لم يدم ذهول الجيش في الأسفل طويلاً. ورغم أن انفجار المسيرة الانتحارية قد أحدث فوضى عارمة في معسكر عائلة سيرف وقطع التعويذة المرعبة، إلا أن قادة التحالف أدركوا سريعاً أنهم يواجهون عدواً لا يرحم، وقرروا الرد بكل ثقلهم العسكري والسحري.
من قلب المعسكر، تقدم فيلق سحرة عائلة "سيلف"، المعروفين بتحكمهم المطلق في عناصر الرياح. تجمع المئات منهم في حلقة دائرية متناسقة، وبدأوا في إطلاق موجات عاتية من الإعاصير الموجهة نحو الأعالي. لم يكن الهدف من هذه الرياح تدمير جدران الحصن، بل تمزيق الغطاء الكثيف من الغيوم الذي كان كايل يتخذ منه تمويهاً طبيعياً.
تحت وطأة الرياح السحرية العنيفة، بدأت السحب تتلاشى وتنقشع بسرعة متناهية، ليكتشف الحصن العائم تماماً أمام أعين الآلاف من الجنود المرابطين في الأسفل. أضاءت خطوط الأثير النيونية الزرقاء، التي تحيط بالقلعة الحجرية الأثرية، سماء المنطقة بالكامل، مثيرةً مزيجاً من الرعب والدهشة في قلوب النبلاء وضباطهم.
وبمجرد انكشاف الحصن وظهوره كهدف واضح، أصدر قائد عائلة "أكويلا" أمره الفوري. انطلقت من فوق قمم الممرات الجبلية أسراب كاملة من فرسان النخبة الجويين، يركبون وحوش "الغريفين" المجنحة ذات المخالب الفولاذية القاطعة. لم تكن هذه مجرد فرقة استطلاع جوي صغيرة، بل كان جيشاً جوياً حقيقياً يضم أكثر من مائتي فارس مدججين بنصال مشحونة بسحر البرق ومضادات الحواجز الطاقية.
في قاعة النواة، شعر كايل باهتزازات خفيفة تسري في الأرضية المعدنية. ورغم أن طاقة النواة لا تزال مستقرة عند اثنان وثلاثين بالمئة في حالة الشحن البطيء، إلا أن النظام أرسل تنبيهاً عاجلاً ومباشراً في وعيه:
تحذير من النظام: هجوم جوي مكثف يقترب بسرعة. الحقل الدفاعي الحالي يمكنه صد الشحنات السحرية والمقذوفات، لكنه عرضة للاختراق الجسدي من الوحوش الضخمة الطائرة. المواد الخام الحالية صفر، خيارات التصنيع الفوري غير متاحة.
"تباً، يريدون قتالاً قريباً متلاحماً إذاً،" تمتم كايل وهو يشعر بوعي اللص القديم وغريزة الشوارع الحادة تتحرك في عروقه. سحب خنجر التيتانيوم الأسود المشحون بالطاقة، وتحرك بخطوات سريعة وثابتة نحو الباحة الخارجية المكشوفة للحصن الطائر.
بدأت أسراب الغريفين في اختراق قبة الطاقة الزرقاء. ورغم أن الشحنات الكهربائية للحقل الدفاعي أصابت بعض الوحوش وأسقطتها نحو الهاوية، إلا أن الأعداد الكبيرة والاندفاع الانتحاري سمح لعشرات الفرسان بالهبوط العنيف فوق أسطح الحصن وجدرانه الحجرية العتيقة.
انقض الفارس الأول نحو كايل فور نزوله، موجهاً رمحه المشحون ببرق أرجواني مباشرة نحو صدره. بفضل مهارة خطوات الظل الحركية، انزلق كايل بجسده ببراعة تحت نصل الرمح، مستغلاً زخم الحركة ليدور خلف الفارس ويغرس خنجره الأسود بدقة متناهية في الفجوة الضيقة بين درعه وعنقه. تدفقت طاقة الأثير النقية من الخنجر لتصعق الفارس فوراً، ليسقط جثة هامدة قبل أن يتمكن حتى من الصراخ.
لكن كايل لم يجد وقتاً لالتقاط أنفاسه؛ فقد حوصر في غضون ثوانٍ بأربعة فرسان آخرين ترجلوا عن وحوشهم وشهروا سيوفهم الطويلة، بينما كانت وحوش الغريفين تحوم في الأعلى مستعدة لتمزيق أي شيء يتحرك على السطح. كان يعلم أن قتاله التقليدي هنا سيهدر الكثير من طاقته الجسدية المحدودة، وتكنولوجيا آركنس بحاجة ماسة إلى مورد معدني فوري لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج الآلي وتصنيع ما يقلب الموازين.
نظر كايل إلى الدروع الفولاذية الثقيلة المصقولة التي يرتديها الفرسان المحيطون به، ولمعت في عينيه الزرقاوين فكرة خبيثة وجريئة؛ الأعداء أنفسهم أتوا بالمواد الخام والحديد النقي الذي يحتاجه مباشرة إلى عتبة بابه.
أخذ نفساً عميقاً، وركز طاقته ليطلق صرخة تحدٍ تردد صداها عبر أركان الحصن الطائر، مستعداً لتحويل باحة قصره إلى مقبرة للأعداء ومصنع لأسلحته الفتاكة في آن واحد.