كانت امرأة في منتصف العمر تمسك بعربة التنظيف، وتنظر إلى جيان ببرود.
كان وجهها خاليًا من أي تعبير، وكأنها لا تعرف المشاعر.
ومع ذلك، بدت نظرات المرأة وكأنها تستعجلها لشيء ما، أو ربما كانت تحمل قدرًا من الاستياء.
ألقت جيان التحية عليها بشكل عفوي.
“آه، مرحبًا…”
ومن دون أن تشعر، أخذت عيناها تتفحصان الزي الذي ترتديه المرأة. فقد شعرت بأنها بحاجة إلى التأكد من أنها بالفعل إحدى موظفات الفندق.
فستان أسود، ومئزر أبيض.
وبما أن قسم التدبير الفندقي يتبع قسم الغرف، فلم يكن هناك ما يدعو للشك في الزي الذي ترتديه المرأة.
وعندما رفعت جيان زوايا فمها بابتسامة محرجة وهي تلقي التحية، تشوه وجه المرأة قليلًا.
وبينما كانت جيان محتارة وتتساءل إن كانت قد ارتكبت خطأ ما، أدركت متأخرة أنها كانت تسد مدخل المصعد.
كان يبدو وكأن المرأة تقول لها لا حاجة للتحية، فقط ابتعدي بسرعة.
“آه، آسفة.”
أسرعت جيان بتحريك العربة إلى الجانب وابتعدت عن الطريق، فاستدارت المرأة في منتصف العمر وكأنها لم تكن تنظر إلى جيان أصلًا، ثم تجاوزتها بسرعة ودخلت المصعد.
وبمجرد دخولها المصعد، وقفت تحدق في جيان دون حتى أن تفكر في الضغط على أحد الأزرار.
لم تعرف جيان إن كان عليها الاعتذار مرة أخرى، أم تتظاهر بعدم الاكتراث وتتابع طريقها. وبينما كانت ترمش بعينيها فقط، أضاء فجأة مؤشر الاتجاه معلنًا أن المصعد سيتجه إلى الأسفل.
كانت المرأة لم تضغط على زر أي طابق بالتأكيد، لذا يبدو أن أحدًا في الطابق السفلي قد استدعى المصعد.
ولم تتوقف موظفة التدبير الفندقي عن التحديق في جيان حتى أُغلق باب المصعد. لم تستطع جيان تحديد الأمر بدقة، لكن وجه المرأة كان يوحي بأنها توجه إليها تحذيرًا ما.
ظلت جيان تنظر بابتسامة محرجة إلى وجه المرأة الذي اختفى تدريجيًا بين شقوق الباب المتضائلة، ولم تستعد وعيها إلا بعد أن أُغلق الباب تمامًا.
هزت جيان رأسها يميناً و يساراً، ثم ربتت على خديها عدة مرات. وبعد أن دلكت قليلًا زوايا فمها التي كادت تتشنج من إبقائها مرفوعة قسرًا، عادت تدفع العربة.
“آه، صحيح. لم أسأل إلى أي غرفة يجب أن أذهب. هل علي أن أطرق على الأبواب واحدًا تلو الآخر؟”
أدركت خطأها متأخرة، لكنه في الحقيقة لم يكن خطأ أصلًا.
فقد قيل لها إن المدير يستخدم الطابق الثالث بأكمله، ما يعني أن هناك غرفة واحدة فقط قيد الاستخدام.
ولحسن الحظ، لم تكن هناك سوى غرفة واحدة في الطابق الثالث.
وفي منتصف الممر الطويل تقريبًا، كان هناك باب مزدوج ضخم يحتل المساحة بمفرده، وكأنه علجوم وحشي عملاق.
وقفت جيان أمام مكتب المدير، وهي تقضم شفتيها، وأجرت فحصًا أخيرًا لملابسها.
صحيح أنها كانت حتى قبل قليل تكافح بكل ما أوتيت من قوة كي تستقيل، وحتى الآن كانت ترغب بشدة في الهرب من هذا المكان بأسرع ما يمكن.
لكن في نهاية المطاف، كانت على وشك مقابلة رئيسها في العمل لأول مرة، بل ومالك الفندق نفسه. وما دامت لا تستطيع الهرب فورًا، فلن يكون من مصلحتها أن تترك انطباعًا سيئًا لدى رئيسها دون داع.
“لا يوجد… جرس.”
بعد أن تأكدت من أن ملابسها لا تشوبها شائبة، مدت يدها للضغط على الجرس، لكنها لم تجد أي زر في أي مكان حول الباب.
ولما ظنت أن الجرس ربما يكون مثبتًا على الباب نفسه، أخذت جيان تتفحص باب مكتب المدير ببطء.
فعلى عكس أبواب الغرف في الطابق الأول، المصنوعة من معدن رمادي أنيق، كان باب مكتب المدير خشبيًا داكن اللون.
وأثناء سيرها في الممر، كانت قد ظنت أن سطح الباب خشن ومتموج كأنه جلد علجوم، لكن عند النظر إليه عن قرب، بدا أقرب إلى أغصان وأحبال خشبية متشابكة بعشوائية.
حتى مقبض الباب بدا وكأن غصنًا سميكًا قد قُطع ولُصق عليه.
“ذوقه حقًا…”
مميز جدًا. تُرى هل هو في عمر متقدم نوعًا ما؟
ابتلعت بقية الجملة بصعوبة، وأخذت تحرك عينيها بحثًا عن وسيلة لإبلاغ من بالداخل بأن الطعام قد وصل.
رفعت نظرها أكثر فأكثر، لكن الباب ظل ممتدًا أمامها. ولأنه باب مزدوج، فقد كان ضخمًا ومرتفعًا بشكل هائل.
والآن بعد أن فكرت في الأمر، بدا أن ارتفاع السقف في الطابق الثالث مرتفع بشكل خاص أيضًا.
كان ارتفاعه نحو 1.5 مرة ارتفاع ممر الطابق الأول… لا، ربما كان ضعف ارتفاعه.
وفجأة، راودها الفضول إذا كان الباب وحده بهذه الفخامة والضخامة، فكيف يا ترى سيكون شكل الغرفة من الداخل؟
لا، لا. قيل لي ألا أدخل الغرفة إطلاقًا. الفضول يقتل القطة.
هزت جيان رأسها بقوة، وكأنها تريد طرد تلك الأفكار السخيفة، وقررت في النهاية أن تتوقف عن البحث عن الجرس.
فبعد أن تفحصت المكان بهذه الدقة ولم تجده، كان من الواضح أن مكتب المدير لا يحتوي على جرس من الأساس.
وبدلًا من ذلك، قررت جيان أن تطرق الباب بحذر.
طق، طق، طق.
لم يكن صوت طرق عاديًا مثل “دق دق دق”، بل كان أشبه بصوت طرق خفيف على جذع شجرة، فأصدر الباب صوتًا مكتومًا.
وفجأة، شعرت جيان وكأن الأغصان الخشبية المتشابكة والبارزة قد تحركت قليلًا.
شهقت بفزع وسحبت يدها.
مستحيل… أليس كذلك؟ لم يتحرك، صحيح؟ لا يمكن أن يكون قد تحرك. هذه ليست أغصانًا حقيقية أصلًا، بل مجرد نقوش بارزة. لسنا في بوابة تؤدي إلى عالم فانتازيا مظلم، فمن المستحيل أن تتحرك، أليس كذلك؟
ربما كان عليها أن تطرق الباب مرة أخرى، لكنها لم تستطع أن تجبر نفسها على وضع يدها فوق تلك الأغصان الخشبية الغريبة.
وبينما كانت على وشك أن تستجمع صوتها وتنادي المدير، حدث ذلك.
صررررر…
صدر صوت مفزع لاحتكاك الحديد ببعضه، وبدأ الباب ينفتح ببطء من الجانبين.
والغريب أن الشخص الذي فتح الباب لم يكن واقفًا أمامه.
بل في الواقع، لم يكن من الممكن رؤية ما يوجد خلف الباب بوضوح. فقد كان الداخل غارقًا في ظلام دامس، دون أدنى أثر للضوء.
عندها دوى في ذلك الظلام السحيق صوت جاف وخشن، يشبه صوت الخشب اليابس وهو يتلوى.
“أدخليها إلى الداخل.”
“ماذا؟”
سألت جيان بشكل عفوي، بعدما فوجئت بالكلام غير المتوقع.
فجاءها الأمر ذاته من الداخل مرة أخرى.
“أدخليها إلى الداخل.”
ادخلها إلى الداخل؟
في الحالات العادية، كان هذا أمرًا طبيعيًا بالطبع عند توصيل خدمة الغرف.
فمن المعتاد أن تدفع عربة الطعام إلى داخل الغرفة، ثم تضع الأطباق على الطاولة، وتسأل إن كان الضيف يحتاج إلى شيء آخر، وتتمنى له وجبة شهية، ثم تغادر.
لكن جيان، التي قضت اليوم بأكمله وهي تواجه أمورًا غريبة، حتى أصبحت تصدق تحذير الطاهي وقواعد العمل إلى حد ما، بل ما يقارب تسعين بالمئة، كانت تريد رفض هذا الأمر بشدة.
“آه، ذلك…”
لم تعرف كيف ترفض.
فالشخص الذي يأمرها بالدخول هو، قبل كل شيء، مدير هذا الفندق، أليس كذلك؟
شعرت بالسذاجة لأنها ظنت ببساطة أنها ستصل إلى الغرفة، تدفع العربة إلى الداخل، ثم تغادر.
قضمت جيان شفتيها من جديد، حتى كادت جروحها التي ظلت تعبث بها طوال الوقت أن تنزف، ثم نظرت إلى داخل الغرفة.
يبدو أن عينيها اعتادتا الظلام في هذه الأثناء. ففي الضوء الخافت الذي استطاعت عينها التكيف معه، ظهر لها شكل شاحب يقف داخل الغرفة.
يبدو كأنه جالس مواجهًا للباب.
لكن… هل هو الشخص الذي يتحدث الآن؟
لم تستطع منع نفسها من الشك.
فصوت الرجل الذي طلب منها الدخول بدا وكأنه يأتي من جهة السقف، وليس من جهة ذلك الشكل الشاحب.
ما لم يكن المدير يستخدم ميكروفونًا صغيرًا، ويخرج صوته عبر مكبر صوت مثبت في السقف، فلا يمكن أن يكون اتجاه الصوت مختلفًا عن مصدره إلى هذا الحد.
وفوق ذلك، كان الصوت نفسه غريبًا جدًا.
صحيح أن الصوت الجاف والخشن يمكن تقبله، لكن هل يمكن لشخص أن يتحدث بالنبرة ذاتها تمامًا، دون تغيير حرف واحد، وكأنه يشغل تسجيلًا صوتيًا؟
لا يعقل أن يكون الأمر قد وصل بها الآن إلى أن يختل لديها ليس فقط الإحساس بالاتجاه، بل حاسة السمع أيضًا.
وبينما كانت جيان تفكر فيما ينبغي عليها فعله، وهي تعض هذه المرة على باطن شفتيها، انساب الصوت المشؤوم نفسه مرة أخرى عبر الظلام.
“أدخليها إلى الداخل.”
إذًا، لم تكن أذناها هي المشكلة.
كان الصوت يأتي بالتأكيد من جهة السقف.
وفوق ذلك، بدا الصوت هذه المرة أقرب بكثير من ذي قبل.
إذا كان ارتفاع السقف هنا كبيرًا إلى هذا الحد، فهل توجد غرفة بطابقين في الداخل؟
رفعت جيان نظرها ببطء نحو مصدر الصوت.
لكن ما اكتشفته لم يكن المدير.
بل كان شيئًا ملتصقًا بالسقف مثل عنكبوت عملاق، وعيناه تلمعان بلون أحمر قاتم.
ومن المكان نفسه تمامًا، جاء الصوت الرابع.
“أدخليها إلى الداخل.”
حدقت جيان بوجه مذهول في تلك العينين الحمراوين، اللتين كان واضحًا انهما ليستا عيني إنسان، ثم أسرعت بخفض نظرها.
“هق!”
ربما من شدة الصدمة، بدأت تصاب بالحازوقة دون أي اعتبار للموقف.
لا ينبغي أن تدخل.
ممنوع أن تدخل إلى الداخل، مهما حدث.
كان الصوت الرابع قد أصبح أقرب قليلًا إلى مكان وقوفها.
كان ذلك الشيء يتحرك نحوها في كل مرة يتحدث فيها.
وعندما يصل الصوت الخامس، شعرت جيان أنه سيصبح أمام وجهها مباشرة وينقض عليها.
اختنق نفسها، وبدأ قلبها يخفق بجنون.
وفي خضم ذعرها، ألقت جيان أول عذر خطر في بالها.
“آسفة، لكن… لديّ نيكتوفوبيا، أعني… رُهاب الظلام، ولذلك لا أستطيع الدخول إلى هناك. سأدفع العربة إلى الداخل وأغادر أنا الآن. إذًا… نلتقي لاحقًا في مكان مضاء، يا سيدي المدير.”
دفعت عربة الطعام إلى الداخل بقوة وكأنها تقذفها، فانطلقت العربة وسط الظلام وهي تُصدر ضجيجًا مدويًا.
انحنت جيان سريعًا باتجاه الداخل، ثم استدارت وغادرت.
المصعد.
كل ما عليها فعله هو الوصول إلى المصعد بأمان.
قالوا لها ألا تركض.
ولا ينبغي أن يكتشف أنها تهرب.
كانت ترغب في الركض بكل قوتها، لكنها أجبرت نفسها على كبح خطواتها التي أخذت تتسارع، وحاولت الحفاظ على وتيرة أسرع دون أن تركض.
ســـــــس…
سمعت من خلفها صوتًا يوحي بأن شيئًا ما كان يطاردها، لكنها لم تلتفت.
أسرع قليلًا… قليلًا فقط.
وفي اللحظة التي أوشك فيها الشيء الذي لحق بها على الإمساك بشعرها المربوط بإحكام، مدت جيان يدها نحو زر المصعد.
…………………………………………………………
•تتم الترجمة من الكورية
•قراءة ممتعة~
علقوا!