وصلنا أخيراً إلى البناية التي يتم فيها الاختيار. كانت كبيرة بكل ما تصفه الكلمة من معنى.

تنفس صديقي بعمق وهو ينظر إلى الأعلى:

"يا صاح.. البناية تبدو وكأنها مصممة لتجعل المرء يشعر بأنه نملة تافهة قبل حتى أن يطأ عتبتها."

أومأتُ برأسي موافقاً، ثم اقتربنا من البوابة الزجاجية الضخمة.

ولكن، ما إن صرنا على بُعد خطوات قليلة منها، حتى تباطأت حركتي رغماً عني، شيء ما لفت انتباهي.

على كلا جانبي الباب الرئيسي، قبعت مزهريتان عملاقتان من الفخار الأسود المصقول، كانتا طويلتين بشكل لافت.

اقتربتُ من إحداهما وأنا أمد يدي ببطء، مدفوعاً بفضول غريب كسر حاجز توتري.

في داخل المزهرية السوداء القاتمة، نمت حزمة من زهور غريبة لم أرَ مثلها من قبل؛ سيقانها خضراء نحيلة وطويلة، تتوجها سنابل من براعم صغيرة ملونة بنفسجي داكن، تنبعث منها رائحة خافته

بدت مألوفة بطريقة غريبة.

أتساءل ما اسمها.

اردت شمها...

"لويان! هيا ادخل"

نظرتُ إليها للمرة الأخيرة قبل أن أعبر البوابة الزجاجية العاكسة لمبنى اللقاء.

كل شيء هنا كان حديثاً، بارداً، ومصنوعاً من الزجاج المصقول الذي يعكس وجوهنا الشاحبة.

كان المتقدمون يجلسون على مقاعد جلدية بيضاء، تفصل بين كل مقعد والآخر مسافة متر كامل، وكأن الجامعة تفرض عزلة جسدية ونفسية بيننا حتى في لحظات الانتظار الأخيرة.

جلسنا صامتين.

بينما كنتُ أفكر في عدد البنايات الهائل التي تمتلكها الجامعة لتستقبل ملايين الطلاب.

نظرتُ للساعة.. تبقت ثلاثون دقيقة على الاختبار.

كنت أنظر لعقارب الساعة وهي تمضي دقيقة بعد دقيقة، أغمضتُ عيني لأهدئها وأنا أعد الوقت بشكل لا إرادي، حتى شعرتُ بوعيي يتم جرفه بعيداً.

"لويان!"

فُتحت عيناي بفزع على صدمة قوية في كتفي، وجسدي ينتفض رعباً وكأنني كنت على حافة بناية.

"لويان!! تباً لك، هل نمتَ في هذه اللحظة بالذات؟!"

نظرتُ بسرعة للساعة لأرى أن الدقائق العشر الأولى قد مضت.

"لم أنم، أنا فقط مرهق نوعاً ما" تمتمتُ بصوت مبحوح وأنا أمسح وجهي بكفي، محاولاً طرد بقايا النعاس.

"أنت حقاً شيء آخر" تنهد صديقي بقلق ثم أضاف:

"لا بأس، تبقى عشرون دقيقة، نم، سأقوم بإيقاظك عندما ينادونك."

لا أعلم كيف ولكنني استسلمتُ لإغراء الدفء مجدداً، وأسندتُ ظهري إلى المقعد الجلدي البارد الذي امتص حرارة جسدي.

لم تكن ثوانٍ حتى غبتُ عن الوعي تماماً، كأن عقلي قرر إعلان هدنة مؤقتة لحماية ما تبقى من خلاياه.

.

.

.

لكن الهدنة لم تدم طويلاً.

"المتقدم 1770، أكرر المتقدم رقم 1770، إن لم يحضر خلال دقيقة سيتم إقصاؤه تلقائياً."

شعرتُ بجسدي ينتفض بقوة وكأن صاعقة كهربائية ضربت عمودي الفقري.

طار النوم من عيني في جزء من الثانية، وتلفتُّ حولي بذعر هستيري.

المكان كان شبه فارغ!

المقاعد الجلدية البيضاء التي كانت تعج بالمتقدمين أصبحت خاوية إلا من بضعة أشخاص يرمقونني بنظرات باردة.

نظرتُ للساعة واتسعت عيناي.

لقد تأخرت... تأخرت عشر دقائق عن الوقت المحدد.

التفتُّ بجانبي.. لم يكن صديقي هناك!

«تباً.. أين ذهب؟! ولماذا لم يوقظني؟!»

لم يكن هناك وقت للتفكير.

اقتربتُ من القاعة وطرقتُ الباب بسرعة.

شعرتُ حينها بقلبي يقرع طبولاً، ويدي التي طرقت الباب الخشبي الثقيل بقيت معلقة في الهواء لثوانٍ.

الأدرينالين اندفع في عروقي بجرعة قاتلة طردت كل بقايا النوم والصداع.

"تباً.. تباً.. تباً!"

كيف وثقت به بسهولة؟ أين اختفى؟ ولماذا...

قاطع أفكاري صوت قفل الباب وهو ينفتح:

أخذتُ نفساً عميقاً:

"أعتذر لتأخري."

"هوهوهو، أرى أن الشباب متحمسون هذه الأيام، لا بأس يا بني، تفضل."

هذا الصوت.. لم يكن جافاً وقاسياً؟

رفعتُ رأسي ببطء نحو مصدر الصوت لأجد رجلاً عجوزاً يرتدي معطفاً صوفياً أسود، تعلو وجهه تجاعيد عميقة، بينما يجلس على الكرسي ويضع الأوراق على مكتبه.

دخلتُ الغرفة وأغلقتُ الباب خلفي.

كانت الغرفة شاسعة البياض، جدرانها ناصعة لدرجة تجعل العين تعجز عن تحديد زواياها.

وفي وسط هذا البياض المريب، استقر مكتب خشبي وحيد، بدا كجزيرة معزولة.

حركتُ عينيّ بسرعة مستميتة أحاول التقاط التفاصيل؛ لم ألمح أي كاميرات مراقبة معلقة، لم يكن هناك أي أثر للتكنولوجيا الحديثة التي ملأت ردهات المبنى بالخارج.

كان المكان عارياً تماماً من كل شيء.. باستثناء ذلك العجوز ومكتبه و...

صور!

الكثير من الصور!

كانت الجدران تحتضن مجموعة من الصور القديمة ذات الطابع الكلاسيكي، بدت وكأنها نوافذ تطل على ماضٍ حافل بالأحداث.

وعلى جداري الأيمن، لفتت انتباهي صورة متميزة.

كان يظهر فيها هذا العجوز نفسه في ريعان شبابه، بملامح حادة وجسد ضخم، واقفاً بنصرٍ وهو يمسك بقدمي جثة ذئب بري ضخم.

وتحت هذا الإطار مباشرة، استقرت بندقية صيد ذات مقبض خشبي، معلقة على الحائط كشاهد صامت وتذكار حي لزمن جامح.

"تفضل بالجلوس، أيها المتقدم 1770،" قال العجوز وهو يشير بيده المجعدة نحو كرسي خشبي وحيد قابع أمام مكتبه.

تحركتُ بخطوات متثاقلة والشكوك تنهش عقلي. جلستُ على الكرسي الخشبي الذي أصدر صريراً كسر الصمت المطبق.

"شكراً لك، سيدي،" قلتها بنبرة حاولت جاهدة أن أجعلها تبدو متزنة.

"إذن، كيف تشعر؟"

سأل العجوز وهو يشبك أصابعه الهرمة فوق سطح المكتب الخشبي.

كيف أشعر؟

مرهق، متحمس، متوتر، ومع ذلك لا أرغب بأن ينتهي هذا، لأن نهايته تعني أنني فشلت.

نظرتُ في عينه وقلت بنبرة ثابتة:

"لا أعلم، أشعر بالترقب، لكن الخوف ينهش جسدي، ومع ذلك رغبتي بمعرفة كيف سينتهي الأمر طاغية."

أومأ العجوز برأسه ببطء، وتعمقت التجاعيد حول عينيه الغائمتين وهو يطلق همهمة خافتة:

"الخوف هااا.. غريزة مذهلة، أليس كذلك؟"

صمت العجوز للحظة، ومسح بكفه المجعدة على سطح المكتب الخشبي، قبل أن يتابع بنبرة هادئة.

"معظم الحمقى يظنون أن الخوف نقطة ضعف، عيب يجب التخلص منه لتبدو شجاعاً، لكن الخوف أعظم آلية دفاعية عرفتها البشرية.

إنه المحرك الذي يجعل حواسك حادة كالشفرة،

لولا الخوف لما تعلمنا أن ننجو، كيف نهرب، كيف نبقى نتنفس، كيف نسيطر على أنفسنا."

تابع العجوز حديثه، والتفتت عيناه الغائمتان بي:

"عندما كنتُ في شبابي، كنتُ أظن أن الشجاعة هي ألا تهاب شيئاً.

كنتُ أندفع نحو المخاطر بجسدٍ مشحون بالغرور، حتى وجدتُ نفسي يوماً وجهاً لوجه مع ذئبٍ وسط صقيع الغابة.

في تلك اللحظة، لم تنقذني شجاعتي المزعومة.. بل أنقذني الخوف.

الخوف هو الذي جعل أذنيّ تسمع حركة الرياح بين غصون الشجر، وهو الذي جعل يدي تتشبث بمقبض الفأس بقوة لم أعهدها من قبل. ولكن.."

صمت العجوز فجأة، ومال بجسده إلى الأمام:

«الخوف مثل النار يا بني.. إذا عرفت كيف تشعلها، ستدفئك وتحميك. أما إذا سمحت لها بأن تخرج عن السيطرة، فستحرقك وتحول عقلك إلى رماد متناثر، لينتهي بك الحال كجثة تهتز من أقل نسيم للريح.»

أومأتُ برأسي له، وأنا أحفظ كلماته في أعماق وعيي.

"هوهوهو، أعتذر لأنك اضطررت لسماع ثرثرة هذا العجوز."

ابتسمتُ برفق، وشعرتُ للمرة الأولى بأن الأدرينالين الذي كان يحرق عروقي بدأ يستقر.

"بالعكس سيدي، كلماتك أصابت كبد الحقيقة."

"حسناً يا بني..." قال العجوز وهو يبتسم بينما يفتح الدفتر ببطء: "والآن، دعنا ننتقل إلى سؤالك الوحيد في هذا الاختبار، اكتب إجابتك هنا."

سحبتُ الورقة البيضاء الصغيرة من يده المجعدة. لم يكن هناك سوى سطر واحد مطبوع في منتصفها بخط أسود عريض.

[السؤال]

إذا أعطاك مديرك هدية وكانت الهدية غريبة، هل ستأخذها؟

أعدتُ قراءة السطر البسيط والواضح. أهذا كل شيء؟ أين الفلسفة العميقة؟ أين الأسئلة التي تجعل الدماغ ينفجر؟

نظرتُ إلى الرجل العجوز الذي كان يكتب شيئاً ما بقلم حبر قديم، بملامح هادئة دون أن ينظر إليّ.

أعدتُ نظري للورقة.

"مديري..." تمتمتُ في سري.

لقد وعدت إسكوبرا خريجيها برفاهية العيش مدى الحياة.

مما يعني أن كلمة "مدير" هنا لا تعني رجلاً يرتدي بدلة في شركة بائسة؛ بل تعني النظام أو الجامعة نفسها.

الهدية... إن رفضتُها فهذا يعني أنني أحمق بما أنني لا أعرف محتوياتها، ولكن إن قبلتُها فهذا يعني أنني سأقبل بصداقة هذا المدير الغريب، أو ربما سأقع في فخ طاعته العمياء.

هل عل...

تشتت انتباهي صوت سقوط شيء ما على الأرض.

"أوه.. المعذرة."

قالها العجوز بنبرة هادئة ووجهه منحني على الورقة بين يديه بطريقة غريبة.

"لا بأس سيدي سأجلبه لك."

وقفت بينما كانت عيناي تمسحان الأرضية الرخامية البيضاء بحثاً عن القلم الذي سقط لكني لم أجده.

"ربما تدحرج تحت المكتب."

انحنيتُ ببطء وأنزلتُ نظري تحت المكتب الخشبي.

كانت الرؤية شبه منعدمة في الأسفل بسبب الظل المظلم الكثيف الذي يلقيه المكتب على الأرض.

تحركت أصابعي في الفراغ العاتم، حتى ارتطمت بشيء غريب.

كان شيئاً صغيراً، مستديراً بشكل منتظم، وحجمه يقارب حجم كرة هلامية مطاطية.

لم يكن بارداً كالرخام، بل كان يحمل دفئاً خافتاً لزجاً، يغلفه غشاء رطب.

عندما ضغطتُ عليه برفق دون قصد، شعرتُ بمرونة مبطنة، كأنني أضغط على نسيج حي.

سرت في جسدي رعشة مفاجئة بدأت من أطراف أصابعي واستقرت في أسفل عمودي الفقري.

بينما سحبتُ يدي ببطء إلى الخلف مستعيناً بضوء الغرفة الشديد البياض الذي بدأ يخترق عتمة أسفل المكتب تدريجياً.

رفعتُ كفي أمام عيني، وكان ذلك الشيء مستقراً بين إبهامي وسبابتي، يقطر منه سائل شفاف كالهلام.

نظرتُ إليه..

و تجمدت الأنفاس في حنجرتي.

لم تكن كرة هلامية، ولم تكن دمية رخيصة.

و لم يكن قلماً.

كانت عيناً...عين بشرية حقيقية.

"شكراً لإيجادها من أجلي، 1770"

2026/05/22 · 3 مشاهدة · 1344 كلمة
rryu rjch
نادي الروايات - 2026