(من وجهة نظر أدريان فانيت)
توقف الضباب فجأة عن الحركة، وكأن الغابة نفسها قد حبست أنفاسها.
أمامنا وقف سيباستيان بلاتود ، شامخاً كالجبل؛ كانت "المانا السوداء" المنبعثة منه تمتلك ثقلاً مادياً يضغط على الأعصاب. وبجانبي، كان نيكو يصارع لالتقاط أنفاسه، ويده ترتجف فوق سيفه.
هو رأى "وحشاً"، أما أنا... فلم أرَ سوى شخص يستهلك طاقة أكثر بكثير مما هو ضروري فقط لإثبات وجوده. وهذا هو الغباء بعينه.
نظرتُ باتجاه نيكو دون أن أدير رأسي.
"نيكو، خذ الأوسمة واذهب إلى المنارة،" قلتُ بنبرة مسطحة وهادئة. "لا تتوقف، ولا تنظر خلفك. سألحق بك لاحقاً."
"لكن... أدريان... هذا سيباستيان بلاتود!" همس نيكو برعب.
التقطتُ عينيه بنظرة جانبية—نظرة أسكتته على الفور. "قلتُ لك، اذهب."
فهم نيكو الرسالة. تردد لثانية، ثم انطلق راكضاً نحو قلب الغابة. لم يحاول سيباستيان إيقافه؛ كانت عيناه مثبتتين عليّ وحدي.
كنا بمفردنا. أحاط سيباستيان نفسه بهالة مظلمة مرعبة، بينما وقفتُ أنا بلامبالاة باردة.
سيباستيان: "هل أبعدتَ رفيقك لتخفي حقيقتك؟ أم لأنك تعلم أنه سيموت في اللحظة التي أبدأ فيها بالتحرك؟"
أدريان: "أبعدته لأنني لا أحب وجود جمهور أثناء عملي. أما عن 'حقيقتي'... فلا أعتقد أن شخصاً مثلك في وضع يسمح له بالحديث عن الحقائق."
ساد صمت ثقيل. لاحظتُ توتراً في كتفي سيباستيان، وكأن كلماتي قد ضربت عصباً حساساً خلف درعه. بالطبع كنتُ أعلم.
كنتُ أعلم أنه فتاة تتنكر في زي شاب نبيل. ففي النهاية، أنا من قام بتحرير هذه الرواية.
قاطع سيباستيان أفكاري: "أنت غريب يا أدريان فانيت. هالتك باهتة، لكنك تتحرك كشخص قتل مئات المرات. المانا الخاصة بك تكاد تكون منعدمة، وهذا بحد ذاته يجعلك محطاً للشبهات."
أدريان: "الشك لا يقتل أحداً؛ السيف يفعل. أنت هنا لأنك تشعر بالتهديد من وجود شخص لا يمكنك قياس قوته بماناك السوداء. أليس كذلك؟"
خطا سيباستيان خطوة للأمام، وازداد الظلام حوله كثافة.
سيباستيان: "عائلة بلاتود لا تشعر بالتهديد من أمثالك. أنا فقط أريد أن أعرف... هل أنت حليف، أم عقبة يجب إزالتها في هذا الاختبار؟"
كتمتُ ضحكة خفيفة وأجبت: "أنا لستُ حليفاً لأحد، ولستُ غبياً لدرجة أن أكون عقبة في طريقك مجاناً. أنا هنا لهدف واحد، وبمجرد تحقيقه، سأختفي."
سيباستيان: "وإذا قررتُ أنني أريد إزالتك الآن؟"
أدريان: "حينها لن يكون هناك مجال للهروب من القتال."
بدأتُ في إظهار مقبض الـ "أوداتشي" الأسود، كاشفاً فقط عن جزء بسيط من غمده المظلم. شعرتُ بمانا الظل داخل النصل تهتز، مستعدة لالتهام أي مانا تقترب منها.
"جرب إذن. لكن تذكر شيئاً واحداً... سيفك مصنوع من المانا، وهذا النصل الخاص بي... جائع قليلاً. ستكون معركة خاسرة بالنسبة لك قبل أن تبدأ حتى."
ظل سيباستيان صامتاً لعدة ثوانٍ، يحلل الموقف. رأى صدقاً مرعباً في عينيّ—صدق الشخص الذي لا يطلق التهديدات، بل يصف واقعاً على وشك الحدوث.
أرخى سيباستيان هالته قليلاً، رغم أنه لم يتراجع تماماً.
سيباستيان: "أنت واثق جداً... وهذا إما شجاعة مطلقة أو جنون سيقودك إلى قبرك. اذهب يا فانيت. المنارة ليست بعيدة، لكن تذكر... في المرة القادمة، لن ينتهي الأمر بمجرد محادثة."
أدريان: "آمل ذلك. فالكلام يرهق فكي."
أعطيته ظهري بلامبالاة تامة—وهي حركة لن يجرؤ أحد على القيام بها أمام وريث "بلاتود". ومع ذلك، كنتُ أعلم أنه لن يهاجم من الخلف؛ فكبرياؤه (أو سرها المخفي كـ "سيرفينا") يمنعه من ذلك.
مشيتُ نحو المنارة بخطى ثابتة، طوال الوقت كنتُ أشعر بنظرات سيباستيان تخترق ظهري.
(من وجهة نظر سيباستيان / سيرفينا بلاتود)
وقفتُ متجمداً في مكاني، والمانا السوداء لا تزال تتدفق بغزارة حولي، لكن فجأة شعرتُ وكأنها تصرخ في فراغ. لقد تلاشت هيبة أدريان في الضباب، ولم يترك خلفه حتى صوت وقع أقدام.
'ماذا حدث للتو؟'
لم نتبادل ضربة واحدة، ولم يلمس سيفه سيفي... ومع ذلك، شعرتُ وكأنني خسرتُ معركة لم تبدأ بعد.
طوال حياتي بصفتي "سيباستيان"، اعتمدتُ على ترهيب الخصوم بالمانا الفائضة لعائلة بلاتود. الجميع يرتعد؛ الجميع يتراجع. لكن هذا "الشاحب" نظر إليّ وكأنه يرى ما بداخلي تماماً... يرى الزيف الذي أرتديه، والمجهود الهائل الذي أبذله للحفاظ على هذه الهالة.
أرخيتُ قبضتي ببطء، وشعرتُ برعشة خفيفة في أصابعي.
كان واقفاً بوضعية مريحة تماماً، يده في جيبه، وعيناه باهتتان—ومع ذلك شعرتهما كالنصل الذي قطعني من الداخل. رغم أنني، يجب أن أعترف... كانت عيناه جميلتين حقاً.
شعرتُ بومضة من الاحراج وسرعان ما أجبرتُ أفكاري على الذهاب بعيداً.
مهلاً... ماذا أقول؟!
أنا سيباستيان. لم أعد سيرفينا...
ولكن دعني أحلل الموقف للحظة.
غرائزي—التي صُقلت عبر سنوات من التدريب القاسي—كانت تصرخ بي للابتعاد. حضوره الجسدي طغى على مانا الظل الخاصة بي؛ كان الأمر كما لو كنتُ واقفاً أمام وحش مفترس يرتدي قناع إنسان.
"هذا النصل الخاص بي... يأكل المانا."
ترددت كلماته في ذهني، وكانت كافية لجعلي أتجمّد. لم يكن يهددني؛ كان يقرر حقيقة. ذلك الـ "أوداتشي" الذي لمحت عيناي جزءاً منه في بُعد الظل... لم يكن مجرد سلاح. كان مثل ثقب أسود يبتلع كل شيء. استطعتُ الشعور بذلك.
حدقتُ في الفراغ الذي تركه خلفه.
لقد أرسل تابعه، نيكو، إلى المنارة بلامبالاة تامة وبقي لمواجهتي وحده—ليس لأنه شجاع، بل لأنه كان متأكداً تماماً أنني لن أجرؤ على الهجوم.
لقد قرأ كبريائي، قرأ خوفي... لقد قرأني بالكامل.
(من وجهة نظر نيكو)
كان أنفاسي تحترق في صدري، والأوسمة الثلاثة في جيبي تصدر رنيناً معدنياً مع كل خطوة. كنتُ أحاول التركيز على الطريق، لكن خيالي استمر في تصور سيباستيان بلاتود وهو يقطع رأس أدريان في أي لحظة.
'لا... أدريان ليس غبياً،' قلتُ لنفسي وأنا أقفز فوق جذع شجرة ضخم ساقط. 'قال إنه سيلحق بي.'
بدأت أشجار الغابة تخف، وظهر ضوء "المنارة" البعيد يلوح في الأفق مثل أمل وحيد. لكن فجأة، شعرتُ بشيء غريب. لم يكن هجوماً مباشراً، بل "إحساساً" بالثقل. تعثرت قدماي بشيء غير مرئي، وسقطتُ على وجهي في الطين.
"سحقاً..." حاولتُ الوقوف، لكنني شعرتُ بخيوط رفيعة وباردة للغاية تلتف حول معصمي وكاحلي.
"أوه، انظروا من تعثر في شباكي،" جاء صوت ساخر حاد من الأعلى. "إنه جرو عائلة 'فانيت' الصغير."
نظرتُ للأعلى ورأيتُ شاباً يجلس بوضعية مسترخية على غصن شجرة، يرتدي درعاً مزخرفاً بالأرجواني.
إنه فالين ، من عائلة "سيلك" . عائلة نبيلة ثانوية مشهورة بمانا "الخيوط السحرية". لم يكن بقوة سيباستيان، لكنه كان معروفاً بكونه "مصدراً للإزعاج" في الأكاديمية.
"فالين..." همستُ، محاولاً سحب سيفي، لكن الخيوط كانت تشتد أكثر في كل مرة أتحرك فيها.
"لا تتعب نفسك يا نيكو،" قال فالين وهو يقفز برشاقة ليقف أمامي، وعلى وجهه ابتسامة متغطرسة. "خيوطي يصعب قطعها—يكاد يكون من المستحيل كسرها. أخبرني إذن... أين تركك سيدك؟ هل ضحى بك لينجو بجلده؟"
"أدريان ليس سيدي، وهو لا يهرب!" صرختُ في وجهه، محاولاً استجماع شجاعتي.
"هذا مثير للشفقة،" ضحك فالين، وحرك إصبعه، مما جعل الخيوط ترفعني عن الأرض، لأتدلى في الهواء مثل دمية. "سمعتُ أنكما جمعتما الكثير من الأوسمة. سآخذها الآن وأتركك معلقاً هنا كطعم للوحوش. لا تقلق، سأخبر الجميع أنك كنت 'بطلاً' لعدة ثوانٍ."
بدأ فالين يمد يده نحو جيبي ليأخذ الأوسمة. اقترب ببطء، واثقاً تماماً من شللي.
في تلك اللحظة، كانت يداي مقيدتين، لكن أصابعي كانت حرة قليلاً.
جمعتُ كل قطرة من المانا الضعيفة التي أمتلكها في طرف إصبعي السبابة. وبدلاً من محاولة قطع الخيوط، وجهتُ تجسيداً مركزاً من الظلام من طرف إصبعي نحو "العقدة" المتوهجة على معصم فالين—النقطة التي ينبعث منها السحر.
"ماذا تفعل أيها القذ—؟!"
طاخ!
أصابت ضربتي الهدف بدقة. تعثر تدفق المانا في خيوطه لثانية واحدة، وكان ذلك كل ما أحتاجه. سقطتُ على الأرض.
"أنت... كيف تجرؤ؟!" صرخ فالين، وتحول وجهه من السخرية إلى الغضب المحض. "سأقطع أطرافك!"
اندفعت الخيوط الفضية نحوي مثل الأفاعي من كل جانب. تذكرتُ كيف كان أدريان يميل جسده ببرود لتفادي الضربات. حاولتُ تقليده؛ أرجحتُ جسدي لليسار، ثم انحنيت، وشعرتُ بالخيوط تصفر بجانبي، تاركة جروحاً سطحية على جلدي.
لكنني كنتُ شخصاً واحداً، وهو يمتلك العشرات من تلك الخيوط.
"أنت سريع بالنسبة لحثالة،" قال فالين، وهو يشحن خيوطه بمانا خضراء سامة. "لكن دعنا نرى كيف ستتجنب هذه!"
أطبق بالخيوط عليّ من جميع الاتجاهات، كقفص يغلق أبوابه. شعرتُ بالذعر يعود إلى قلبي.
'هل سأموت هنا؟'
فجأة، ساد صمت غريب في المكان. توقف صفير الخيوط، وحتى صوت تنفس فالين الغاضب تلاشى.
من خلفي، سمعتُ وقع أقدام—هادئة... إيقاعية... أقدام لا تصدر صوتاً على أوراق الشجر، بل يشعر بها قلبك قبل أذنيك.
"لقد استغرقتَ وقتاً طويلاً وأنت تلعب مع هذه الحشرة يا نيكو."
تجمد كل شيء. التفتُ ببطء ورأيتُ ظلاً واقفاً وسط الضباب، كانت عيناه تنظران بملل نحو فالين، الذي كان مشلولاً من رعب حظور الشخص الذي جاء.
لقد كان أدريان ...
.............