(من وجهة نظر سيباستيان)
كل نفس أستنشقه في هذه الغابة هو معركة ضد الاختناق.
ليس بسبب الضباب الكثيف أو وحوش المانا، بل بسبب ذلك الكفن الجلدي الملعون الملفوف حول صدري تحت درعي. إنه القيد الذي يذكرني في كل ثانية بأن وجودي هنا هو أكبر كذبة في تاريخ عائلة بلاتود .
توقفت للحظة وسط الأشجار العملاقة وأغمضت عينيّ.
في الظلام خلف جفوني، عاد ذلك اليوم المشؤوم قبل عشر سنوات...
الماضي: موت "سيرفينا"
كانت قاعة الأجداد باردة كالقبر.
أتذكر وقوفي أمام المرآة الطويلة، وأنا أشاهد فستاني الوردي المفضل يُلقى في النيران أمام عينيّ. والدي، الدوق أوسكار بلاتود ، لم ينظر إليّ كابنة؛ بل نظر إليّ كـ "مشكلة" يجب حلها.
قال والدي، وصوته يشبه صرير الأبواب القديمة: " سيرفينا ، قانون الدم في عائلتنا مطلق. المانا السوداء —سر قوتنا وقيادة العائلة—لا يمكن أن يرث يمتلكها إلا ذكر. كان هذا هو المرسوم منذ البداية."
اقترب مني أكثر، وظله يبتلعني.
"إذا اكتشف نبلاء الفروع، أو الطامعون، أو الإمبراطور أنني لم أنجب ابناً، فسيتم تجريدنا من أراضينا، وسينتهي نسلنا."
أتذكر برودة المقص وهي تلامس عنقي، وصوت شعري الطويل وهو يتساقط على الأرضية الرخامية.
تلك الليلة، لم أبكِ لأنني فقدت شعري؛ بكيت لأنني رأيت موت " سيرفينا " في عينيّ والدي.
قال وهو يشد الأربطة حول صدري بقوة مؤلمة لدرجة أنني لم أستطع حتى الصراخ: "من اليوم، أنتِ سيباستيان . مشاعركِ، رقتكِ، حتى نبرة صوتكِ...
كل ذلك يجب أن يُدفن. أنتِ لستِ سيرفينا الآن؛ أنتِ 'النصل ' الذي سيحمي عرش بلاتود ."
الحاضر: غابة الغسق
فتحت عينيّ وعدت إلى ضباب الغابة.
كانت المانا السوداء تغلي تحت جلدي، وكأنها تستجيب للضيق في صدري. إنها طاقة لا ترحم تلتهم كل ما حولها.
سرت بخطوات ثقيلة ومدروسة—المشية التي تدربت عليها لسنوات لأخدع الجميع بضخامتي الجسدية الوهمية.
كانت الغابة صاخبة بصرخات الطلاب المستغيثين، لكن حولي ساد صمت مطبق. حتى "غزال المانا" الذي يمر من بعيد كان يتجمد في مكانه ثم يفر في حالة ذعر عندما يشعر بوجودي.
" سيباستيان ... إنه هو!"
ظهر طالبان من النبلاء من خلف صخرة ضخمة.
كانا من عائلة دوفال ، وهي عائلة فرعية لطالما حلمت بالوصول إلى رتبة النخبة. كانا يحملان سيوفاً مشحونة بمانا البرق الأسود، وكأنما ظنا أن شراراتهما الضعيفة يمكن أن تصمد أمام ظلام بلاتود .
قال أحدهما، وصوته يرتجف رغم محاولته الظهور بمظهر الشجاعة: "سلم قلادتك يا سيباستيان . أنت وحدك هنا، و المانا السوداء عديمة الفائدة في غابة كثيفة."
نظرت إليهما ببرود، وشعرت بتلك الغصة في حلقي.
لو كنت " سيرفينا "، ربما كنت سأشعر بالخوف أو أحاول التفاهم معهما. لكنني " سيباستيان ".
و" سيباستيان " لا يتحدث مع الضعفاء.
رفعت يدي اليمنى ببطء، دون أن أستل سيفي حتى. نزفت المانا السوداء من أصابعي مثل حبر سُكب في الماء، وسرعان ما تجسدت في خيوط حادة اخترقت الهواء.
لم أكن بحاجة حتى لمهاجمتهما؛ المانا السوداء نفسها التهمت طاقة لديهما بمجرد اقترابها.
في ثوانٍ، تحطمت دروعهما السحرية، وسقطا على الأرض وهما يلهثان، وكأن شيئاً ما قد استنزف الحياة ذاتها من عروقهما.
تقدمت نحوهما بخطوات هادئة وانحنيت لأخذ قلاداتهما.
قلت بصوتي العميق المصطنع: "الظلام لا يحتاج إلى مساحات مفتوحة ليعمل. لست بحاجة لاستخدام ذرة من قوتي الحقيقية لأسحق الضعفاء."
تركتهما خلفي وواصلت السير نحو "المنارة" في وسط الغابة.
لم يكن النجاح هو ما يشغل بالي؛ بل القلق من أن يطول الاختبار. كل ساعة أقضيها في هذه الغابة وأنا أبذل جهداً قتالياً تعني ضغطاً أكبر على رئتيّ، وعلى المشد الجلدي، وعلى سحر التمويه الذي أرتديه.
أنا لا أخشى الوحوش، ولا أخشى الطلاب.
أنا أخشى اللحظة التي قد يكتشف فيها شخص ما أن "الأسطورة" الذي يرعب الجميع ليس سوى فتاة تتنفس بصعوبة خلف درع من الأكاذيب و المانا السوداء .
واصلت التقدم، غير مبالية بكل ما يحدث خلفي.
كل ما أردته هو العودة إلى غرفتي، وفك تلك الأربطة الجلدية، والبكاء كـ " سيرفينا " للمرة الأخيرة قبل الفجر.
(من وجهة نظر أدريان)
توقفت تماماً وأرخيت قبضتي على خنجري. تفحصت الطلاب الثلاثة من عائلة لورانس ؛ كانوا يفيضون بالثقة، ورماح البرق الخاصة بهم تتطاير منها شرارات سوداء تعكس غرورهم.
بالنسبة لي، لم يكونوا أكثر من مجرد إزعاجات تافهة، ولكن بالنسبة لـ نيكو ... كانوا جداراً عليه أن يهدمه ليتوقف عن الارتجاف.
همس نيكو وصوته يرتجف، بينما ابيضت مفاصل يده من شدة قبضه على مقبض سيفه: " أدريان ... ماذا يجب أن نفعل؟"
التفت إليه؛ لم تكن نظرتي نظرة تشجيع، بل كانت باردة وحادة كالنصل. تراجعت خطوة إلى الوراء واتكأت على شجرة ضخمة، واضعاً يدي في جيوبي ببرود أذهل الطلاب الثلاثة.
قلت بهدوء، وكلماتي تصله بوضوح: " نيكو ، هؤلاء لك. إذا لم تتمكن من هزيمة ثلاثة من أشباه النبلاء هنا، فلن تصمد ساعة واحدة في هذه الغابة. أرني ما تعلمته تحت إشراف إيغور ."
ضحك قائد مجموعة لورانس بسخرية: "هل تمزح؟ تترك تابعك يخوض معاركك؟ يبدو أن 'الشاحب' ليس مجرد جبان، بل هو أحمق أيضاً. سأحرق هذا الفتى أولاً، ثم سآخذ وقتي في تقطيعك إلى أشلاء!"
اندفع قائدهم نحو نيكو بطعنة رمح مستقيمة مزقت الهواء. تراجع نيكو بذعر في البداية، لكن بعد ذلك رأيت ذلك الوميض في عينيه—لحظة "التحول".
تذكر تدريباتنا؛ تذكر كيف أجبرته على تفادي ضرباتي وهو معصوب العينين.
أمرته بصمت:
'الآن!'
انحنى نيكو تحت الرمح بحركة لم يتوقعها النبلاء أبداً. لم يكن سحراً؛ كانت براعة جسدية بحتة. استل سيفه، وبدلاً من الهجوم بعشوائية، استخدم نصل سيفه المسطح لإبعاد رأس الرمح، مستغلاً قوة دفع خصمه.
صرخ طالب لورانس وهو يفقد توازنه: "ماذا؟!"
لم يمنحه نيكو أي فرصة. وجه ركلة قوية إلى ركبة الفتى، ثم ضرب مقبض سيفه في صدغه، مما أفقده الوعي في لمح البصر.
تجمد الاثنان الآخران لكسر من الثانية. صرخا: "أيها الحثالة!"، واندفعا من جانبين متقابلين.
بقيت في مكاني، أراقب كل حركة يقوم بها نيكو . كانت ضرباته تفتقر إلى القوة التدميرية الخام، لكنها تميزت بـ "الكفاءة". كان يميل ويتفادى الطعنات بسنتيمترات قليلة، تطبيقاً لأسلوب "القتال الاقتصادي" الذي غرسته فيه:
لا تهدر طاقتك، تحرك فقط بقدر الضرورة، واضرب حيث يكون الضعف مكشوف.
بضربة دائرية سريعة، قطع نيكو حزام قلادة أحدهم؛ وبنطحة قوية لكسر أنف الآخر، انهار الثلاثة—بعضهم يتألم، والبعض الآخر غائب عن الوعي.
وقف نيكو هناك، يلهث طلباً للهواء، والعرق يتصبب من وجهه. حدق في يديه بذهول، وكأنه غير مصدق أنه تمكن من سحق ثلاثة نبلاء بمفرده.
قال وصوته مزيج من الفرح والصدمة: " أدريان ... أنا... لقد فعلتها!"
اقتربت منه ببطء، وربتُّ بخفة على كتفه بينما كانت عيناي تمسحان المحيط للتأكد من أن أحداً لم يلاحظ تدخلي الخفي—حيث قذفت حجرين صغيرين لعرقلة حركة التوأم في اللحظة الحرجة دون أن يعرف نيكو أو هم بذلك.
قلت ببرود لأكبح أي غرور قد يتسلل إليه: "أداء مقبول. خذ القلادات. الآن لديك ما يكفي لدخول الفصول التي تريدها. لكن تذكر... هؤلاء كانوا مجرد حثالة في القاع. الوحوش الحقيقية لا تزال تنتظر في الأعماق."
انحنى نيكو وجمع القلادات الثلاث، وهو يشعر بفخر لم يشعر به قط في حياته.
لكنني .. شعرت بـ "حضور" مختلف يراقبنا من فوق الأشجار. لم تكن ليليث . كان شيئاً أثقل... شيئاً تفوح منه رائحة الموت .
فكرت وأنا أعدل ياقة عباءتي:
'سيباستيان... هل استمتعت بالعرض؟ أم أنك تبحث عن شيء أكثر إثارة؟'
................