لم يكن الموت صمتاً؛ بل كان طعماً معدنياً لاذعاً يمزق حنجرتي.

بصفتي أفضل محرر مخطوطات في العالم الأدبي، قضيت سنواتي في تقويم روايات الاخرين ، محولاً مسودات الهواة إلى روائع خالدة. لكن في عالمنا، يُعد "النجاح" جريمة لا تُغتفر—نعم، إنه جريمة.

زميلي، ذاك الذي أخطأتُ حين اعتبرته صديقاً، الشخص الذي علمته كيف يمسك القلم وكيف يحرر لكي ينجح، كان هو من دسّ "الزرنيخ" في قهوتي. رأيت نظرة الحقد الخالص في عينيه وأنا أختنق؛ كانت نظرة تقول: "موتك هو السبيل الوحيد لأخرج من ظلك".

بينما كان وعيي يتلاشى، كانت آخر كلمات حررتها على الإطلاق محفورة في ذهني. كانت من مسودة رواية فانتازيا مظلمة مبتذلة بعنوان «سقوط الضوء».

ثم... انقطع الخيط.

الميلاد من رحم العدم

لم أستيقظ في الجنة، ولا في الجحيم الذي نعرفه. استيقظت في "وحدة تخزين".

لم يكن هناك هواء، فقط سائل لزج بارد يملأ رئتيّ الصغيرتين. كانت عيناي مفتوحتين وسط ظلام دامس، لكني بدأت أشعر بالاهتزازات. شعرت بجدران ضيقة تضغط عليّ—لم تكن جدران دافئة، بل كانت جدراناً باردة، صلبة، وقاسية.

"كراك!"

فجأة، انشطر "الوعاء" الذي كنت بداخله. سقطت بعنف على أرضية حجرية لزجة بالدماء والقذارة. حاولت الصراخ، لكن لم أستطع إخراج أي صوت؛ قذفت رئتاي سائلاً أسود بدلاً من الهواء. نظرت حولي، فارتعدت روحي لمشهد لا ينبغي لعين بشرية أن تتحمله.

لم أكن في غرفة عمليات. كنت في قبو شاسع يشبه "المسلخ". على طول الجدران، عُلقت عشرات الجثث لنساء بسلاسل حديدية، بطونهن مشقوقة ومخيطة بغرز غليظة وخشنة. لم تكن هؤلاء النساء أمهات؛ بل كن "أوعية". جثث هامدة مسحورة لتصبح "حاضنات صناعية" لتصنيع جيش من العبيد.

بجانبي، كان عشرات الرضع يزحفون عبر برك قرمزية، أجسادهم شاحبة كالجص، وعيونهم خالية من أي روح.

"الدفعة رقم 666 جاهزة"، جاء الصوت من خلف رداء أسود، صوت يقطر باللامبالاة الباردة.

سار رجل ذو ملامح مشوهة بيننا، يركل طفلاً هنا، ويرفع آخراً من قدمه هناك. "هذا ضعيف... أطعموه للكلاب. هذا مشوه... أطعموه أيضاً".

توقف الرجل عندي. نظر في عينيّ وقال: "هذا... لقد امتص طاقة الموت من الحاضنة بشكل جيد. ضعه في الصفوف الأمامية".

في تلك اللحظة، صرخ عقلي بالإدراك.

هذا المشهد... "الحاضنات الميتة"، "الدفعة 666"... لماذا تبدو هذه الكلمات مألوفة جداً؟

أنا داخل الرواية الأخيرة التي حررتها! وفي تلك الرواية، هؤلاء الأطفال ليسوا بشراً؛ إنهم نتاج عملية سحرية قذرة ليكونوا مجرد "وقود للمدافع". يتم وضعهم في الخطوط الأمامية ليذبحهم "البطل"، فقط لاستنزاف طاقته السحرية قليلاً.

أنا لست ابناً لأحد. أنا "منتج" في مصنع للموت.

الحسد قتلني في عالمي، وهنا، وُلدت لأكون تضحية تافهة في قصة شخص آخر.

نظرت إلى يدي الصغيرتين الملطختين بدم المرأة التي لم أعرفها قط، وشعرت بحقد يتجاوز الحدود البشرية وايضاً. تملكني الرعب، وبدأت أرتجف، فأجبرت نفسي على استعادة هدوئي حتى لا أجذب المزيد من الانتباه.

"خذه إلى الغرفة الشرقية، الجناح المخصص للبيادق السوداء"، أمر الرجل الضخم، ثم ألقى بي إلى حارس آخر كان ينتظر خلفه.

حملني الحارس من قدمي، ورأسي يتدلى لأسفل، وبدأ يسير في ممرات طويلة ومظلمة حيث بدت الجدران وكأنها تهمس بأصوات المعذبين. رأيت جثث الأطفال الذين فشلوا في "النجاة من الولادة" وهم يُلقون في حفرة عميقة تنبعث منها نيران زرقاء.

دخلنا غرفة واسعة، باردة كالقبر، حيث نُثر عشرات الرضع فوق طاولات حجرية. كانت الرائحة هنا تعبق بالموت القديم. رماني الحارس بخشونة فوق إحدى الطاولات، ثم وسم كتفي بحديد متوهج يحمل العلامة: (01-666).

كان الألم لا يُطاق، ومع ذلك ظل صراخي محبوساً في حنجرتي. حدقت في السقف المظلم، وشعرت بحقد بارد يغلي في عروقي الصغيرة. بعد برهة

أغلق الباب الحديدي الضخم خلف الحراس—صوت يشبه عويل الأرواح المعذبة—تاركاً إيانا في عتمة الغرفة الشرقية. لم يكن هناك ضوء سوى وهج الأوشام المحفورة في أكتافنا، والتي كانت تنبض بلون أرجواني باهت، كطفيلي يمتص ما تبقى من حياتنا.

نظرت إلى صف "إخوتي" الطويل؛ عشرات الرضع الممددين على طاولات حجرية باردة. البعض كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة بالفعل؛ والبعض الآخر حدق في الفراغ بعيون زجاجية ميتة.

في تلك اللحظة، تلاشت كل آثار محرر النصوص الذي كنت عليه. تبخر الخوف، وحل محله برود جليدي يضاهي صقيع هذا القبو. تذكرت جملة قد قرأتها في تلك الرواية الملعونة: "وكانت الدفعة 666 مجرد غبار أسود تحت أقدام الضوء".

شعرت بشيء غريب يتحرك في أعماق صدري... طاقة مظلمة، لزجة وسامة بدأت تتسرب من "الوسم" وتتدفق عبر عروقي. لم يرفضها جسدي؛ بل ابتلعها بجوع، وكأنني وُلدت لأكون بالوعة لهذا الظلام.

رفعت يدي الصغيرة المرتجفة أمام عينيّ في الظلام. لم تكن ترتجف من الرعب، بل كانت تتحرك بغريزة مفترسة لم أعرفها من قبل.

"موت إضافي؟" ابتسمت بداخلي—ابتسامة كانت ستجعل الحراس يرتعدون لو رأوها.

إذا كان هذا العالم قد جعل مني "ابناً للظلام" فقط لأموت من أجل مجد بطل... فسأتعلم كيف أقتات على هذا الظلام حتى أتخم، وسأحول موتي الموعود إلى مأدبة تلتهمكم جميعاً.

أغلقت عينيّ، ولأول مرة منذ ولادتي من تلك الجثة، شعرت بالراحة. لم أعد أسمع بكاء الرضع من حولي؛ بدلاً من ذلك، بدأت أسمع نبض هذا المكان الملعون... وأخبرني ذلك النبض ايضا أنني لست البيدق الوحيد الذي يخطط للتمرد....

---------------------

ارجو دعمكم للاستمرار في تنزل المزيد من الفصول✨

2026/01/06 · 123 مشاهدة · 779 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026