تجمدت الأنفاس في حنجرتي.

كان صوت الرجل العجوز بارداً وهو يرفع رأسه نحوي بزاوية لم تكن بشرية تماماً. جمعتُ كل شجاعتي لأنظر إليه.. ثم رأيتها.. ذلك الفراغ في وجهه.

كان محجر عينه الأيمن مجرد حفرة مظلمة، غائرة، وجافة.. تجويف أسود فارغ يتناسب تماماً مع حجم المقلة المستقرة بين أصابعي المرتجفة.

في تلك اللحظة، اتسعت ابتسامته لتصبح واسعة وحادة، ممزقةً وقاره السابق.

امتدت يده ذات التجاعيد العميقة والجلد الميت نحوي ببطء، واستقرت كفه المفتوحة في الفراغ بيننا... منتظراً، بكل برود، أن أعيد له عينه المفقودة.

في تلك الأجزاء من الثانية، شعرتُ وكأن خلايا جسدي بأكملها قد أعلنت العصيان.

بينما يصرخ عقلي بكلمة واحدة:

اهرب.

اهرب..

اهرب!!

"اهرب؟ إلى أين؟" سأل الجزء البارد من دماغي وسط ضوضاء الذعر. الباب خلفي مغلق، والجامعة بالخارج عبارة عن متاهة تلتهم من يخالف القوانين.

الهروب يعني الإقصاء، والإقصاء يعني الفشل.

"أيها المتقدم 1770، هيا أعطني إياها."

ليس لديك خيار!

رفعتُ يدي المرتجفة ببطء ووضعتُ المقلة في كفه.

وبمجرد أن لمست المقلةُ كفه، سحب يده بسرعة خاطفة، وكأن مغناطيساً قوياً جذبها نحو وجهه.

لم أره يضعها في محجر عينه، بل سمعت صوتاً رطباً، أشبه بانغراس جسم في مادة هلامية، تلاه صوت "طقطقة" عظمية خفيفة.

أغمض العجوز عينه الوحيدة.. ثم فتحها.

الآن، كانت العينان أمامي متطابقتين تماماً؛ عينان رماديتان، باهتتان، لا تلمعان بأي إنسانية، بل تبدوان كعدستين من زجاج قديم وُضعتا في رأسٍ لا يخصهما.

ابتسم لي بهدوء ثم أشار للكرسي لأجلس.

"لا، لا أريد ذلك."

لم أستمع له، بقيت واقفاً في مكاني، أثبتُّ قدميّ على الأرضية الرخامية الباردة بكل ما أوتيتُ من قوة، بينما كانت أنفاسي تتسارع في صدري كطائر محبوس في قفص من ضلوع.

"لست مطيعاً ها؟.. في جيلنا كان الصغار يحترمون الكبار وينفذون لهم كل ما يطلبونه، أما من يعصيهم..."

تغيرت ملامح وجهه فجأة. انزلقت عيناه إلى فكه بينما طُمِس أنفه واختفى تماماً، كأن جلده أصبح عجيناً مريضاً يُعاد تشكيله بأصابع خفية.

ارتفعت عظام وجنتيه لتبرز بشكل حاد، وتمدد فكه السفلي ليسقط نحو صدره، فاتحاً فجوة موحشة مليئة بصفوف لا تنتهي من الأسنان الشبيهة بإبر الخياطة المعدنية.

لم يعد عجوزاً. لقد كان جسده الآن يتمدد ويتمزق تحت معطفه الصوفي، وكأن قميصه لم يكن يغطي بشراً، بل يغطي كومة من الأطراف الملتوية التي تحاول الخروج.

"فسيكون وجبتنا التالية." صوته لم يعد بشرياً؛ بل كان مزيجاً من صرير الرخام واحتكاك المعادن، يخرج من فجوة فكه المتدلي.

لم يكن ما شعرت به مجرد خوفٍ عادي؛ بل كان انهياراً كاملاً للجهاز العصبي تحت وطأة واقعٍ يتحدى قوانين الطبيعة. تراجعتُ خطوة إلى الوراء، لكن قدمي تعثرت بحافة الكرسي الخشبي، فسقط الكرسي أرضاً. شعرتُ ببرودة غريبة تخترق عظامي كأنها تحذرني من أنني لم أعد في عالم الأحياء.

رائحته.. تلك الرائحة التي كانت عطرية ودافئة قبل لحظات، تحولت فجأة إلى رائحة النحاس الممزوج باللحم المتعفن والمواد الكيميائية الخانقة.

ما الذي يحصل..

ما الذي يحصل!!!

توقفتُ عن التنفس. ببساطة، نسيتُ كيف أفعل ذلك. الحنجرة التي كانت تحاول الصراخ كانت مغلقة تماماً، كأن أحداً قد خيطها من الداخل بخيوطٍ من الجليد.

انظر إلى الباب.. المقبض.. حرك يدك.. افتحه.. كانت هذه الأوامر الوحيدة التي استطاع عقلي المنهار إصدارها.

لكن جسدي كان يخذلني بوضوح؛ ركبتاي كانتا ترتجفان بعنف لدرجة أنني شعرت بأنني سأنكسر في أي لحظة. أطلقتُ يديّ لتتحركا بآلية مرعبة، لا تستجيبان لأي منطق سوى غريزة البقاء البدائية.

الباب... الباب...

حاولتُ تدوير مقبض الباب بجنون، لكنه كان صامداً، جامداً، وكأنه جزء من الجدار نفسه.

"الهروب.. أليس هذا ما يفعله الصغار حين يدركون أنهم لم يعودوا في ساحة اللعب؟"

في تلك اللحظة، انطلق الكائن من خلف المكتب. لم يعد يركض، بل كان يندفع كعنكبوت مشوه، أطرافه التي انشقت عن معطفه الصوفي كانت تتطاول وتلتوي كأفاعٍ لمحميه و معدنية، تصطدم بالجدران فتترك شقوقاً غائرة في الرخام.

تطاير المكتب الخشبي وكأنه ريشة عندما ارتطمت به إحدى تلك الأطراف الملتوية. لم أفكر.. لم أحلل.. غريزة البقاء كانت تصرخ داخلي.

انحنيتُ تحت ضربة خاطفة أطاحت بجزء من السقف، وتفاديتُ طرفاً مدبباً كاد يخترق كتفي.

لكنه تسبب في جرحها.

اشتعل الألم في كتفي كأنني ضُربت بنصل، لكن الأدرينالين خفف ألمي قليلاً.

سقطتُ على الأرض، وتدحرجتُ بسرعة نحو الزاوية، ملتصقاً بالرخام البارد بينما أنظر حولي بحثاً عن مخرج.

توقف الكائن للحظة، رأسه يدور 180 درجة، وعيناه الرماديتان الزجاجيتان تبحثان عني في الغرفة التي بدأت تتشوه جدرانها وتذوب كما لو كانت مصنوعة من الشمع الساخن.

سحقاً سحقاً سحقاً كيف أنجو؟

لا بد من مخرج، لكن كي...

فجأة استقرت عيناي على شيء ما..

ربما ستنجح؟

لكن.. ماذا لو كان غير حقيقي هو الآخر؟

ماذا لو أمسك بي؟

ماذا لو كان جزء منه؟

ماذا لو...

ماذا لو..

ماذا لو...

اللعنة على كل شيء، تباً لهم جميعاً.

لا وقت للندم، لا وقت للمنطق، ولا وقت للخوف من الاحتمالات.

الخيار الوحيد هو الموت أو النجاة.

قمتُ بتمزيق قطعة من قميصي وربطها بإحكام حول كتفي، بينما كان الكائن يزحف بجسده المشوه على الجدار، تاركاً خلفه أخاديد عميقة في الرخام.

انحنيتُ تحت ضربةٍ خاطفة، فمزقت المخالب الهواء فوق رأسي بقوةٍ جعلت أذنيّ تطنان.

تدحرجتُ على الأرضية الرخامية التي بدأت ملمسها يتغير؛ لم تعد صلبة، بل أصبحت لزجة، كأنني أجلس فوق جلدٍ حيّ.

اندفعتُ نحو الجدار، يداي ترتجفان لكنهما كانتا تتحركان بجديةٍ جنونية، وبدأتُ أنتزع إطارات الصور القديمة واحداً تلو الآخر، وأرميها عليه باتجاهات عشوائية.

تحطم الزجاج وتناثرت القطع المعدنية، وأصدرت أصواتاً حادة أيقظت صدى الغرفة المشوهة.

توقف الكائن للحظة، استدارت رقبته بحركةٍ لولبية مقززة، وعيناه الزجاجيتان سقطتا على الصور المحطمة، ثم انبعثت منه ضحكة ميكانيكية متقطعة، تشبه صوت طحن الصخور:

"محاولات.. يائسة.. 1770!"

لم أجب. كنت ألهث بشراسة، وجسدي يرتجف من فقدان الدماء الذي بدأ يثقل حركتي.

اندفع الكائن نحوي كإعصارٍ من الأطراف الملتوية واللحم المتمزق، كان كل شيء يتحرك بسرعةٍ تجعل الرؤية تضطرب.

رميتُ بجسدي إلى الخلف في حركةٍ انسيابية يائسة، لتمزق المخالب الهواء تماماً في المكان الذي كان رأسي يقبع فيه قبل جزء من الثانية.

شعرتُ بلفحةٍ هوائية باردة ملوثة برائحة الموت تعبر فوق وجهي.

"لا تلتفت.. استمر في الحركة!" صرخ صوتٌ داخلي في عقلي.

واصلتُ تحطيم الصور وإلقاء الإطارات المعدنية كالجنون في كل مكان مما جعل الزجاج يملأ الغرفة.

"أنتَ.. أنت توقف عن تحطيمها!" زأر الكائن، صوته تضاعف ليصبح جوقة من الصرخات المعدنية المتداخلة.

اندفع الكائن نحوي، مخالبه المتطاولة كأنصال السيوف تشق الرخام تحت قدمي.

لم أعد أفكر كثيراً، بل أصبحت حركاتي انعكاساً لغريزة محضة؛ انحنيتُ لليسار، فشعرتُ بلفحة النصل تمزق كم قميصي، ثم انبطحتُ أرضاً بينما مرّ فوقي جسده الملتوي كأفعى حديدية مشوهة، ليرتطم بالجدار المقابل ويحوله إلى ركام.

انقضَّ الكائن بجسده المتطاول كأنه سوطٌ من جحيم، كانت حركته في هذه اللحظة أسرع مما يمكن لعين بشرية أن تتابعه. لم أره يندفع، بل لم ارى مجسداً يخرج من صدره.

في تلك اللحظة لم استطعتُ المراوغة. كان المخلب أسرع من نبضات قلبي المذعورة.

اخترق المخلبُ معدتي بقوةٍ وحشية، ليحملني عن الأرض في الهواء، ويثبتني بعنفٍ ضد الجدار الرخامي الصامد. شعرتُ بالحرارة المعدنية للمخلب وهي تخترق أحشائي، ثم تبعها برودة الجدار خلف ظهري.

"ها قد انتهت المحاولات، 1770،" زمجر الكائن، وصوته يخرج هذه المرة من عدة مخارج في جسده المشوه في آن واحد.

سالت الدماء من فمي، دماء ساخنة لوثت قميصي الأبيض الذي تحول إلى قطعة مهترئة وملطخة باللون القرمزي.

اتسع فكُّ الكائن المشوه بشكل مرعب، ليظهر إلى الخارج، لتظهر صفوف من الأسنان المعدنية المسننة التي كانت تلمع بضوء الغرفة الشاحب.

من أعماق ذلك الفم تصاعدت رائحة كريهة لا تطاق، مزيج من العفن والصدأ وشيءٍ آخر لا يمكن وصفه إلا بأنه رائحة الدم.

بدأ اللعاب الأسود اللزج يقطر من بين تلك الأسنان، محرقاً الرخام الذي يسقط عليه ويصدر أزيزاً خافتاً.

"وداعاً، 1770.."

2026/05/22 · 3 مشاهدة · 1175 كلمة
rryu rjch
نادي الروايات - 2026