بعد انتصار نيكو المضني، ساد شعور بالاضطراب في المدرجات؛ إذ لم يرق النبلاء رؤية "متبنى" آخر ينتصر بمهارة جسدية بحتة. وبينما كان العمال يزيلون بقع الدماء من الساحة، بدأت كرة المانا في الدوران بسرعة مرة أخرى.

​توقفت الكرة، كاشفةً عن الأسماء:

​ [أدريان فانيت ضد هوغو من عائلة ترينش]

​انفجرت ضحكات مكتومة وهمسات ساخرة من جناح النبلاء. "هوغو؟" علّق أحد الطلاب وهو يحيي زميلاً له، "يا لهذا المتبنى المسكين، ستنتهي قصته قبل أن تبدأ حتى."

​لقد وُضع أدريان في مواجهة جدار بشري؛ فعائلة "ترينش" كانت مشهورة بأنها لا تتراجع أبداً. كان هوغو يمثل القوة البدنية الخام وغير المروّضة—شاب ضخم برقبة غليظة وذراعين كجذوع الأشجار، لُقب بـ "الصخرة".

​خطا هوغو داخل الدائرة الحمراء، وهو يفرقع أصابعه

طقطقة.

طقطقة.

بنظرة ملؤها الازدراء المحض. أما أدريان، فقد مشى بهدوء، يداه مسترخيتان، وعيناه تمسحان كل تفصيل في وقفة خصمه.

​هذه المرة، قرر أدريان إظهار مستوى "جيد" من الجهد—محيًا بأنه قد دُفع إلى أقصى حدوده—بينما كان في الواقع لا يستخدم أكثر من 30% إلى 40% من قدرته البدنية الفعلية.

​"ابدأوا!" صرخ جوردان.

​اندفع هوغو كجبل متحرك، مطلقاً لكمة يمينية كاسحة.

سوووش!

أظهر أدريان رشاقة أذهلت من كان يراقب عن كثب. قوس ظهره بزاوية حادة، تاركاً قبضة هوغو تمر على بعد سنتيمترات قليلة من وجهه، قبل أن يدور بسرعة مذهلة.

​ ثاد!

قام ادريان ب ركلة سريعة كالبرق استقرت في أضلاع هوغو.

​ترنح هوغو، والصدمة مرتسمة على وجهه. "أنت سريع أيها الجرذ، لكن السرعة ليست كل شيء!" زأر وهو يهاجم مرة أخرى بوابل من الضربات المتتالية. بام! بام! بام!

​بدأ أدريان "رقصته". تحرك بسلاسة، محولاً لكمات هوغو بعيداً عن مسارها بحركات يد دقيقة.

سلاب!

كلينك!

بدأ العرق يتصبب على جبين هوغو. "إنه يقاتل بضراوة!" همس أحد المتبنين بإعجاب. لاحظت إيلينا فاليريان أن أدريان يمتلك أساساً بدنياً قوياً بشكل مفاجئ، لكنها افترضت أن هذا هو "سقفه".

​أمسك هوغو بأدريان من قميصه، محاولاً طرحه أرضاً. لكن أدريان استغل خفته؛ تسلق ذراع هوغو في لمح البصر، ولف ساقه حول رقبته، ضاغطاً بجسد هوغو إلى الأسفل.

​ غرنت!

تعثر هوغو لكنه ظل واقفاً.

​عند هذه النقطة، قرر أدريان إنهاء النزال. اندفع نحو هوغو، وتفادى ضربة بالرأس، ووجه ثلاث ضربات سريعة لـ "نقاط الضغط" في صدر هوغو.

​ تاب-تاب-تاب!

بالنسبة للجمهور، بدت اللكمات "ضعيفة"، لكنها كانت مصوبة بدقة لشل حركة الهدف وعرقلة تنفسه.

​أخيراً، قفز أدريان ووجه ركلة دائرية استقرت في صدغ هوغو.

​ واك!

سقط هوغو على ركبتيه، محاولاً استجماع قوته، لكن جسده خذله تماماً.

انهار فاقداً للوعي.

​"انتهى القتال،" قال أدريان وهو ينفض الغبار عن ثيابه متطلعاً نحو البروفيسور جوردان.

​"الفائز... أدريان فانيت،" أعلن جوردان بنبرة جديدة تحمل الاحترام. "نزال جيد. لقد أثبتّ أن الإرادة يمكن أن تعوض عدم استقرار المانا، رغم أن القتال البدني وحده لن يكفي في مبارزة سحرية كاملة."

​عاد أدريان إلى مكانه وسط ردود فعل متباينة. ضيق كاسباريان عينيه قائلاً: "مرن كالجرذ، لكنه سيبقى جرذاً في النهاية."

​أما ليليث مالكوار، فقد راقبته بنظرة غامضة؛ كانت الوحيدة التي لاحظت أن حركة قدمي أدريان لم تتذبذب ولو لمرة واحدة رغم تظاهره بالإرهاق. كان القتال عادياً—أكثر من اللازم!

​"أنت ممثل بارع،" همست لنفسها، وهي تضغط بإصبعها على شفتها السفلية.

​رفع سيباستيان بلاتود عينيه للمرة الأولى، ونظر إلى أدريان لنصف ثانية قبل أن يعود إلى صمته المعتاد، وكأنه التقط "إشارة" غابت عن الآخرين.

​راقبته إيلينا فاليريان بصمت مطلق. وكابنة لعائلة تقدس "فن المبارزة"، رأت في حركات أدريان شيئاً فات البقية. لاحظت الزاوية الدقيقة لتفاديه؛ لم تكن عشوائية. فكرت بضيق في عينيها الزرقاوين: "غريب". ومع ذلك، استبعدت فكرة أنه قوي حقاً. بالنسبة لها، كان أدريان مقاتلاً بدنياً "جيداً"، لكنه لا يزال بعيداً بمراحل عن مستوى النخبة.

​استمرت المبارزات، مظهرةً تألق إيلينا وذكاء ليليث. لكن المباراة الأهم كانت مباراة سيباستيان.

​فكر أدريان في نفسه مثنياً على قوة سيباستيان: "عليّ أن أعترف انه قوي صمت قليلا واكمل .

'' لكنني لا أعتقد أنه سيكون مشكلة كبيرة بمفرده"

​قاطعه صوت البروفيسور جوردان وهو يختتم الاختبار الثاني.

​"انتهت اختبارات اليوم. سنختتم غداً بالاختبار الثالث والأخير. عودوا جميعاً إلى الغرف للاستعداد للراحة."

​وبينما كانوا في طريق العودة، التفت أدريان إلى نيكو وقال . "اذهب أنت إلى الغرفة". لم يفهم نيكو السبب، لكنه أسرع مغادراً، فقد كان يتوق للاستحمام.

​ابتعد نيكو، وبمجرد أن أصبحت مسافة كافية بينهما، تحدث أدريان في السكون.

​"هل ستخرجين، أم لا؟"

​ظهرت ليليث، وهي تمسك قماش فستانها بهواء من البراءة المصطنعة. "أوه، اعتذاري أيها 'الممثل البارع'،" قالت بسلاسة. "لم أقصد تتبعك."

​واصل أدريان المشي بلامبالاة باردة، دون أن يمنحها حتى التفاتة. توقفت ليليث عن العبث بفستانها. وضاقت عيناها البنفسجيتان ببريق لم يره أحد من قبل. اقتربت منه بخطوات شبحية سريعة حتى لم تعد تفصلها عنه سوى مسافة ذراع. انبعثت منها رائحة غريبة—مزيج من أزهار برية وشيء حاد ومعدني.

​"هوغو لم يسقط لأنك أرهقته،" همست، وصوتها يثقب الهدوء. "لقد سقط لأنك قطعت عنه الهواء في اللحظة التي اعتقد فيها أنه ممسك بعنقك. كانت حركة قدميك ثابتة لدرجة مرعبة... لم تكن تقاتل من أجل حياتك. هل تعتقد حقاً أن النبلاء حمقى لدرجة أنك تستطيع خداعهم هكذا؟"

​توقف أدريان. التفت نحوها أخيراً. في تلك اللحظة، لم تعد عيناه باهتتين؛ بل حملتا بريقاً بارداً أرسل قشعريرة غريبة في عمود ليليث الفقري—شعور لم تختبره من قبل.

​شعور الفريسة التي تقف أمام مفترس.

​"الاستراتيجية والسرعة ليستا ملكية حصرية لعائلتك،" قال أدريان، مائلاً برأسه قليلاً. "إذا كنتِ بالذكاء الذي يقولونه، فستعرفين أن التدخل في شؤون 'الممثلين' قد يمنحكِ دوراً في المسرحية لم تختاريه."

​انخفض صوته، ليصبح خفيضاً كفحيح الأفعى:

​"أما بالنسبة لسؤالك عما إذا كان النبلاء حمقى... فالإجابة هي نعم. الحماقة ليست نقصاً في الذكاء، بل هي فيض من الكبرياء. كبرياؤهم يمنعهم من رؤية حقيقة متبنى مثلي."

​تراجعت ليليث خطوة مفاجئة للخلف.

​"أنت خطر..." تمتمت، "خطير جدا "وهذه المرة، لم تحمل نبرتها أي سخرية.

​"أنا مجرد 'متبنى' يحاول البقاء،" أجاب أدريان، مديراً ظهره ليكمل طريقه.

​في غرفتهما، كان نيكو قد غط في نوم عميق من ثقل الإرهاق، بينما جلس أدريان بجانب النافذة، يحدق في الساحة. أخرج سكيناً صغيراً وبدأ في إخراجه ببطء من غمده؛ وفي عينيه، انعكس ضوء القمر، مما جعلهما تبدوان كبحر من الجليد الأسود.

​....................................................

طبعا اعذروني لو كانت بعض الفصول قصيرة لكن ترتيبي لفصول الرواية هكذا ستجدون بعض الفصول طويله وبعضها قصيرة .

وشكرا على كل شخص يترك تعليقا ويتابع هذا العمل بحماس ✨

2026/01/11 · 34 مشاهدة · 979 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026