[منظور ليليث]
تصلبت ليليث في مكانها، وشعرت كما لو أن الهواء قد سُحب من رئتيها دفعة واحدة. الرائحة المنبعثة منه لم تكن رائحة طالب خائف أو "متبنى" يحاول البقاء؛ بل كانت رائحة "سكون" مرعب، مثل صمت المقابر.
عندما التفت نحوها، لم ترَ تلك العينين الخاملتين اللتين استخدمهما لخداع الجميع في الساحة. رأت شيئاً آخر... رأت هاوية شاسعة مظلمة. سرت قشعريرة باردة في عمودها الفقري—وهو شعور لم تكن معتادة عليه إلا أمام والدها وإخوتها.
"الاستراتيجية والسرعة ليسا ملكية حصرية لعائلتكِ فقط،" قال أدريان وهو يميل برأسه قليلاً. حملت نبرته هدوءاً يجعلكِ ترغبين في الصراخ.
أرادت ليليث الرد؛ أرادت السخرية منه بصفتها ابنة عائلة مالكوار ، العائلة التي تلاعب بالعقول. لكن لسانها كان ثقيلاً. ومع انتهاء كلامه، أدركت الحقيقة المرة: لم تكن تطارد أرنباً؛ بل كانت تمشي بمحض إرادتها إلى عرين الأسد.
عندما غادر، بقيت واقفة لعدة دقائق، أنفاسها مضطربة قليلاً وأطراف أصابعها ترتجف. نظرت إلى البقعة التي كان يقف فيها ولم تجد حتى أثر قدم في الغبار—وكأن شبحاً قد عبر من خلال جدار.
"هل تظن أن النبلاء حمقى؟" تذكرت سؤالها له وشعرت بموجة من الخجل من غبائها. النبلاء ليسوا مجرد حمقى؛ بل هم عميان تماماً. أدركت حينها أن ما يسمونه "نبالة" ليس سوى كفن سميك من الجهل المقدس.
لقد رأوا العالم من خلال ألقابهم، بينما هو يرى العالم من منظور مختلف تماماً.
عادت ليليث إلى غرفتها بخطوات غير متزنة تماماً. أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه، تاركة جسدها ينزلق ببطء حتى لامست الأرض الباردة. كان صوته لا يزال يتردد في أذنيها مثل طنين النحل.
نزعت قفازات القتال الجلدية ولاحظت أن راحتي يديها كانتا متعرقتين—وهو أمر لم يحدث لها منذ امتحانات الدخول الأولى.
القناع الحازم الذي كافحت للحفاظ عليه قد تحطم بسهولة أمامه.
اتجهت إلى السرير وارتمت فوق الأغطية الحريرية دون حتى أن تغير ملابسها. حدقت في السقف، حيث انعكست ظلال الأشجار في الخارج بضوء القمر،
"أدريان فانيت..." همست باسمه، وكأن الكلمات نفسها تحمل ثقلاً غريباً.
قبل أن تغرق تماماً في النوم، كانت آخر فكرة خطرت ببالها هي أن اختبار الغد سيكشف عن شيء جديد.
بينما غطت ليليث في نوم مضطرب، كان أدريان في جزء آخر من المهجع لا يزال مستيقظاً. جلس في الضوء الخافت، يلمس خنجره بهدوء—حركة إيقاعية ثابتة، وكأنه يطمئن النصل قبل الاختبار القادم.
في صباح اليوم التالي...
مع الخيط الأول من فجر رمادي، لم تشرق الشمس بسلام. وبدلاً من ذلك، تحطم صمت الأكاديمية برنين معدني حاد:
— تررررن! —
تردد صدى الصوت في كل زاوية. توهجت كرات المانا المعلقة في ممرات المهجع بلون أصفر فاقع، وانبعث منها صوت البروفيسور جوردن الأجش والقاسي:
"إلى جميع الطلاب... انتهى وقت الراحة. أمامكم ثلاثون دقيقة للتجمع عند البوابة الشرقية المطلة على غابة الغسق . أي شخص يتأخر ثانية واحدة سيفشل فوراً في الاختبار الثالث. أحضروا أسلحتكم واستعدوا."
استيقظت ليليث فجأة، وجسدها مشدود كوتر القوس. كانت لا تزال ترتدي ملابس الأمس. نظرت إلى يدها التي كانت ترتجف قليلاً في حلمها، وقبضت قبضتها حتى ابيضت مفاصل أصابعها.
"لقد بدأ الأمر،" همست لنفسها، وهي تنهض لتغسل وجهها بماء مثلج.
على الجانب الآخر، نهض نيكو مذعوراً، وكاد يسقط من سريره، بينما كان أدريان واقفاً بالفعل عند النافذة. كان قد ارتدى عباءته الباهتة وثبت خنجره بإحكام.
"أدريان! هل سمعت ذلك؟
" قال نيكو وهو يبحث عن حذائه في ارتباك. "قال الغابة...! لقد سمعت أن الوحوش هناك قوية بشكل لا يصدق."
التفت إليه أدريان ببروده المعتاد، وأمسك بقلادة تصنيفه ووضعها حول عنقه.
"هذا جيد يا نيكو . الوحوش عادلة؛ فهي تريد التهامك فقط.
اما البشر؟
البشر هم المشكلة؛ فهم يريدون كسر روحك قبل جسدك. لكن
تذكر فقط... ابقَ خلفي في جميع الأوقات، ولا تتخذ قرارات غبية."
عند البوابة الشرقية
كان المشهد عند البوابة مهيباً ومرعباً في آن واحد. وقف مئات الطلاب في صفوف بينما كان الضباب الكثيف المتدفق من الغابة يزحف نحو أقدامهم مثل ثعابين بيضاء.
وقف كاسبريان في المقدمة، محاطاً بأتباعه الذين لمعت دروعهم الفاخرة؛ مرر يده على مقبض سيفه المشتعل بنظرة غطرسة محضة. أما سيباستيان بلاتود ، فقد وقف وحيداً كالعادة، يحدق في الأشجار الضخمة بنظرة فارغة، وكأن الاختبار قد انتهى بالنسبة له.
وصلت ليليث إلى الساحة، وبحثت عيناها غريزياً عن ذلك الشعر الأسود الفوضوي والوقفة الخاملة. ووجدته. كان يقف عند الطرف البعيد مع "المتبنين"، يبدو ضعيفاً، صغيراً، وغير مرئي. لكنها الآن تعرف حقيقته.
قاطع تفكيرها رؤية البروفيسور جوردن
تقدم البروفيسور جوردان للأمام، حاملاً خريطة جلدية قديمة.
"خلف هذه البوابة، لا توجد قواعد للأكاديمية. هناك قانون واحد فقط: البقاء للأقوى . القلادات التي ترتدونها هي تذاكركم للعام الدراسي الأول. أي شخص يخرج بقلادته الخاصة وقلادة واحدة إضافية على الأقل، ينجح."
القواعد كالتالي:
البقاء: الوصول إلى المنارة في وسط الغابة لتسليم الغنائم.
النزاهة: القتل ممنوع بين الطلاب. الموت على يد الوحوش يعكس ضعفك فقط.
نظام التصنيف:
قلادة إضافية واحدة + قلادتك = فصل النجمة الواحدة.
قلادتان إضافيتان + قلادتك = فصل النجمتين.
ثلاث قلادات إضافية أو أكثر = فصل النخبة (Elite Class).
الحرية: التحالفات، وجميع أنواع السحر، والقتال، والأسلحة مسموح بها.
فتح الحراس البوابات الحديدية الضخمة بصرير مروع
كرررررريك!
أمر جوردان : " انطلقوا! "
بمجرد أن نطق جوردان كلمة "انطلق"، تحولت الساحة الهادئة إلى فوضى منظمة.
لم تكن بداية عادية. كانت انفجاراً من الطاقة، والآمال، والمخاوف.
اندفع النبلاء للأمام أولاً، وكأنهم في سباق خيول. استخدم كاسبيريان مانا الحمم ليدفع نفسه كالقذيفة، مخلفاً وراءه أثراً من العشب المتفحم وصيحات أتباعه الذين يعانون لمواكبته.
أما سيباستيان بلاتود ، فقد تحرك بخطوات بدت بطيئة لكنها قطعت مسافات شاسعة. بدا وكأنه ينزلق فوق الزمن نفسه، مختفياً في الضباب دون أدنى صوت.
لم تندفع ليليث مالكوار مع الحشد. وبدلاً من ذلك، قامت بقفزة رشاقة نحو جذع شجرة قريب، ومنه إلى الأغصان العالية. فضلت التحرك في "المستوى الثاني" من الغابة—حيث الرؤية أوضح والكمائن أصعب. لم تغب عيناها أبداً عن تلك البقعة الباهتة حيث كان يقف أدريان .
على عكس الجميع، لم يركض أدريان .
سار بهدوء وثبات، ممسكاً بكتف نيكو الذي كان يرتجف. لم تترك يد نيكو مقبض سيفه أبداً.
"أدريان، الجميع يسبقوننا! سنفقد القلادات السهلة!"
قال نيكو بصوت منخفض ومضطرب.
أجاب أدريان ، وعيناه تمسحان مداخل الغابة ببرود:
"دعهم يركضون يا نيكو . الغابة ليست مضمار سباق الان
؛ إنها متاهة. أولئك الذين يركضون أولاً هم من يقعون في الفخاخ استخدم عقلك الذي يبدوا كالحجارة قليلا."
"إذاً متى سنبدأ؟" رد نيكو بنبرة غاضبة قليلا
قال أدريان : "الآن.
وتذكر... نحن لا نبحث عن القلادات. نحن ننتظر القلادات لتبحث هي عنا."
بمجرد أن خطوا خطوتهم الأولى داخل الغابة، ابتلعهم الضباب الكثيف. تلاشت صرخات الطلاب خلفهم.
وحلت محلها أصوات غريبة: صرير الأشجار العتيقة، زئير الوحوش البعيدة، ووقع الأقدام المعدنية للطلاب الذين بدأوا بالفعل في نصب الكمائن لبعضهم البعض.
في الدقائق الأولى، بدأت الغابة في تصفية طلابها. سُمعت صرخات استغاثة من "المتبنين" الذين وقعوا في شباك سحرية نصبها نبلاء من عائلات متوسطة المستوى رغبوا في ضمان نجاحهم بسرعة.
أما المراقبون، الذين يرتدون عباءات رمادية ويقفون فوق قمم الأشجار مثل الغربان، فلم يحركوا ساكناً. كانت مهمتهم تسجيل النتائج، لا إنقاذ الأرواح.
من بعيد، رأى أدريان طالباً من عائلة ترينش يستولي على قلادة من فتاة متبناة كانت تبكي على الأرض. نظر نيكو إلى أدريان ، متوسلاً إياه للتدخل، لكن أدريان أشار إليه بالرفض.
"ليس الآن،" همس أدريان . انظر للأعلى."
فوق الشجرة حيث وقف طالب عائلة ترينش ، كانت هناك خيوط مانا خضراء تكاد تكون غير مرئية. فجأة، اختُطف الطالب للأعلى بسرعة البرق—وهو يصرخ—لتظهر إيلينا فاليريان ، واقفة بهيبة على غصن شجرة، ممسكة بقلادته وقلادة الفتاة.
أشار أدريان لـ نيكو بمواصلة الابتعاد.
تجنب أدريان الطرق الرئيسية، وانحرف نحو منطقة كثيفة بالشجيرات الشائكة والظلال الداكنة. كان يتحرك بطريقة غريبة—يتوقف فجأة، يلمس جذع شجرة، ثم يغير مساره ببضع بوصات فقط.
"لماذا نبتعد عن الطريق المؤدي إلى المنارة؟" سأل نيكو .
توقف أدريان . نظر للخلف نحو المكان الذي اشتبه أن ليليث تراقبه منه، ثم ابتسم ابتسامة باهتة خالية من أي دفء.
"لأننا لن نذهب إلى المنارة بقلادة واحدة فقط يا نيكو . نحن ذاهبون لضمان دخولنا إلى فصل النخبة. لكي تحصل على ثلاث نجوم، يجب أن تصطاد أولئك الذين يظنون أنفسهم صيادين."
في تلك اللحظة، ومن خلف شجرة ضخمة مغطاة بالطحالب، ظهر ثلاثة طلاب يرتدون شعار عائلة لورانس . كانوا يحملون رماحاً طويلة توهجت بمانا البرق الأصفر.
قال قائدهم بضحكة خبيثة: "انظروا ماذا وجدنا في الظلال."
كان القائد ذا شعرٍ أصفر وعينين ذهبيتين. وخلفه طالبان—توأمان—يبدوان متطابقين تماماً ويرتدون دروعاً خفيفة.
"المحظوظ أدريان وتابعه الصغير. يبدو أن رحلتكما تنتهي هنا،" قال القائد.
لم يتراجع أدريان . أرخى كتفيه ووضع يده ببطء على مقبض خنجره.
"نيكو،" قال أدريان بصوت جاف مع ابتسامة طفيفة ترتسم على وجهه.
"هل ستتولى أمرهم، أم أبدأ أنا بهم؟"
.............
اتمنى ان يعجبكم الفصل ✨