بعد أن أمسكتُ يدَ الفتاة التي أحببتها، شعرتُ كأنني بلغتُ قمةَ جبلٍ ظلّ طويلًا بعيدَ المنال. ومع ذلك، وها هي الآن إلى جواري، على السرير ذاته، ساكنةٌ كأنها تنتمي إلى حلمٍ لا إلى واقع، لم يقترب النوم من عينيّ. الغريب أنها لم تنم أيضًا.

نهضتْ ببطء، وأمسكت بيدي، وفي صوتها وعدٌ غامضٌ بمكانٍ بعيد… بعيدٍ إلى حدٍ يكاد يُمحى فيه كلُّ ما نعرفه، ويُعاد تشكيله على صورتها وحدها. كان الأمر أشبه بانزلاقٍ داخل حلمٍ لا يُدرك حدوده.

هبطتُ درجاتٍ قليلة… ثلاثًا فقط، لكنها امتدّت كأنها لا تنتهي، طويلةٌ بسطحٍ أبيض قديم، يئنّ تحت وقع الخطى، كأنها على وشك التهالك. كلُّ شيءٍ هناك كان يهمس بأنني دخلتُ قصرًا مهجورًا، قصرًا لم يعد يتذكّر من سكنه.

وحين بلغتُ السطح، رأيتُ ما لم أكن مستعدًا لرؤيته.

أقفاصٌ ضخمة، تتدلّى منها سلاسل حديدية صدئة، وبداخلها كائناتٌ مشوهة… كلابٌ بملامح بشرية، أعينها زائغة، وأجسادها مقيّدة، كأنها بقايا رغباتٍ فقدت إنسانيتها. وعلى امتداد المكان، حجارةٌ بيضاء هائلة، كلُّ حجرٍ منها يفوق حجمي، ثابتةٌ في مواضعها بثقلٍ يفرض سلطةً صامتة، سلطةَ صاحب هذا المكان.

كدتُ أسقط.

لكن ما أسقطني لم يكن الارتفاع… بل نظرتها.

ربطت الفتاة يدي، ونظرت إليّ كما يُنظر إلى أحد أولئك المسجونين في الأقفاص… نظرةٌ خالية من أي أثرٍ لما عرفته فيها. كانت ترى فيّ كائنًا آخر، عبدًا لشهوةٍ لم أفهمها.

تبدّلتْ صورُها في داخلي.

ومع ذلك، لم تُحكم قيدي تمامًا.

ثم خرج منها صوتٌ… ليس صوتها.

«لقد اجتزتَ المحنة… لكنك لم تجتز الكارثة. حين يُوكل كيانك البشري، سيُمحى… لتصير شخصًا آخر.»

في لحظة، انقلبت الأرضُ رأسًا على عقب. صار الجدارُ أرضًا، والأرضُ فراغًا يتداعى تحتي.

صرختْ… هذه المرة بصوتها الحقيقي:

لم أكن أنا من يتحدث.

ثم بدأت الحجارة، تلك التي قالت إنها لا تنهار، تتصدّع… وتتهاوى. تشقّق السقف، وانفتح خلفه لونٌ ورديٌّ غريب، مألوفٌ على نحوٍ مؤلم… اللون ذاته الذي كان يملأ الغرفة التي جمعتني بها.

لمستُه.

فإذا بي أُقذف إلى الأعلى… إلى ما يشبه سطح المبنى، لكنه لم يعد سطحًا، بل غرفةٌ مظلمة، صامتة، يتوسطها خاتمٌ وحيد.

أمسكتُه… ولبستُه.

وفي طرفة عين، عدتُ إلى ذلك الفضاء الهائل، إلى مكانٍ يشبه عرشًا معلقًا في السماء.

تحدثتْ الفتاة، وقد عادت إليها نبرةٌ أعرفها، لكني لم أعد أثق بها:

هذا المكان ملكٌ لساحرٍ عظيم… كان يرى منه كلَّ أنواع البشر. ولمسةٌ مني أعادت كلَّ شيءٍ كما كان… أخفيتُ العبيد عن نظرك.

ثم ظهر خاتمٌ آخر.

لبستُه.

وسرتُ.

رأيتُ دُمى… ساكنة، لكنها تحدّق بي. لم تكن دُمى حقًا. كنتُ على يقينٍ أن عيون الساحر تنظر من خلالها، تراقبني، تزنني، تبحث في داخلي عن شيءٍ لا أعرفه.

ربما كنتُ مجرد وريثٍ لسحره… تجربةً أخرى، اختبارًا آخر.

لكن ذلك لم يكن يهمّني.

لم يهمّني الخير… ولا الشر.

كان يهمّني شيءٌ واحد فقط—

ألا يصيب الأذى تلك الفتاة…

وأمّي…

داخل هذا القصر.

2026/05/13 · 4 مشاهدة · 433 كلمة
مِهْيار
نادي الروايات - 2026