​انتهى الطابور الصباحي، الذي لم يكن سوى إجراء تعريفي صارم مع البروفيسورات. بدأ الطلاب بالتوجه نحو المبنى التعليمي الضخم، وكانت أعينهم تنجذب تلقائيًا نحو قاعة الفصل (S). لم تكن هناك مبارزات أو دماء—فقط مئات الطلاب يسيرون في أروقة مغطاة بالسجاد الأحمر، يحملون حقائب جلدية بينما تملأ الهمسات الأجواء.

​"هذا هو الجدول"، قال نيكو وهو يمسك ورقة فاخرة. "الحصة الأولى: تاريخ القوى والتوازنات. الحصة الثانية: أساسيات تشريح الوحوش. أدريان ، هل تعتقد أننا سنحتاج لاستخدام المانا اليوم؟"

​أجاب أدريان بهدوء وهو يتحرك وسط الحشد: "لا أعتقد ذلك يا نيكو ".

​دخلوا قاعة محاضرات الفصل (S). كانت مصممة كمسرح روماني نصف دائري، بمقاعد خشبية مصقولة مرتبة بشكل يليق بالنخبة. وأمام كل طالب، وُضعت ريشة سحرية ومحبرة.

​جلس أدريان في الصفوف الخلفية كعادته، وبجانبه نيكو الذي كان يفرغ أدواته بحماس. وبعد دقائق، دخلت ليليث و إيلينا واختارتا مقاعد في الصف الذي أمام أدريان مباشرة. أما سيباستيان ( سيرفينا )، فقد جلس في الطرف البعيد، نائيًا بنفسه عن الجميع، وظهره مستقيم كالنصل. اكتمل عدد الطلبة حتى

​دخل البروفيسور المسؤول—رجل مسن بنظارات سميكة ورداء مطرز بالنجوم، يُعرف باسم البروفيسور ثيودور .

​بدأ ثيودور بصوت هادئ ورزين: "افتحوا كتبكم على الصفحة العاشرة. اليوم، لن نناقش كيف نطلق النار، بل 'لماذا' نطلق النار. التاريخ ليس مجرد قصص؛ إنه خريطة القوة".

​مرت الساعة الأولى في صمت قاتل. شرح البروفيسور "عصر التطهير" وكيفية تشكل العائلات النبيلة. كان أدريان يدون الملاحظات بسرعة مذهلة؛ لم يكن يكتب كلمات بل كان يحول المعلومات إلى مخططات، محاولاً فهم نقاط الضعف التاريخية لهذه العائلات.

​همس نيكو : " أدريان .. هل تفهم أي شيء من هذا الهراء حول 'توازن المانا العظيم'؟ أشعر أن رأسي سينفجر".

​أجاب أدريان دون أن يرفع عينيه: "الأمر يتعلق بالسيطرة. يقول البروفيسور إن المانا لا تُفنى ولا تستحدث، وايضا تنتقل من بين الاوعية. إذا فهمت من أين يأتي المصدر، ستعرف كيف تقطعه".

​نظر إليه نيكو بتعجب، ثم ابتسم: "أنت دائمًا تجعل الأمور تبدو وكأنها خطة اغتيال، أليس كذلك؟"

​بعد المحاضرة، انتقل الطلاب إلى المختبرات لدرس "تشريح الوحوش". كانت الغرفة باردة، وفي المنتصف وقفت طاولات حجرية تعرض عينات محفوظة لمخلوقات غريبة: أجنحة "غريفين"، وأنياب "ذئاب الظل"، وقلوب تنانين صغيرة.

​كان بروفيسور هذه الحصة أكثر حيوية، يشير بمشرطه قائلاً: "تذكروا، العيون ليست دائمًا أضعف نقطة. أحيانًا يكون المفصل الخلفي، أو الدماغ، أو أجزاء أخرى هي التي تقتل الوحش".

​راقب أدريان العينات بدقة. بالنسبة له، كان هذا الدرس هو الأكثر فائدة. بما أنه لم يولد بسحر طبيعي، فإن معرفة "أين يضرب" كانت أهم بكثير من "بماذا يضرب".

​خلال استراحتهم في الساحة العشبية الواسعة، اقترب كاسباريان ومجموعته. سار كاسباريان بغطرسة لكنه تجنب الاتصال البصري المباشر مع أدريان ، رافعًا صوته لرفاقه بدلاً من ذلك: "الدروس النظرية للمبتدئين. الاختبار الحقيقي سيكون في نهاية الأسبوع في ساحة التدريب الحر".

​قال نيكو ساخرا وهو يقضم شطيرة من الكافتيريا: "إنه يحاول استعادة ثقته بنفسه".

​قال أدريان وهو يحدق في الأفق حيث ترتفع أبراج الأكاديمية المحصنة: "دعه يحاول. كان اليوم عاديًا، لكني أشعر أن للجدران هنا عيونًا. هل لاحظت الشخص الذي يراقبنا من نافذة المكتبة؟"

​نظر نيكو حوله بذعر: "لا، لم أفعل... من هو؟"

​أجاب أدريان وهو ينهض: "لا أعرف بعد. لكن يبدو أن سلام اليوم ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة".

​انتهى اليوم الدراسي الممل، وعاد أدريان إلى غرفته. كان نيكو قد سبقه واستغرق في النوم بالفعل من شدة الإرهاق. ساد الصمت، ولم يقطعه سوى أنفاس نيكو الرتيبة.

​تحرك أدريان نحو مكتبه الخشبي ليضع كتبه، لكنه توقف فجأة.

​كان هناك ظرف أسود ملقى على مكتبه. لم يكن موجودًا عندما غادر الصباح. لا طابع عليه، ولا اسم للمرسل. فتحه ببرود، فسقطت منه ورقة قديمة، مكتوبة بخط يد دقيق ومنظم—نفس الخط الذي اعتاد أدريان رؤيته يوقع تقارير "تفكيك جسده".

​بدأت الرسالة بـ: "إلى الرمز 01" .

​تجمدت نظرة أدريان . لم تقل الرسالة "أدريان"؛ بل نادته بمسمّاه المختبري الحقيقي.

"تهانينا على وصولك إلى الأكاديمية. أداؤك في الغابة كان مقبولاً. استمر كما أنت. الأكاديمية ليست سوى 'المرحلة الثانية' من تدريبك. المدير هناك يعلم بوجودك؛ لدينا اتفاق معه".

​سرت قشعريرة في جسد أدريان . لم تكن الرسالة مجرد تهديد؛ بل كانت دليلاً على أن لـ إيغور جاسوسًا في الداخل—شخصًا يراقب كل تحركاته.

"في الخزانة أسفل سريرك، ستجد 'مصل التوازن'. إذا لم تستخدمه كل أسبوع، فستمرض تدريجيًا، وسيبدأ جسدك بالفشل. خذه مرة واحدة أسبوعيًا. تذكر يا 01... أنت لست طالبًا؛ أنت استثمار. وسآتي لاستعادة استثماري قريبًا جدًا".

​التوقيع: إيغور .

​أحكم أدريان قبضته، ساحقًا الورقة حتى تفتتت بين أصابعه. نظر إلى نيكو النائم، ثم إلى الخزانة أسفل سريره. سحب الدرج المخفي ليجد حقيبة معدنية مليئة بحقن تحتوي على سائل أرجواني متوهج.

​لم تكن هذه أدوية؛ بل كانت أغلالاً. المادة ذاتها التي تبقيه على قيد الحياة.

​رسم أدريان ابتسامة باهتة وجوفاء. أغمض عينيه وأعاد الحقن إلى مخبئها. تلك الابتسامة لم تكن علامة استسلام، بل إدراكًا باردًا:

إيغور يراقبه.

​استلقى أدريان على سريره، واضعًا يديه خلف رأسه، يحدق في الزخارف على السقف. لم يزره النوم. وبدلاً من ذلك، بدأ عقله في معالجة البيانات:

​ إيغور يمتلك وسيلة لاختراق غرفته (جاسوس أو اتفاق مع الحراس).

​جسده "المعدل" يتطلب مادة كيميائية معينة للحفاظ على استقراره؛ وإلا سيبدأ نظامه بالانهيار.

​همس أدريان لنفسه، متذكرًا كلمات الرسالة: "نحو الدمار؟ إذن، أنت خائف من أن أفقد كفاءتي".

​في الصباح التالي، استيقظ نيكو بنشاطه المعتاد، غير مدرك تمامًا للدراما التي حدثت في منتصف الليل. " أدريان ! صباح الخير! هل أنت مستعد؟ سمعت أن حصة اليوم ستكون خارج المبنى الرئيسي، في 'ميادين القتال والرماية'".

​أومأ أدريان برأسه بخفة وارتدى ملابس التدريب ببرود شديد.

​وبينما كانوا يسيرون في الممرات نحو الميادين الخارجية، لم يلاحظ أحد أن أدريان كان يراقب الجميع. كل بروفيسور يمر، كل طالب مبتسم، كل حارس يقف عند البوابة—بالنسبة لـ أدريان ، أي واحد منهم قد يكون "الساعي" الذي سلم المغلف الأسود.

​وصلوا إلى أرض التدريب حيث كانت البروفيسورة إيزابيلا في الانتظار.

​كانت إيزابيلا فون آردن امرأة في منتصف العشرينيات. ورغم صغر سنها كبروفيسورة، إلا أنها كانت قائدة لفيلق كامل. كانت ترتدي زي الأكاديمية وشعرها البني مصفف بدقة، وتمتلك ملامح حادة وعينين بلون الاصفر الذهبي.

​بجانبها وقفت صناديق خشبية ضخمة. كان الجو مشحونًا؛ فقد سئم الطلاب النبلاء من الكتب والدروس النظرية.

​قالت إيزابيلا وهي تفتح أحد الصناديق: "اليوم، سنختبر قدرتكم على دمج السحر مع السلاح. سيختار كل واحد منكم سلاح تدريب. الهدف هو شحن السلاح بمانا كافية لشق 'أحجار الغرانيت' التي أمامكم".

​تقدم الطلاب بنظام:

​اختار كاسباريان سيفًا طويلاً، وشحنه بوهج أحمر يمثل "مانا الحمم" الخاصة به، محطمًا الحجر بضربة واحدة.

​اختارت ليليث خنجرًا نحيفًا، وطعنت به قلب الحجر بدقة متناهية، مستخدمة "مانا الظل" لتفتيته من الداخل.

​ثم جاء دور أدريان .

​سار نحو الصندوق لكنه لم يلتقط سيفًا أو رمحًا. مد يده وسحب "خنجرًا حديديًا بسيطًا"، قديمًا وغير مزخرف.

​سألت إيزابيلا وهي تراقبه باهتمام شديد: "ألا تريد شيئًا يليق بمستواك يا فانيت ؟"

​أجاب أدريان وهو يزن الخنجر في راحة يده: "السلاح لا يصنع الفارق يا بروفيسورة. ما يهم هو المعرفة".

​وقف أمام حجره الضخم. لم يشحن الخنجر بالمانا؛ لم تشتعل أي هالة حوله. نظر إلى الحجر ليس ككتلة صلبة، بل كمجموعة من نقاط الضعف الهيكلية. بفضل تدريبات إيغور والمصل الذي حقنه خلال الليل، كانت حواسه في ذروتها المطلقة.

​وبدلاً من الضرب بقوة غاشمة، دفع أدريان الخنجر ببطء وهدوء في زاوية محددة من الحجر—النقطة الدقيقة حيث تتقاطع خطوط الضغط الجيولوجي.

​ طراق!

​انقسم الحجر الضخم إلى نصفين متساويين تمامًا وكأنما قُطعا بليزر، دون ضجيج ودون أي استعراض للمانا.

​ساد الصمت. الطلاب الذين كانوا يستعرضون قوتهم بانفجارات سحرية توقفوا عن الكلام. ما فعله أدريان لم يكن سحرًا؛ بل كان "كفاءة مطلقة" مرعبة.

​تمتمت إيزابيلا وهي تدون ملاحظة في سجلها: "كفاءة مخيفة".

​أكمل الطلاب تدريباتهم تحت نظرات البروفيسورة إيزابيلا الصارمة حتى أُعلن عن نهاية الحصة. ومع رنين الأجراس، هدأ الميدان وتوجه الجميع نحو كافتيريا الأكاديمية المركزية—قاعة فاخرة تفوح منها روائح الوجبات الراقية.

​جلس أدريان و نيكو على إحدى الطاولات الجانبية. بدأ نيكو يأكل بشهية واضحة، متحدثًا بحماس عن صعوبة التحكم في المانا تحت الضغط. بينما كان أدريان يتناول وجبته في صمت، مستمعًا لـ نيكو بينما تمسح عيناه الوجوه المارة، يفرزهم بدقة—يميز العاديين عن أولئك الذين يحملون نظرة "مريبة".

​فجأة، ساد صمت ثقيل على الطاولات المجاورة.

​تقدمت فتاة نبلية بخطوات واثقة. كان شعرها الأحمر المتوهج ينسدل على كتفيها كالنار، وعيناها الخضراوان تحملان حدة لا تخطئها العين. توقفت أمام طاولة أدريان مباشرة، مما جعل نيكو يتوقف عن الأكل ويتحرك بعدم ارتياح في مقعده.

​نظرت إلى أدريان بهدوء وقالت بصوت واضح ومسموع:

​" أدريان فانيت ؟ هل لديك دقيقة على انفراد؟ أرغب في التحدث معك بشأن أمر محدد... بعيدًا عن الأعين المتطفلة".

​رفع أدريان رأسه، ملتقيًا بنظرتها ببرود تام. ومن حولهما، بدأت الهمسات تتعالى فورًا:

​"أليست هذه ابنة عائلة ريدفيلد ؟"

​........

2026/01/15 · 20 مشاهدة · 1364 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026