سأحضر لك كوب الشوكولاتة الساخنة."

أومأتُ لها وصعدتُ درجات السلم نحو غرفتي ببطء. خلعتُ معطفي الثقيل ورميته على الكرسي، ثم اتجهتُ نحو الحمام الصغير الملحق بالغرفة. وقفتُ تحت الماء الساخن لعشر دقائق كاملة.

وعندما نزلتُ مجددًا إلى الصالة، كنتُ أرتدي ملابس منزلية مريحة. وجدتُ أمي قد وضعت كوب الشوكولاتة الساخنة الضخم بجانب طبق كعك القرفة.

التهمتُ قطعتين من الكعك، ورشفتُ من الشوكولاتة الساخنة حتى شعرتُ بالدماء تعود لتدور في عروقي بانتظام.

عدتُ إلى غرفتي، وألقيتُ بجسدي فوق السرير.

كان السرير دافئًا، مريحًا.

ثم تذكرت كل ما مررت به اليوم كشريط تسجيل فلم متهالك

استرجعت ذكرياتي ذالك الرنين الغامض في دورات المياه.

«لابد أنه كان انعكاسًا لصوت هاتف شخص آخر في الممرات.. أو مجرد هلوسة بسبب الأدرينالين.»

همستُ لنفسي، بينما أغمضتُ عينيّ.

واستسلمتُ للنوم العميق الذي سحبني دون مقاومة.

. . . . . . . . .

"إذن ما خطتك الآن؟ الاختبار الثاني بعد ساعة، لقد أتيت اليك بأسرع ما يمكنني بعد أن اتصل بي لويان."

أمسكتُ بكوب القهوة الساخن بيدي بينما أنظر إلى أعز أصدقائي.

"أنت صديقي، بالطبع يجب أن تأتي، وأيضًا توقف عن طلب المزيد من الحلوى، أخشى أن أتقيأها في الاختبار."

شاهدتُه وهو يمضغ قطعة الدونات الأخيرة، ثم دفع الطبق جانبًا واتكأ بجسده على الطاولة الخشبية للمقهى.

"حسنًا، حسنًا، لن أطلب المزيد، لا نريد تفكيك جهازك الهضمي قبل اختبارك التالي."

قالها بنبرة حاول أن يجعلها مرحة، لكن عينيه كانتا تشعان بالقلق.

"ولكن بجدية يا لويان.. ما الذي يخططون له في هذا 'اللقاء'؟ الاختبار الكتابي كان أشبه بمشرحة نفسية، فماذا عساه أن يكون اللقاء؟"

"لا أحد يعلم،" همستُ بصوت خافت.

"السرية في اللقاء أضعاف السرية في الاختبار الكتابي. الشائعات تقول إنهم لا يسألونك عن سيرتك الذاتية أو طموحاتك، وبما أن كل سنة يتغير نظام اللقاء فلا أحد يعلم شيئًا."

رأيته يتنهد ونظر إلى الساعة الرقمية المعلقة على حائط المقهى، ثم أعاد نظره إليّ وقال بنبرة جادة:

"اسمعني جيدًا يا لويان.. أيا كان ما سيحدث هناك داخل غرفة اللقاء، تذكر شيئًا واحدًا: أنت لست شخصًا عاديًا. الإجابات التي كتبتها في الورقة أوضحت لي أن عقلك يعمل بشكل ملتوي."

"سأحاول..."

أجبتُه وأنا آخذ الرشفة الأخيرة من قهوتي التي أصبحت دافئة. وضعتُ الكوب على الطاولة وقمتُ بسحب معطفي الثقيل. حان الوقت.

"انتظر، سأأتي معك."

أومأتُ برأسي صامتًا، وخرجنا معًا من المقهى.

كنت أسير بخطوات بطيئة بينما سار صديقي أمامي،كأنه سهمٌ انطلق من قوسٍ مشدود لا يعرف التردد ولا يلتفت للخلف.

بينما كان غارقًا في التفكير لم أنتبه لـ...

"آه.. المعذرة."

ارتطمتُ بامرأة كانت تتحدث على الهاتف بانشغال، بينما كان طفلها الصغير يقف بجانبها، مركزًا كل حواسه الطفولية في إدخال عملة معدنية داخل ماكينة بيع العلكة القديمة الحمراء.

"لا عليك يا فتى" قالت المرأة وهي تغلق الخط وتنظر لصغيرها الذي أدخل العملة، وأدار المقبض الحديدي بجهد، لتصدر الماكينة صوتًا لكن لم يخرج شيء.

"لماذا لا تخرج العلكة؟" قال الطفل بنبرة حزينة وهو يشير للماكينة، ثم أخذ يضربها بقدمه على أمل أن تنزل.

توقفتُ مكاني لثوانٍ وأنا أنظر إلى الطفل الذي كانت ملامحه تنكمش استعدادًا للبكاء، وهو يستمر في ركل الماكينة الحديدية الحمراء دون جدوى.

"ربما لأنها منسية.. لهذا السبب هي لا تعمل. حسنًا، ستشتري ماما لك حلوى عوضًا عنها."

"حلوى! هل ستشترين لي كيسًا كبيرًا؟" اختفت ملامح الحزن من وجه الصبي فورًا بينما حملته والدته وهي تبتسم.

"أرغب بحلوى الكراميل.. أرغب بالكثير!"

سمعتُ الصبي يثرثر ببهجة بينما تسير به أمه مبتعدة. بقيتُ واقفًا، والتفتُّ نحو الماكينة العتيقة؛ كانت كرات العلكة الملونة خلف الزجاج السميك تبدو زاهية وملفتة للنظر رغم طبقة الغبار.

اقتربتُ خطوة، وضغطتُ بأصابعي على الزجاج البارد، أحدق في تلك الألوان الجميلة.

قاطع تأملي صوت صديقي الذي كان يركض نحوي وهو يصيح بحدة ممتزجة بالدهشة:

"هوي.. لويان! لماذا توقفت فجأة؟ ها؟ لقد مشيتُ لمسافة طويلة ثم أدركتُ أنك لست معي!"

فجأة تعثر مما أدى إلى ارتطامه بي، ولمنعنا من السقوط تمسكتُ بقوة بالماكينة مما جعلها تتحرك.

"آسف."

قال بينما وازن نفسه ووقف.

"لا بأس."

قطعتُ كلمتي صوت سقوط العلكة من الماكينة. كانت زرقاء زاهية.

"أوه.. لقد سقطت.. يااا!"

شعرتُ بأن يدي يتم جرها بينما تكلم صديقي بغضب:

"هيا بسرعة، توقف عن شرودك سنتأخر عن اللقاء!"

صاح صديقي وهو يسحبني لنندمج مجددًا في الرصيف المزدحم المؤدي إلى مبنى اللقاء.

2026/05/22 · 3 مشاهدة · 1388 كلمة
rryu rjch
نادي الروايات - 2026