*الفصل: ضيف عائلة سيروس*
في صباح اليوم التالي، أشرقت شمس دافئة بددت غيوم الأمس.
أطلق بطنه صوتاً حاداً. جوع.
كان جسده يتغذى على "الاستياء" لفترة، فلم يشعر بالحاجة للطعام. لكن الآن... الجوع ينهشه.
نهض من مكانه. مشى بين الأشجار يبحث عن فريسة.
لمح غزالاً، لكن خلفه صغاره. تركه. أكمل البحث.
الشتاء قاسٍ. الثمار نادرة.
بعد وقت، لمح غزالاً آخر. مصاب بسهم في بطنه، يركض لاهثاً. وخلفه أربعة ظلال تتحرك بسرعة.
ثلاثة رجال بدروع غريبة، وفتاة صغيرة خلفهم تمسك قوساً. يبدو أنها من أطلقت السهم.
تراجع فوكس خطوتين. عيناه اتسعتا.
لم يكن الخوف من الرجال... بل من الهالة السوداء التي تحيط بهم. استياء كثيف، ثقيل، أسود من أي شيء رآه. حتى الجبل لم يكن بهذه القتامة.
الرجال في منتصف العمر. محاربون خاضوا معارك لا تحصى.
أمسك أحدهم برأس الغزال ورفعه مبتسماً:
"أنا الفائز. الأميرة ستكون تحت رعايتي لأسبوع كامل."
نظر الاثنان إليه بغيرة صامتة. لا اعتراض. فاز بعدل.
وفجأة، تحرك أحدهم بلا صوت.
في لحظة كان أمام فوكس. أمسك كتفه وقال:
"يا فتى، ماذا تفعل هنا؟"
ارتعب فوكس. حاول الإفلات. بلا فائدة.
أطلق الأشرطة الخمسة. انطلقت كالبرق نحو نقاط الرجل الحساسة.
تفاجأ الرجل وأفلته، قفز للخلف قبل أن تلمسه.
حدق بالطفل. خمسة أشرطة تدور حوله كتنانين صغيرة، تقطع الهواء.
"اهدأ. لم أقصد إيذاءك."
أعجبته ردة فعل الطفل. أراد أن يعرف أصله.
لكن الأشرطة لم تتوقف. التفت حول فوكس وشكلت شرنقة مدببة مليئة بالأشواك المنحنية.
انغرست في الأرض، وسحبته للأسفل.
في ثوانٍ اختفى. هرب تحت التراب.
ظهر الرجلان الآخران بجانبه. أحدهما يحمل الفتاة على كتفه.
"ماذا بك؟"
"لا شيء. مجرد طفل مثير للاهتمام."
"أين هو؟"
"هرب."
أنزل الرجل الأميرة ومسح على رأسها:
"غريب. رائحته نقية، لكن مهاراته مجهولة."
تحت الأرض، كان قلب فوكس يخفق بعنف.
"هذه المجموعة أخطر مما تصورت."
غير اتجاهه، صعد، ناور لساعات حتى أنهكه التعب.
شق الأرض وخرج من شرنقته... ليجد الرجل نفسه جالساً أمامه، يحمل كوباً يتصاعد منه البخار.
هذه المرة لم يخف. تراجع خطوتين فقط، وتأمل الرجل.
درع ذهبي كامل، ملامح محارب مخضرم، وندبة على خده. يبدو كفارس مقدس.
لكن في عين فوكس، كان شيطاناً. الاستياء حوله حالك السواد.
قال الرجل بهدوء:
"أخيراً خرجت."
قبل أن يرد فوكس، شعر بيد على كتفه من الخلف.
"أخبرني من أنت."
انتقل الرجل من أمامه إلى خلفه في لحظة. لم يشعر به.
لكن فوكس ابتسم بخفة. جسده كان يمتص استياء الرجل بسرعة.
شعر أوريليوس بشيء غريب. كأن ثقلاً قديماً يُزاح عن صدره. وقبل أن يتكلم، التف شريط حول رقبته ورماه بعيداً.
ارتطم الرجل بشجرة فشطرها نصفين.
لهث فوكس. جسد الرجل ثقيل جداً. لكنه شعر بقوته تزداد مئة نقطة مانا بعد الامتصاص. كلما زادت قوته، زادت سرعة امتصاصه.
استياء هذا الرجل لم يكن كثيراً... لكنه كثيف، أسود، مصقول.
قتل المئات من الشياطين. تقنياتهم وتقنياته انصهرت في استيائه، وشكلت تقنية جديدة.
تقنية لم يتعلمها أحد من قبله.
تدفقت المعلومات إلى عقل فوكس. اسمها: _قمر الظل الدموي_.
تقنية حركة رفيعة. ظل خفيف بلا صوت ولا أثر، سريع كالفكرة.
في هذا العالم، التقنية الجديدة تصبح جزءاً منك. تتفعل بمجرد التفكير.
استخدمها فوكس فوراً. تحول إلى ظل واخترق الأرض بلا أثر.
نهض أوريليوس وهو يمسك رقبته:
"طفل ماكر. إلى أين ستهرب؟"
حرك يده. تشكل ظل تحت إصبعه. ضغط عليه فانشق الفضاء شقاً بطول متر. أدخل يده وسحب فوكس منه.
كان فوكس يهرب تحت الأرض، وفجأة... يد أمسكته وسحبته للسطح.
حدق في الرجل بدهشة.
"يا فتى، قلت لن أؤذيك. لماذا تهرب؟"
حرك فوكس الأشرطة. شكل خنجراً أسود وضرب به عين الرجل.
أمال أوريليوس رأسه جانباً وتجنبها، ينظر للخنجر بتعجب.
"لم أرَ عنيداً مثلك من قبل."
ولما رأى أن الإمساك به لا ينفع، تركه. يراقب.
حالما شعر فوكس بالحرية، استخدم _قمر الظل_ وتراجع بسرعة.
لكن هذه المرة لم يهرب. وقف، ونظر للرجل بصمت.
رفع أوريليوس قدمه ليتقدم، لكنه توقف حين رأى جدية نظرة فوكس. أعاد قدمه وقال:
"يا فتى، هذه أرض عائلة سيروس. ماذا تفعل هنا؟"
تذكر فوكس مشهداً غامضاً. رجل يموت وهو يصرخ: "عائلة سيروس لن تتركك أيها الخائن!" وأمامه شخص شرير يحمل شعار سيروس.
حاول الكلام. صوته خرج غريباً، متقطعاً:
"لا... أعلم. أرسلني شخص بمهارة نقل. وظهرت هنا."
مهارات النقل شائعة. سبق أن تسلل بها غرباء للقصر.
"ما اسم عائلتك؟"
فكر فوكس قليلاً: "أنا فوكس."
"سألت عن عائلتك، لا اسمك."
تذكر جثث الثعالب: التي دفنت امامه "لا أملك عائلة."
ابتسم أوريليوس: "مهاراتك وحركاتك... وتريدني أن أصدق أنك بلا عائلة؟"
لم يفهم فوكس. أمال رأسه بحيرة.
وضع أوريليوس يده على رأسه وتنهد: "غجري غامض."
تقدم خطوة، ثم توقف:
"بحقك، ألا يمكنك التوقف عن هذا؟"
ما إن تحرك حتى انطلقت الأشرطة الخمسة وثبتته في مكانه. لم تلمسه، لكنها رسمت حداً لا يتجاوزه.
قال فوكس ببرود: "توقف مكانك. لا تقترب."
أراد أوريليوس تلقينه درساً، لكنه تراجع وقال:
"يا فتى، أنت جريء. ما رأيك أن تنضم لي وتصبح تلميذي؟"
عرض يحلم به أعظم العباقرة. لكن فوكس فكر.
هذا الرجل قوي بشكل مرعب. إن أصبح تلميذه سيقابل شخصيات أشد رعباً. وتذكر مشهد مقتل رجل سيروس. قد يكون هو التالي.
قال دون تردد: "لا أريد."
تنهد أوريليوس بأسف:
"خيارك. لن أجبرك. لكن أخبرني... ماذا فعلت بي عندما لمستني أول مرة؟"
حرك فوكس شريطاً، حوله لخنجر رفيع. اقترب الخنجر من يد أوريليوس
كان أوريليوس يعلم ان الخنجر لن يؤذيه لهذا بقي ساكن يراقب.بهدوء
وأحدث جرحاً صغيراً.
سال دم ذهبي لامع. عاد الشريط بالدم إلى فوكس.
شمّه وقال: "أنت نظيف الآن. لم تعد تملك تلك الأشياء."
صدقه أوريليوس فوراً. شعر أنه تخلص من عبء كان يخنق روحه لسنين. عاد يرى العالم بألوانه الحقيقية.
أكمل فوكس: "لقد قتلت الكثيرين. كان ذلك العبء عقابك. خلصتك منه. وهذا ثمن دخولي أرض عائلتك دون إذن."
استدار ليغادر، لكن أوريليوس ظهر أمامه:
"بما أنك بلا عائلة، ما رأيك أن تبقى هنا؟ كن ضيفاً على عائلتي."
"أنت تريد استخدامي."
قال أوريليوس: "عائلتي تسكن الحدود الملكية. خارج بوابة القصر ستواجه الشياطين مباشرة. النجاة غير مضمونة. ابقَ بجانبي. أعدك لن أستغلك. أريد منك أمراً واحداً فقط."
"ما هو؟"
"أن تصبح تلميذي. لن أضغط عليك. سأمهلك ثلاث سنوات. إن وافقت، ستصبح تلميذي الثالث."
وازن فوكس. الخروج يعني الموت غالباً. البقاء قد يمنحه فرصة.
.
"وما عملي خلال السنوات الثلاث؟"
"أنا أحد أعمدة عائلة سيروس. ستكون مساعدي الشخصي. تبقى بجانبي وتراقبني براحة بال."
أمسك فوكس رأسه. ثم قال: "موافق. لكن إن طلبت مني أن أفعل ما فعلته معك لغيرك... لن تكون راضياً."
فهم أوريليوس. اقترب وسأل: "أخبرني فقط... هل سيعود ذلك الثقل؟"
لم يمنعه فوكس هذه المرة: "نعم. كلما قاتلت أكثر، زاد الاستياء."
اقترب أكثر: "هل هناك أحد غيرك قادر على تبديده؟"
"ما تسمونه شيطان القلب، أنا أسميه استياء. مشاعر سلبية تعيق الزراعة. الرهبان يكبحونه، لكن تبديده مستحيل. القاتل يحرق روحاً من هذا العالم. وفقط بعودة تلك الروح يتلاشى استياؤها."
"ذهبت لأقوى الرهبان ولم يفعلوا نصف ما فعلت. إذن أنت قادر على المستحيل؟"
"الاستياء لا يتبدد. يُنقل. بنيتي الجسدية نادرة. نقلت استياءك لمكان آخر. لا تقلق، تحرر الآن ولن يعود إليك."
وضع أوريليوس يده على كتفه. وفي لحظة اختفيا. واخر كلمة سمعها فوكس في ذاك المكان. هية. ". أمل ان يكون كلامك صحيح.
ظهرا أمام قصر شامخ يخترق السماء. أبراج بيضاء، وشعار سيفين متقاطعين يحملان أسداً — شعار سيروس.
الخدم يتحركون بسرعة. شباب العائلة يتدربون على جمع المانا في الساحة.
سأل أوريليوس وهو ينظر إليهم: "ما رأيك بهم؟"
نظر فوكس للشباب الستة. لم يشعر بأي استياء منهم. فقال:
"المعارك وحدها تصقل السيوف. وهم لم يقابلوا شيطاناً من قبل."
تفاجأ أوريليوس: "وما يدريك؟ ربما قابلوا شياطين ولم يقتلوها."
"الشياطين تولد بالاستياء. أي شخص يقترب منهم يصاب به، حتى لو لم يقاتلهم. وهذه المجموعة... خاسرة تماماً."
نظر أوريليوس للشباب. كان يعرف ذلك. لكن كلما اقترب من هذا الفتى، زاد حماسه ودهشته أكثر.
---
يتبع....