9 - المجلد الثاني :خُطى الغرباء في رِحاب الغسق

المجلد الثاني: :خُطى الغرباء في رِحاب الغسق

بعيدا عن الاكاديمية كان هناك سكونٌ قاتل يلف أروقة قصر "فاليريان" العتيق، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرياح التي تداعب النوافذ الحجرية الضخمة. في غرفتها التي تخلو من أي مظاهر الترف الزائد، كانت (إلينا فاليريان) تقف أمام مرآتها الطولية، غارقة في صمتها الخاص.

لم تكن إلينا مجرد فتاة نبيلة، بل كانت مشروع محاربة صُقلت بعناية. انسدل شعرها القمحي الدافئ على كتفيها كموجات من الذهب الخالص، تباينت حدته مع برودة عينيها الزرقاوين اللتين تشبهان صفاء السماء قبل العاصفة مباشرة؛ عينان لا تحملان ذرة من التردد، بل تنطقان بذكاء حاد وصارم. ملامح وجهها كانت دقيقة، أنف مستقيم وشفاه مرسومة بجدية دائمة، بشرتها صافية لكنها تحمل شحوباً عسكرياً يشي بساعات طويلة من التدريب تحت ضوء القمر.

أزاحت شعرها جانباً، لتكشف عن الوشم القابع في مؤخرة عنقها؛ سيفان متقاطعان من الحبر القاتم يتوسطهما رأس جمجمة بشرية مفرغة العينين. كان الوشم الوشم يرمز لعائله فاليريان ينبض ببطء، متزامناً مع دقات قلبها،

قطع حبل أفكارها صوت خطوات ثقيلة ومنتظمة، خطوات تعرفها جيداً. انفتح الباب الخشبي الثقيل ليدخل (الجنرال باركاس فاليريان)، والدها وسيد العائلة. كان رجلاً تظهر على وجهه ندوب المعارك، وعيناه تحملان ذات البريق الأزرق الصارم الذي ورثته ابنته كانت لديه لحية شقراء وخفيفه نسبيا ولديه ندبه على عينه اليمنى. كان يرتدي زيه العسكري الرسمي، وعلى يده اليمنى المكشوفة يبرز ذات الوسم: السيفان والجمجمة، لكنه كان أكبر وأكثر قتامة، كأنه غار غائر في اللحم.

توقفت إلينا عن تمشيط شعرها ووقفت بظهر مستقيم، مؤديةً تحية عسكرية خفيفة برأسها.

"إلينا،" قال باركاس :"اليوم تفتح أكاديمية الغسق أبوابها. هل أنتِ مستعدة لتحملِ ثقل هذا الوسم؟

نظرت إلينا مباشرة في عيني والدها، ولم ترمش. "لقد وُلدتُ مستعدة يا والدي.

اقترب الجنرال ووضع يده الثقيلة على كتفها، وكان هذا أقصى تعبير عن المودة في عائلتهم. "تذكري دائماً، نحن نبلاءٌ مبايعون. نحن السور الذي يحمي العشيرة،

. في الأكاديمية، لن تجدي سوى الغطرسة والمؤامرات. لا تنجرفي خلف تفاهات أبناء السلالات النقية، بل اجعليهم يدركون أن القوة الحقيقية تكمن في الانضباط، وليس في المانا الموروثة فقط."

صمت قليلاً ثم أضاف بنبرة أكثر حدة: "ارفعي رأس العائلة عالياً. أريد أن يرتعد كل من يرى شعارنا في القاعات. هل تدركين حجم المسؤولية؟"

"أدرك تماماً،" أجابت الينا . "لن يعود اسم فاليريان إلا وهو في طليعة الناجحين. سأجعل من وجودي هناك رسالة مفادها ان عشيرة فاليرينا هي العمود الفقري للعشيرة."

ابتسم باركاس ابتسامة باهتة لا تكاد تُرى. "هذه ابنتي. الآن، ارتدي ملابسك وانطلقي. العربة تنتظر،

بعد خروج والدها بعد ان ودعها، التفتت إلينا نحو ملابسها الموضوعة على السرير بحرص. لم يكن زياً عادياً؛ كانت سترة الأكاديمية الرسمية بلون أسود فحمي، مصنوعة من نسيج يقاوم السحر الخفيف والطعنات الغادرة ولديه ازرار فضية ايضا. كانت الياقة عالية نسبيا ، مزينة بخيوط فضية دقيقة . ارتدت بنطالاً ضيقاً يسمح بحرية الحركة، وحذاءً جلدياً ، أسود لامعاً لا تشوبه شائبة.

أحكمت إغلاق أزرار سترتها واحداً تلو الآخر. التقطت وشاحاً قصيراً يحمل لون عائلتها الأزرق الداكن ولفته حول حول رقبتها قليلا، ثم نظرت للمرآة نظرة أخيرة. لم تعد ترى فتاة، بل رأت محاربةً تحمل إرث أجيال.

خرجت من غرفتها، متوجهة نحو البهو الرئيسي حيث كانت رائحة البخور العسكري تملأ المكان. كان الخدم يقفون بانتظام، رؤوسهم منحنية، لا يجرؤ أحد على النظر في عينيها. سارت بينهم بخطوات موزونة،

خارج القصر، كانت العربة السوداء المدرعة تنتظر، يحيط بها أربعة فرسان ببدلاتهم القتالية. ركبت إلينا العربة، وأغلقت الباب خلفها . وقال لسائق العربة لنذهب.

وصلت العربة التي كانت تقل أدريان ونيكو إلى الساحة الخارجية الكبرى لأكاديمية " الغسق". كانت الساحة عبارة عن فجوة هائلة بين عالمين؛ على الجانب الأيمن، تصطف عربات النبلاء المذهبة والفرسان الموشحين بالحرير، وعلى الجانب الأيسر، حيث يقف أدريان، كان هناك زحام في البوابة بسبب الطلبة المسجلين والخدم والجنود، وسط غبار كثيف ورائحة مانا خانقة.

ترجل إيغور أولاً، وعدل معطفه الجلدي الثقيل . نظر إلى الأسوار العملاقة للأكاديمية التي بدت وكأنها جبل من العظام السوداء يبتلع السماء، ثم التفت إلى أدريان ونيكو اللذين كانا يراقبان البوابة بصمت.

"توقفوا عن التحديق كأنكم لم تروا جداراً من قبل،" قال إيغور بنبرة طبيعية لكنها حادة، وهو يبصق على الأرض الجافة. انظروا إلى تلك البوابة.. إنها تبتلع الضعفاء وتخرجهم رماداً."

اقترب إيغور من أدريان، ووضع يده على كتفه بقوة كاد أن يحطم بها العظم، ثم خفض صوته ليغطي على ضجيج العربات المارة: "اسمعني يا أدريان، وانت (نيكو) استمع أيضاً. نحن الآن في العلن. من هذه اللحظة، أنا لستُ معلمكما الذي يضربكما بالسياط في القبو، أنا 'إيغور فانيت'، الرجل الذي تبناكم ليصنع منكم وحوشا تحمي مصالحه. أي خطأ منكما سيعود عليّ بالضرر، وأقسم أنني سأدفنكم أحياء قبل أن أسمح بذلك."

نظر أدريان إلى عيني إيغور، ورأى فيهما صدقاً مرعباً. لم يكن إيغور يلقي خطابات بطولية، بل كان يعطيهما قواعد النجاة.

ساروا نحو بوابة "النصال" الجانبية، حيث كان يقف حراس يرتدون دروعاً ثقيلة وعليها شعار الأكاديمية. سأل أحد الحراس بصوت أجش وهو يتفحص أوراق التوصية: "عائلة فانيت؟ نصلان ابنان من طبقة المتبنين؟"

"نعم،" أجاب إيغور ببرود وهو يمرر كيساً صغيراً من العملات تحت الطاولة. "تأكد من تسجيلهما في 'مهجع الغسق '.

ضحك الحارس بسخرية وهو يختم الأوراق: "مهجع الغسق؟ أنت ترميهم في الجحيم يا فانيت. لكن بما أنك دفعت، فليكن."

التفت إيغور إلى أدريان ونيكو مرة أخيرة قبل أن يغادر، كانت ملامحه قاسية كما هي، لكن نبرة صوته حملت تحذيراً أخيراً: "لا تبدآ شجاراً لا تستطيعان إنهاءه. وإذا قررتما القتل، فلا تتركا أحداً يحكي القصة . الأكاديمية لا تهتم بمن مات بما انهم ليسوا نبلاء

. أدريان.. لا تدع 'الظلام' الذي في داخلك يخرج إلا إذا كنت تنوي إبادة الشخص عن بكرة أبيه ولا تترك دليلا واحدا ."

توقف إيغور قليلاً، ثم عدل ياقة قميص أدريان بخشونة وأضاف: "الآن اذهبا. ارفعا رأسي ليس حباً فيّ، بل لكي لا أضطر لتمزيق وشم 'فانيت' من على جلودكما الميتة."

تحرك إيغور مبتعداً دون أن يلتفت خلفه، تاركاً أدريان ونيكو أمام البوابة الحديدية الضخمة التي بدأت تفتح بصرير مرعب. استنشق أدريان الهواء البارد المليء بالمانا القديمة، ونظر إلى نيكو الذي كان يشد قبضته على حقيبته الصغيرة.

"هل أنت مستعد؟" سأل نيكو بصوت منخفض.

أجاب أدريان وهو يخطو أول خطوة داخل حدود الأكاديمية، وعيناه الامبالية تتحولان ببطء إلى بريق جليدي مظلم: "نعم مستعد حتى للموت.. ومستعدٌ لما هو أسوأ منه."

في تلك اللحظة، مرت عربة "إلينا فاليريان" الفاخرة بجانبهما، لمحت الينا شكل ادريان ونيكو، ولم ينتبه أدريان بوجودها، نظرت اليه ثم تجاهلته ونزلت لتبدأ في تسجيلها

تجاهل ادريان الينا وتقدم هو ونيكو نحو منضدة التسجيل الحجرية التي يقف خلفها موظف شاحب الوجه، عيناه غائرتان وكأنه لم ينم منذ قرون. كانت الأجواء حولهم مشحونة؛ صراخ الحراس، تذمر الطلاب الجدد، ورنين المانا الذي ينبعث من الأحجار المسحورة للأكاديمية.

"الأسماء؟" سأل الموظف دون أن يرفع رأسه.

"أدريان فانيت.. ونيكو فانيت،" أجاب أدريان بنبرة خالية من أي تعبير.

توقف الموظف عن الكتابة لبرهة، ورفع نظره ببطء ليتفحص وجه أدريان. كانت ملامح أدريان الجامدة وعيناه الجليديتان توحيان بشيء غير مريح، شيء لا يمت بصلة لطلاب "المتبنين" العاديين الذين يرتجفون خوفاً في يومهم الأول.

"عائلة فانيت.. نعم، النبيل إيغور دفع الرسوم كاملة،" قال الموظف وهو يسحب مفتاحين من النحاس الصدئ وخلفهما رقعتان قماشيتان تحملان رقم الغرفة. "الغرفة رقم 404، 'مهجع الغسق'. تحركا، هناك آلاف غيركما ينتظرون."

بعد أن استلم أدريان المفتاحين، لم يتوجهوا إلى أقبية رطبة كما كان يتوقع نيكو، بل ساروا في ممرات واسعة مرصوفة برخام أسود مصقول يعكس وجوههم كأنه مرآة مائية. كانت الجدران مزينة بنقوش ذهبية تروي تاريخ عشيرة الظلام، ومضاءة بكرات من "المانا الهادئة" التي تتدلى من الأسقف العالية، تبث نوراً باهتًا يبعث على الرهبة أكثر من الطمأنينة. ولاحظا مجموعة من كرات المانا المتوسطة نسبيا بحجم كف اليد تقريبا في كل ممر كان هناك واحده تجاهلها ادريان و

دخلوا إلى منطقة "مهجع الغسق". كان الرقي هنا لا يقل عن الأجنحة العلوية، لكنه كان رُقيّاً بارداً وموحشاً. الأبواب كانت مصنوعة من خشب "الآبنوس" المعزز بالسحر ، والممرات كانت هادئة لدرجة أن صدى خطواتهم كان يبدو وكأنه ضربات طبل في معبد مهجور.

فتح أدريان الباب رقم 404، ليجد غرفة فسيحة تتسع لشخصين. لم تكن مجرد غرفة، بل كانت جناحاً مصغراً يجمع بين الفخامة والصرامة العسكرية. الأسرة مغطاة بحرير مخملي ثقيل، وهناك طاولات دراسة مصنوعة من حجر الغسق، ونافذة ضخمة تمتد من السقف إلى الأرض، لكنها لا تطل على الخارج، بل تطل على "ساحة التدريب الداخلية" للأكاديمية، والتي كانت تتوهج بمانا من الاسفل

ألقى أدريان حقيبته على السرير القريب من النافذة، ونظر إلى انعكاس صورته في الزجاج. المكان كان مريحاً لدرجة مريبة، مكانٌ صُمم ليجعلك تنسى أنك في معسكر حرب، ليرخي دفاعاتك قبل أن تُسحق.

"حتى الأثاث هنا يشعرك بأنك تحت المراقبة،" قال نيكو وهو يتحسس ملمس الحرير البارد. "إيغور كان محقاً، هذا المكان يبتلعك بجماله قبل قوته."

أدريان لم يرد، بل ظل يراقب الساحة في الأسفل. في الجهة المقابلة من المبنى، رأى أضواء الأجنحة الغسق المخصصة للاناث، حيث تقطن إلينا فاليريان وأمثالها.

جلس أدريان على طرف السرير، وقال دعنا نستريح، فغداً لن يكون سهلا او ناعماً تحت أقدامنا."

وفي تلك اللحظة، رنّ جرس الأكاديمية الضخم، صوته كان عميقاً كان إعلاناً عن انتهاء التسجيل وسمعوا صوت كان يخرج من كرات المانا المعلقه سابقا يقول

مرحبا ياطلاب السنة الأولى معكم البروفيسور جوردن اليوم سيكون يوم راحة غدا ستبدأ الاختبارات التأهيليه لنبدأ بتصنيفكم في الساعه التاسعة صباحا يرجى من الجميع الحظور والذي يتأخر عن الحظور سيطرد اكرر يرجى من الجميع الحظور, انتهى.

نظر نيكو لادريان وقال يبدوا ان غدا سيكون يوما شاقاً...

----------

الرجاء دعمي بالتعليقات 😂💔الفصل تعبني اكثر من 1000 كلمة تعليقكم يعطيني حافز لاكمل واتمنى يعجبكم الفصل...

2026/01/09 · 25 مشاهدة · 1488 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026