7 - الفصل السابع: رأيت ما تخفين!

مضى عام مليء باللحظات الصغيرة التي لا تنسى.

‏فاليريا احبت عملها كزعيمة فالجميع في القرية يساعدونها و هي لا تريد خذلانهم.

‏و في أحد الأيام، أقتحم نيسان غرفة فاليريا دون إستأذان كالعادة.. فوجدها ترسم على لوحة خشبية كبيرة كان ضهرها مقابل للنافذة...لم تنتبه لوجوده كانت منسجمة في الرسم.

‏كانت ترسم منظراً للقرية من فوق الجبل، الثلج يتساقط، والبيوت تتداخل كأنها تحتضن بعضها. التفاصيل دقيقة، الألوان هادئة، والحزن في السماء كان جميلاً.

‏جلس نيسان على إطار النافذة محدقاً بصمت.

‏ثم صفق بيديه.

‏"أوووه... يبدو أن زعيمتنا متعددة الاستخدامات!."

‏فاليريا تجمدت. التفتت إليه ببطء. وجهها أحمر كالجمر تحت الثلج.

‏"كيف؟"

‏"من النافذة كما ترين ." كان يعرف ما ستقول قبل ان تنطق به.

‏"كم شاهدت؟"

‏"الرسمة كاملة. من أول خط إلى آخر ظل. أنتِ موهوبة جداً ايتها الزعيمة!. لماذا تخفين هذا؟"

‏"لأن الزعيمة لا ترسم!" صرخت.

‏أمسكته من ذراعه. لم تتوقع أن يكون خفيفاً إلى هذا الحد. جرته نحو النافذة.

‏"انتظري! ماذا ستفعلين؟!"

‏"سأرميك."

‏"أنا أعترف! أنا مخطئ! أنا – "

‏لم تدعه يكمل . رفعته من قميصه وألقته خارج النافذة.

‏لكن نيسان، للمفاجأة الكبرى، لم يسقط على وجهه كالعادة. استدار في الهواء، تشبث بحافة النافذة، ثم نزل إلى الأرض برشاقة مزعجة.

‏وقف يبتسم ويفرد عباءته كطاووس مهزوم.

‏"تدريب!" قال. "جدتي كانت تقول: 'إذا كنت ستهرب من العقاب، فاهرب بأناقة.'"

‏فاليريا أغلقت النافذة في وجهه. لكنها ابتسمت خلف الزجاج

‏بعد أسابيع، تسلل نيسان إلى غرفة فاليريا مرة أخرى. كان يبحث عنها ليخبرها بشيء – لا يتذكر ما هو – لكنها لم تكن هناك.

‏وقف في منتصف الغرفة. نظر حوله.

‏ثم حظ ستارلم يره من قبل.

‏كان معلقاً على الجدار المقابل، كبيراً، سميكاً، يخفي شيئاً خلفه.

‏شعر نيسان بالفضول.. ستار بهذا الجمال لا يخفي "جداراً عادياً".

‏اقترب. رفع يده. تردد للحظة.

‏ثم جذب الستار بقوة.

‏انكشف الجدار.

‏وذهل.

‏كانت هناك لوحة. ضخمة اضخم من تلك التي رآها ترسمها على اللوحة الخشبية . كانت تغطي نصف الجدار. رسمت فيها القرية من الأعلى، كأنه يرى من عين نسر. الثلج يتساقط، والبيوت تتداخل، والناس في الساحة كالنمل الصغير. وفي زاوية اللوحة، رسمت طفلاً صغيرا تطارده دجاجة.

‏كانت اللوحة تحفة. لا، بل أكثر من تحفة. كانت لوحة تحكي قصة.

‏وقف نيسان مفتوح الفم. لم ينطق بكلمة.

‏سمع صوتاً خلفه.

‏"ماذا تفعل هنا؟"

‏تجمد.

‏التفت ببطء. فاليريا واقفة عند الباب. وجهها ليس أحمر. وجهها أبيض. من الصدمة. من الخوف. من الحرج الذي لا يوصف.

‏"أنا... كنت أبحث عنكِ... الباب كان مفتوحاً... والستار... كان يلوح لي..."

‏"نيسان."

‏"نعم؟"

‏"سأقتلك."

‏"فاليريا، انتظري! هذه اللوحة جميلة! لماذا تخفينها؟"

‏"لأن الزعيمة لا ترسم! لقد اخبرتك سابقاً !!! "

‏"من قال هذا؟"

‏"التقاليد!"

‏"التقاليد غبية!"

‏صمت.

‏لم تتوقع أن يقول هذا. هي لم تتوقع أن يتم أكتشاف سرها.

‏تراجعت خطوة إلى الوراء. نظرت إلى اللوحة. نظرت إليه.

‏"أنت... لم تر شيئاً. تظاهر بذلك..!! "

‏"رأيت كل شيء."

‏"سأرميك من النافذة مجدداً."

‏"ارميني. سأهبط بأناقة كالعادة."

‏"هذه المرة سأربط حجراً برجلك."

‏"أنتِ قاسية."

‏"وأنت فضولي بشكل مزعج."

‏اقتربت من اللوحة. وقفت بجانبه. كلاهما ينظران إليها بصمت.

‏"أرسميني" قال نيسان بينما هو يقف بجانبها

‏"أصمت!!! "صفعته بهدوء على ذراعه

‏" لماذا؟" سأل بسذاجة

‏"دعني أتأمل قليلاً"

‏"ماذا تتأملين؟ "

‏"ليس من شأنك"

‏"دعيني أتأمل معكِ "

‏"أنت مزعج.... " قالت بصوت حزين.... كأنها المرة الاخيرة التي تقول بها هذا... لا عجب في ذلك فيوم التبادل قد اقترب..

‏أطرقت رأسها و تنهدت بعمق. كأنها تمنع دموعها من الظهور.....

‏"هذه اللوحة... رسمتها بعد وفاة والدي. كنت أحتاج إلى أن أنشغل عن حزني. لأضعه على جدار غرفتي. ثم أخفيه."

‏"لماذا تخفين الحزن؟"

‏"لأن الزعيمة القوية لا تحزن."

‏نظر إليها. قال بصوت هادئ فجأة:

‏"حتى الحجر يحزن . من قال إن الزعيمة يجب أن تكون أقوى من الحجر؟"

‏لم تجب.

‏لكنها لم تطرده. لم ترمِه من النافذة. فقط بقيت واقفة هناك. تنظر إلى رسمها.

‏قال أخيراً:

‏"فاليريا."

‏"لوحتك جميلة "

‏"شكراً."

‏"لكن."... قال نيسان بتذمر. قضيت نصف عمري أطارد تلك الدجاجة و في النهاية رسمتها تطاردني. هذا محرج...

‏"سأرميك الآن."

‏"آسف! آسف! الدجاجة جميلة! تحفة فنية! تستحق العرض في متحف الإمبراطورية!"

‏"الإمبراطورية لا تهمني."

‏"ولا تهمني. طالما عندي أخت رائعة مثلك "

‏ابتسمت. ابتسامة صغيرة، متعبة، لكنها حقيقية.

‏تركت الستار مفتوحاً. لم تعد تخفيه.

‏منذ ذلك اليوم، صار الستار مفتوحاً دائماً. واللوحة تُرى لكل من يدخل الغرفة. لم يسألها أحد عن معناها. لكن نيسان كان يمر أحياناً، يقف بجانبها، ويقول:

‏"الدجاجة لا تزال تطاردني متى تنوين إصلاحها؟."

‏وكانت ترميه بالوسادة.

‏قبل أسبوعين من يوم التبادل، أهدته العجائز وشاحاً صوفياً.

‏كان طويلاً جداً، سميكاً جداً، وثقيلاً جداً. قالت الجدة كاثرين وهي تلفه حول رقبته:

‏"هذا الوشاح سيحميك من البرد عندما تذهب الى العالم الخارجي .و سيحميك الغباء. ربما."

‏قال نيسان: "أنا أشبه الأمير الآن."

‏قالت الجدة كاثرين: "أنت تشبه خروفاً ضل طريقه إلى قرية بشرية."

‏"خروفٌ أمير !"رد عليها بمرح...

‏ركض إلى القصر ليريه لفاليريا. لم يدخل من الباب. كاعادة قفز من النافذة.

‏لكن الوشاح كان طويلاً جداً. تدلى خلفه.

‏تعلق بإطار النافذة من الاعلى . توقف نيسان في منتصف القفزة، حاول فك وشاحة لكنه كاد يسقط على وجهه

‏ظل هناك خمس دقائق كاملة يحاول فك هذا الوشاح الذي لا يرضى ان ينفك .

‏فاليريا جائت إلى النافذة بعد أن سمعت نداء استغاثة غريباً يشبه صراخ قطة تحت المطر.

‏نظرت إليه. نظرت إلى الوشاح. نظرت إليه مجدداً.

‏"هل تحتاج مساعدة؟"

‏"لا. هذا عرض أزياء. قيّميني."

‏"تبدو كمن علقته جدته على حبل الغسيل."

‏"أنتِ قاسية."

‏"وأنت غبي."

‏ساعدته على النزول. خلعت الوشاح من عنقه وأعادت لفه بشكل أصغر. قالت:

‏"جميل. لكن تأكد من انك تلفه بشكل صحيح قبل ان تقفز لتجنب أي خطر."

‏"سأقفز."

‏"ستموت."

‏"سأموت بأناقة."

‏نظرت إليه طويلاً. ثم قالت، بصوت هادئ:

‏"لا تمت. نحتاجك هنا."

‏لم يكن يعرف إن كانت تمزح أم جادة. لم يسأل. فقط ابتسم.

2026/05/31 · 1 مشاهدة · 1013 كلمة
نادي الروايات - 2026