لم يكن هناك وقت للندم. الأدرينالين كان يتدفق في عروق كيان كالحمم البركانية وهو يقفز فوق الفجوات السحيقة بين الأبراج المعلقة لمدينة "آركنس" المنسية. الضباب الدخاني يلف المكان، وأصوات قطرات المطر الثقيلة وهي تصطدم بالهياكل المعدنية الصدئة كانت تمتزج بصوت أنفاسه المتلاحقة.

​خلفه تماماً، كان دويّ الخطوات الثقيلة يقترب. حراس الفجر الأسود لم يكونوا بشراً عاديين، بل كانوا مسوخاً نصف آلية، مصممين لغرض واحد فقط: استعادة ما سُرِق.

"إذا توقفتَ عن الركض الآن، فلن تكون هناك فرصة ثانية. هذه القطعة هي مفتاح كل شيء."

كانت هذه الكلمات الأخيرة التي قالها له مرشده قبل أن يختفي وسط النيران.

​تحسس كيان الحقيبة الجلدية المتأرجحة على كتفه. كان يشعر بـ "قلب الأثير" —البلورة القرمزية المتوهجة—وهي تنبض بحرارة غير طبيعية، وكأنها كائن حي يستشعر الخطر.

​الفخ

​فجأة، انزلق كيان وتشبث بحافة جسر حجري متهالك. أسفله مباشرة كان يمتد فراغ لا قاع له، يغرق في ظلام دامس.

​"ها هو! لا تدعوه يفلت!" صرخ صوت معدني حاد من خلفه.

​التفت كيان وهو ما زال معلقاً بذكاء، ليرى ثلاثة من الحراس يرتدون دروعاً سوداء مصقولة، وعيونهم الآلية الحمراء تلمع في الظلام. أحدهم كان يحمل قاذف بلازما مشحوناً بالكامل، والضوء الأزرق المنبعث من السلاح يضيء ملامح الموت المقترب.

​ لم يكن هناك مفر.

​بأعصاب باردة وقلب ينبض كالطبول، اتخذ كيان قراره:

​أفلت يده اليمنى من حافة الجسر.

​استل خنجره المصنوع من "التيتانيوم الأسود" بيد واحدة.

​قذف الخنجر بدقة متناهية نحو أنبوب البخار المضغوط الممتد فوق رؤوس الحراس.

​ احترسوا! صرخ أحد الحراس، لكن الأوان كان قد فات.

​انفجر الأنبوب بقوة هائلة، واندفع البخار الحارق ليعمي أبصار الحراس ويقطع خطوط رؤيتهم. استغل كيان هذه الثواني المعدودة، وبحركة بهلوانية بارعة، سحب جسده للأعلى، وركض بأقصى سرعة نحو البوابة العملاقة المقفلة في نهاية الممر.

​خيار شمشون

​وصل كيان إلى البوابة. كانت مصنوعة من النحاس القديم والميناء الأسود، وتتوسطها فجوة دائرية غريبة. لم يكن هناك قفل، ولا مقبض.

​الأصوات خلفه بدأت تقترب مجدداً وسط ضباب البخار المنقشع. الحراس يعيدون تنظيم صفوفهم، وقاذف البلازما يُشحن من جديد بصوت أزيز مرعب.

​أخرج كيان "قلب الأثير" من حقيبته. البلورة كانت تشع ضوءاً قرمزيّاً مكثفاً، والنقوش القديمة المحفورة عليها بدأت تدور. نظر إلى الفجوة الدائرية في البوابة، ثم إلى الحراس الذين ظهروا من بين الضباب مصوبين أسلحتهم نحو صدره.

​"سلم القطعة، أو ستتحول إلى رماد،" قال قائد الحراس بصوت أجش خاوٍ من المشاعر.

​ابتسم كيان ابتسامة تحدٍّ، رغماً عن قطرات العرق التي تسيل على وجهه. ونظر إلى البلورة في يده وقال بصوت منخفض: "دعونا نرى إن كانت الأساطير حقيقية."

​وضغط بـ "قلب الأثير" بقوة داخل تجويف البوابة النحاسية.

​في تلك اللحظة، ساد صمت مطبق لثانية واحدة... ثم انطلق عصف من الضوء الأبيض المبهر، واهتزت المدينة المعلقة بأكملها من جذورها، وبدأت التروس العملاقة في جدران البوابة تتحرك بصوت يصم الآذان، بينما انفتحت الأرض من تحت أقدام الجميع...

2026/07/13 · 3 مشاهدة · 441 كلمة
نادي الروايات - 2026