الفصل الاول :
الساعة الثانية بعد منتصف الليل، والمطر لا يعرف الرحمة.
الرجل الواقف تحت ظلال قوس المبنى المتداعي لم يكن يبدو كمن يختبئ - بل كمن تعوّد أن الظلام أكثر صدقاً من الضوء.
اسمه كاي. مجرد كاي، على الأقل هذا ما يعرفه الناس في الحي السابع.
وقف تحت ظلال قوس مبنى متداعٍ في الحي السابع، يُشعل سيجارته الثالثة في أقل من ساعة، وعيناه لا تتحركان عن النافذة المضاءة في الطابق الثالث من الجهة المقابلة.
المبنى اسمه "فندق كلارك" - تسمية فيها من المرارة ما يكفي، لأن كلارك مات منذ عشرين عاماً وما تبقى من فندقه ليس أكثر من بيت دعارة بسقف يتسرب منه المطر وأسرّة بها من الذكريات ما لا يُروى.
لكن النافذة في الطابق الثالث كانت تقلقه.
ليس لأنها مضاءة - بل لأنها توقفت عن الاهتزاز.
كان الظل يتحرك داخلها منذ ربع ساعة: ذهاباً وإياباً، ذهاباً وإياباً. رجل يمشي بعصبية، أو ربما يُفكّر. ثم توقف كل شيء. والضوء لا يزال مشتعلاً.
أخذ نفساً طويلاً من السيجارة وأطفأها في جدار المبنى خلفه.
رجل قلق لا يتوقف فجأة عن القلق وحده.
كانت هذه قاعدته الثانية في العمل، بعد القاعدة الأولى التي يؤمن بها إيماناً راسخاً: المدينة لا تكذب - فقط الناس الذين يعيشون فيها.
اشترى هذه الوظيفة - إن صحّت التسمية - منذ ثلاث سنوات حين قرر أن كل ما تعلّمه من سيث يستحق استثماراً أفضل من شغل حارس في أحد مستودعات موراي. لافتته المعدنية الصغيرة على باب غرفته في الطابق الأول من مبنى مجاور كتب عليها بخط يده: "كاي - تحقيقات خاصة. القضايا التي لا تهتم بها الشرطة."
عملاء غالباً من الفئة التي تدفع بالمعدن المباشر لا بالأوراق المصرفية. قضايا غالباً لا تنتهي بنهايات نظيفة. لكنها تدفع الإيجار وتُبقيه حاداً.
وهذه الليلة لم تكن استثناءً.
جاءته العميل قبل ست ساعات.
امرأة في الخمسين، اسمها مارا، بيدين تلتويان في حجرها كأنها تحاول عصر شيء غير موجود. ابنها - رجل في الثلاثين اسمه داون - لم يعد لمنزله منذ أربعة أيام. ليس أمراً غريباً في الحي السابع، حيث يختفي الناس كما تختفي قطرات المطر في المجاري. لكن مارا أصرّت بالقدر الذي يجعل الإنسان مستعداً لدفع ما لا يملكه.
قال لها ما يقوله دائماً: "الناس الذين يختفون في الحي السابع عادة اختاروا الاختفاء."
ردّت بما لا يقوله أحد عادة: "داون كان يحمل شيئاً. كان يقول إنه وجد شيئاً كبيراً. لم يخبرني بما هو، لكنه كان خائفاً."
خائف. الكلمة الوحيدة الكافية لتغيير تقديره للموقف.
الشخص المختار للاختفاء لا يكون خائفاً - يكون مُخطِّطاً. والخائف الذي يجد شيئاً كبيراً إما يبيعه أو يدفع ثمنه.
أخذ المهمة. أخذ نصف الأجر مقدماً بالمعدن. وبدأ بالمكان الأخير الذي عرفته مارا عن ابنها: فندق كلارك، الطابق الثالث.
عبر الشارع المبلل بخطوات لا تصدر صوتاً.
لم يكن يُنشّط نَسَغه - لا داعي بعد. كان يُبقيه كجمرة خافتة في صدره، حاضراً لكن غير مُستنزَف. سيث علّمه ذلك في الأيام الأولى: "البهيمة التي تزأر قبل القفز لا تصطاد. النَّسَغ المُعلَن نَسَغ مهدور."
صعد الدرج بمحاذاة الحائط. الخشب العتيق تحت قدميه يتأوه لكل ثقل - لكن الثقل الصحيح والسرعة الصحيحة تُقلّل التأوه لحدٍّ مقبول. وصل الطابق الثالث.
الرواق ضيق ومعتم. ثلاثة أبواب على يساره، ضوء أصفر مريض يتسرب من تحت الأول.
توقف.
شمّ.
الرائحة أصابته قبل أن يرى شيئاً - حديدية خفية تحت رائحة خشب العفن والعطر الرخيص الذي تستخدمه هذه الأماكن لتغطية تاريخها. رائحة يعرفها. رائحة تجعل قرارات الليل أثقل دائماً.
دم.
وضع يده على الباب وأحسّ بدفء خفيف - شمعة أو مصباح قريب من الجهة الأخرى. دفع بالقدر الكافي.
لم يكن مُغلقاً.
الغرفة صغيرة بشكل مُهين - سرير ومكتب وكرسي واحد. مصباح الطاولة يُضيء زاوية واحدة بضوء مائل يجعل كل شيء يبدو له ظل أطول مما يستحق.
الرجل على الأرض بجانب السرير. وجهه للسقف وعيناه مفتوحتان على مصراعيهما كأنهما تحاولان حفظ آخر شيء رأياه.
كاي دخل وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ركع بجانب الجثة.
الرجل في الثلاثين تقريباً. شعر داكن وجبهة عريضة. مطابق للوصف الذي أعطته مارا. الجرح في الجانب الأيسر من الصدر - طعنة واحدة بدقة مُرعبة. لا تهالك في الأنسجة المحيطة، لا خدوش من مقاومة. ضربة واحدة، مباشرة، نظيفة.
لم يرَ من ضربه. أو لم يُعطَ وقتاً ليرى.
نَسَغه بدأ يتحرك تلقائياً - ليس هجوماً، بل قراءة. فتح حواسه قليلاً، الصدى الخافت الذي تعلمه في السنتين الأخيرتين دون أن يصل فيه لأي مستوى يُشار إليه. الغرفة فارغة. لا نَسَغ نشط. الشخص الذي فعل هذا غادر منذ وقت كافٍ.
لكن شيئاً لم يستقر في صدره.
نظر للغرفة بعيون الشخص الذي يقرأها لا الشخص الذي يُعاين جريمة. المكتب مُفتَّش - الأدراج خارجة بمقدار غير متساوٍ، أسرع مما ينبغي لباحث منهجي. الحقيبة الصغيرة في الزاوية مفتوحة وفارغة. الجدار الخلفي - وهنا توقفت عينه - فيه خط رفيع عند ارتفاع متر ونصف لا يتناسب مع ألواح الخشب العتيقة.
وقف وضغط على اللوح.
انفتح بصوت خفيف. فراغ صغير - حجم علبة أحذية - محفور في الجدار يدوياً. فارغ.
لكن ليس تماماً.
في الزاوية السفلى، مُثبّت بشريط لاصق بنيّ: ورقة مطوية بعناية، صفراء من الأطراف كأنها محمولة منذ فترة.
أخذها وفتحها.
ليست رسالة. ليست خريطة. ليست أرقاماً.
جملة واحدة بخط يد صغير ومضغوط:
"الرماد لم يكن حادثة - والدليل في أرشيف الشجرة العمياء."
أسفلها، بخط مختلف - أحمر داكن، يُشبه الحبر لكن كثافته مختلفة:
"من وجد هذا، هرب."
جلس على حافة السرير والورقة في يده.
الرماد.
الكلمة التي يسمعها في الحي السابع بصوت المزحة الثقيلة - "حادثة الرماد"، الليلة التي أُبيدت فيها قيادة عائلة فالكور قبل عشرين عاماً. واحدة من تلك الأحداث التي يعرفها الجميع ويتجنب الجميع الحديث عنها بجدية، مثل الندبة التي تعيش معها حتى تنسى أنها موجودة.
لكن داون لم ينسَ. داون وجد شيئاً. وداون الآن على الأرض بجانب سريره بجرح واحد نظيف في صدره.
أرشيف الشجرة العمياء.
لم يسمع بهذا المكان.
طوى الورقة ووضعها في جيبه الداخلي. قام ونظر للجثة مرة أخيرة. شيء في وجه داون - في العيون المفتوحة تلك - يحمل اتهاماً صامتاً لكل من سيمشي بعيداً.
الخائف الذي يجد شيئاً كبيراً إما يبيعه أو يدفع ثمنه. تذكّر ما قاله لنفسه في وقت سابق.
داون لم يبعه.
وضع يده على الباب. تحرّك النَّسَغ في جسده بشكل تلقائي - إنذار مبكر، حاسة السادس التي لم تتطور بما يكفي لتُسمى صدىً لكنها موجودة - ثانية قبل أن يُفتح الباب من الخارج.
ثلاثة رجال.
الأول دخل أولاً وأكبرهم حجماً - كتفان عريضان وعينان لا تحملان أي سؤال. النوع الذي لا يأتي ليتكلم. الثاني والثالث على الجانبين، مباعدة مدروسة، ليسوا أمناء حراسة عاديين - تموضعهم يعكس تدريباً.
النَّسَغ يتدفق منهم بوضوح - الثاني درجة كافية، الثالث مثله، الأول أعلى. ليسوا من القاع.
الأول نظر للجثة ثم لكاي بلا مفاجأة.
قال بصوت أجشّ يملك فيه هدوء من تعوّد على أن لا أحد يجادله: "الورقة."
لا تحية. لا سؤال عن هويته. لا تهديد مزخرف. فقط الورقة.
يعرفون عنها. إذن كانوا يراقبون.
حسب كاي في جزء من ثانية: الغرفة صغيرة، المسافة بينه وبين الأول مترين ونصف، الباب خلف الثلاثة، النافذة على يساره يؤدي القفز منها لحديقة خلفية مسافتها أربعة أمتار للأسفل، الخشب العتيق للأرضية يعني أن حركته الجانبية ستُحدث صوتاً.
قال: "ما الورقة؟"
الأول تحرك.
لم يكن سريعاً بشكل استثنائي - لكنه كان دقيقاً. النَّسَغ يضخ في ذراعيه بشكل واضح عند الاقتراب، غلاف خفيف على مقدمة جسده. مدرسة النهر أو شيء قريب منها.
كاي تراجع خطوة للجانب - لا للخلف - وترك الضربة الأولى تمر بمسافة أصابع من وجهه. أحس بهواء الزخم.
قوي. لكن واثق جداً.
انحنى تحت الذراع الثانية، ضغط كفّه على الكوع من الأسفل - نقطة التقاء العظم - ودفع بالاتجاه المعاكس لدوران المفصل. الأول صدر منه صوت خافت ليس ألماً بل مفاجأة. ثانية واحدة من الارتباك.
كافية.
دفع كاي بكتفه في الصدر - لا نَسَغ هجومي في الدفعة، فقط زخم جسدي - وسط الغرفة نحو الثاني والثالث. ليس ليُسقطه بل ليُشغل الفراغ.
وثب نحو النافذة.
الزجاج كان رقيقاً من الإهمال - أو ربما كان ذلك حظاً. اخترق بكتفه المطوي وخرج للهواء الرطب البارد، وجسده يدور في الهواء، وأدار نظره للأسفل لقياس المسافة بجزء من ثانية.
أربعة أمتار. أكثر مما قدّر.
ضغط النَّسَغ في ساقيه لثانية واحدة فقط - ليس تحكماً بالطيران، لكن لتصليب الركبتين عند الاستقبال. الأرض أصابته بما يكفي لإحساس حارق في الكاحل الأيسر لكن لا كسر. تدحرج مع الزخم كما علّمه سيث - "لا تقاوم السقوط، وجّهه" - وأنهى الحركة واقفاً.
الحديقة الخلفية مظلمة ومهجورة. عدا عن القطة التي هربت بصوت احتجاج صريح.
نظر للأعلى. الأول ينظر من النافذة المكسورة، وجهه في العتمة. لكن عيناه - يمكن رؤيتهما بوضوح في الليل - لا تحملان غضباً.
تحملان شيئاً أسوأ. تحملان اهتماماً.
هرب في الأزقة حتى الشارع الرئيسي. المطر لا يزال يسقط بلا اعتذار. وقف تحت ضوء العمود الكهربائي ويده تتحسس الورقة في جيبه.
الرماد لم يكن حادثة.
جملة واحدة. رجل ميت. ثلاثة يريدون الورقة يعرفون من أين تأتي ويعرفون عن الورقة.
الأمر تجاوز بكثير مهمة إيجاد شخص مفقود.
جلس على عتبة مبنى تجاري مغلق وأشعل سيجارته الأخيرة وبدأ يُفكر بالطريقة التي تعلمها على مر السنين - لا بالنتائج بل بالأسئلة.
من قتل داون؟ شخص مدرّب بشكل جيد وسريع وتلقى أمراً محدداً.
لماذا تركوا الورقة؟ لم يجدوها - مكانها في الجدار كان مُحكَماً لمن لا يبحث.
كيف عرف الثلاثة أن شخصاً وجدها الليلة؟ كانوا يراقبون.
لماذا طلب الأول الورقة بدلاً من تصفيتي فوراً؟ يريدون معرفة من أخبرني.
التوقف عند السؤال الأخير.
لا أحد أخبره. داون ميت. مارا أمه لا تعرف ما كان يحمله.
إذن هم لا يعرفون أنه محقق خاص بالصدفة. يظنون أنه متورط.
ابتسم ابتسامة لا تحمل سعادة. الأمر تعقّد بما يكفي لأن يكون مثيراً وبما يكفي لأن يكون خطيراً. الفئتان في عمله لا تنفصلان عادة.
حين عاد لمبنى غرفته، وقف أمام باب سيث في الطابق الأرضي - الحانة الصغيرة المغلقة في هذه الساعة - وطرق ثلاث مرات بالإيقاع الذي يعرفه سيث.
فتح الباب بعد دقيقة.
رجل في الخمسين بعيون تحمل تاريخاً أطول من سنّه، شعر رمادي من الصدغين، وندبة تمتد من عظمة الخد الأيسر حتى الفك. ينظر لكاي بالنظرة التي يعرف كاي أنها تعني "وجدتها لوحدك هذه المرة أيضاً".
قال كاي: "سمعت بمكان اسمه الشجرة العمياء؟"
شيء تحرك في عيني سيث - خفيف جداً، جزء من ثانية - قبل أن يتبدد خلف المعتاد من صمته.
كذّبه نبضه قبل أن يتكلم.
قال سيث: "لا."
كاي نظر إليه ثانية طويلة.
قال: "حسناً." ودار لدرج الصعود.
وفي خطواته الهادئة نحو الطابق الأعلى، لم يُصدّق كلمة واحدة مما قاله سيث.
في غرفته، وضع الورقة على المكتب تحت المصباح وحدّق فيها طويلاً.
الكتابة الحمراء - "من وجد هذا، هرب" - لها ثقل مختلف الآن بعد الرجال الثلاثة في فندق كلارك.
داون لم يهرب.
فتح دفتره الصغير وكتب الجملة الأولى في قضية يشعر أنها لن تنتهي بمجرد إيجاد المفقود:
"الرماد. دم قديم في مدينة لم تنسَ."
وخارج النافذة، المطر يتحدث بلا توقف على بلاط شوارع الحي السابع. وفي مكان ما في هذه المدينة الضخمة المعتمة، شخص ما يعرف اسمه الآن.
وهذا لم يعجبه.
يتبع - الفصل الثاني: الشجرة العمياء