الفصل الخامس: التميز

مرت سبع سنوات أخرى،

ولم يكن الزمن في قلعة الظل يُقاس بالأيام، بل بعدد المرات التي أُعيد فيها صياغة أجسادنا تحت وطأة الألم.

كانت كل ليلة تمضي هي معركة للبقاء ضد "مانا الظلام" التي تنهش أحشاءنا. سبع سنوات من الاستيقاظ على صوت سوط إيغور، والنوم في زنزانات تفوح منها رائحة الدماء والبارود السحري.

كان التدريب جحيماً لا ينتهي؛ أجبرنا إيغور على التأمل وسط برك من السموم، والقتال ضد وحوش الظل حتى تنهار عظامنا. لم يكن يسمح لنا بالموت، بل كان يرمم أجسادنا بسحر مقزز ليعيد تعذيبنا في اليوم التالي.

في سن الرابعة عشرة، لم أعد ذلك الطفل الذي يخشى الظلال.

وقفتُ في وسط ساحة القتال،

شعري الأسود يغطي عيني السوداوين اللتين فقدتا أي بريق للحياة، لتظهرا كأنهما ثقبان من العدم. وجهي كان جامداً، بلا أي تعبير، كأنني تمثال نُحت من صخر بارد وجاد. كنت نحيلاً ؛ جسدٌ جُرد من كل شحم زائد ليبقى فقط العصب والعضل الصلب.

أمام مئات العيون من حراس القلعة، كان (02) يقف بزهو وغطرسة. لقد تطور سحره بشكل مرعب؛ كان يمتلك القدرة على تشكيل الظلام وتحويله إلى أي هيئة يشاء.

صرخ (02) باندفاع، وفجأة نبتت من ظهره أجنحة سوداء ضخمة من المانا الخام، وتحولت يداه إلى مخالب حادة تمزق الهواء. طار نحوي بسرعة فائقة، يضرب الأرض بجناحيه ليخلق عواصف من الغبار المظلم.

"أدريان! هل ستكتفي بالوقوف هناك كالصنم؟" صرخ نيكو (02) وهو يهوي بمخلبه نحو رأسي.

بصعوبة بالغة، تفاديتُ الضربة، لكن المخلب خدش كتفي. كان قتال (02) صعباً ومشتتاً؛ فهو يغير شكل سلاحه في كل ثانية، من سيف إلى مطرقة ثم إلى أجنحة .

أخرجتُ مانا الظلام الخاصة بي، وبدأتُ بتشكيلها. لم أستطع صنع أجنحة أو دروع معقدة مثله. كل ما استطعتُ تكوينه هو "سيف أسود طويل"، كأنه اوداتشي اسود قاتم.

"لماذا السيف فقط؟" فكرتُ ببرود بينما كنتُ أصد ضربات (02) المتلاحقة.

"لكن فكرت لأن المبدع يضيع في التفاصيل، أما المحرر فيبحث عن 'الخط' الذي ينهي كل شيء. الكلمات الكثيرة تُضعف المعنى، والأشكال الكثيرة تُضعف المانا. الشيء الوحيد الذي استطعت تخيله هو السيف حسنا كنت من محبي روايات السماوراي."

كان (02) يزداد غضباً، هجماته أصبحت عشوائية بسبب غروره. استغللتُ لحظة تشتته وهو يحاول تحويل مطرقته إلى رمح. رأيتُ "الثغرة" في تدفق طاقته،

انزلقتُ تحت رمحه، وضربتُ مقبض سيفي في معصمه وركلت قدمه بقوة ليفقد توازنه. قبل أن يستوعب ما حدث، قبضتُ على مؤخرة رأسه بيدي الأخرى، وبكل ما أوتيتُ من قوة، دفعته نحو الأرض الحجرية.

"بام!"

ارتطم وجه (نيكو) بالأرض بقوة جعلت الدماء تتناثر على الحجر البارد. غرسْتُ وجهه في التراب والدماء، وضغطتُ بركبتي على ظهره لأسلب منه أي فرصة للحركة. كان يلهث ويبصق الدماء، وجناحاه المظلمان يتلاشيان كدخان مكسور.

ساد الصمت في الساحة. نظرتُ إليه ببرود، دون أي ذرة من التشفي أو النصر، فقط كأنني أنجزتُ مهمة مملة.

نزل إيغور من شرفته، يصفق بيديه النحيفتين ببطء لاحقه تصفيق من بعض الجنود ايضا.

"هممم.. نتائج جيدة جداً،" قال وهو ينظر إلى (02) الملقى على الأرض وإليّ. "الرقم (02) يمتلك الخيال والاتساع لكنه لا يركز ولا يحلل خصمه انه غبي لو اصح المعنى

، لكن (01).. انت تمتلك 'التركيز التحليل '. لقد ادركت وقمت بضغط مانا الظلام في نصل واحد بدلاً من تشتيتها، وهذا ما جعل سيفك يخترق دفاعاته المتعددة."

رفع إيغور يده، مشيراً إليّ بأن أترك الرقم (02). سحبتُ ركبتي عن ظهره ووقفتُ بهدوء، غمدتُ سيف المانا في كفي حتى تلاشى، ونفضتُ الغبار عن ثيابي السوداء دون أن تنبض عضلة واحدة في وجهي. كان نفسي هادئاً، كأنني لم أخض قتالاً منذ لحظات.

دنا مني إيغور، ورائحة الموت تفوح من ثيابه العتيقة. وضع يده الشاحبة تحت ذقني ورفع رأسي ليلتقي سواد عينيّ بجمود عينيه. صمت للحظة وكأنه يقرأ الأسطر المكتوبة في أعماق بؤبؤي، ثم نطق بصوت أجش يحمل نبرة لم أعهدها من قبل.

-------------------------

دعمكم في التعليقات هو الشيء الوحيد لاستمرار الرواية💙

2026/01/08 · 37 مشاهدة · 598 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026