انفتح باب المصعد قبل أن تصل يد جيان حتى إلى الزر.

طِنّ.

مع صوت التنبيه، أضاء مؤشر وصول المصعد. وبالنسبة إلى جيان، بدا ذلك وكأنه نور الخلاص.

ما إن انفتح الباب حتى انسكب ضوء ساطع من داخل المصعد. وكان هناك شخص يستقله بالفعل.

كان الطاهي، ووجهه يبدو أشد شحوبًا بكثير مما كان عليه قبل قليل.

“ماذا تفعلين؟ أسرعي وادخلي.”

هل رأى الظلام الذي كاد ينتزع شعر جيان من رأسها؟

كان صوته يحمل شيئًا من الاستعجال وهو يحثها على الدخول.

“ر رئيس الطهاة! هناك شيء خلفي…”

“انتهى عملك، فلننزل بهدوء. سأخبرك بما تحتاجين إلى معرفته ونحن في الطريق.”

وبدا الطاهي هادئًا، إلا أنه ما إن دخلت جيان المصعد حتى أخذ يضغط على زر إغلاق الباب بشكل متكرر.

هل كان هو أيضًا متوترًا للغاية؟

لم تستطع جيان حتى أن تلتفت نحو الممر، فاكتفت بالإمساك بقوة بقضيب الأمان المثبت على جدار المصعد، ووقفت ملتصقة بالزاوية.

صرير… طَق…!

أُغلق باب المصعد ببطء، مُصدرًا صوتًا مخيفًا يشبه صرخة شبح. عندها فقط استدارت جيان بحذر.

شششش…

ومن خلال الفتحة الضيقة بين البابين وهما ينغلقان، رأت الشيء الأسود الذي حاول انتزاعها ينسحب إلى الطرف الآخر من الممر، مثل مياه البحر وهي تنحسر.

ظلت جيان تحدق بعينين واسعتين حتى اختفى تمامًا داخل مكتب المدير.

دمدمة… وونغ…

ما إن أُغلق الباب تمامًا وبدأ المصعد بالتحرك، حتى خرج النفس الذي كانت تحبسه دفعة واحدة.

كان من الصعب عليها أن تستعيد أنفاسها تمامًا كشخص كاد يغرق ثم أُخرج لتوه من الماء.

“هاه، هاه… هآآه! كح، كح!”

وفي نهاية أنفاسها المتقطعة، خرجت منها نوبة سعال حادة. ولم تنتبه حتى إلى الدموع التي انهمرت من عينيها وتجمعت كقطرة عند ذقنها.

وبينما كانت جيان تمسح وجهها بيدها كما لو كانت تغسل وجهها ثم مسحت دموعها تحدث الطاهي الذي ظل واقفًا دون أن يتحرك.

كان صوته منخفضًا وجافًا إلى درجة أنه بالكاد يسمع إن لم تصغِ إليه جيدًا.

“إذا هدأتِ رتبي تعابير وجهك نحن في الطابق الأول سيفتح الباب قريبًا، يا آنسة سيو جيان.”

“آه… حسنًا.”

كان من المفترض أن يسألها مرة واحدة على الأقل إن كانت بخير، ولو من باب المجاملة.

لكنها لم تشعر حتى بالاستياء من تصرفه وكأن شيئًا لم يحدث.

فصوته الهامس بدا لها بطريقة ما مشبعًا بالقلق والتوتر.

وعندما صدر صوت الوصول “طِنّ” معلنًا وصولهما إلى الطابق الأول شعرت جيان بأن الطاهي حبس أنفاسه للحظة.

ما إن انفتح الباب حتى استقبلتهما امرأة ترتدي زيًا أسود.

وما إن رأت جيان الابتسامة ترتسم فجأة على وجه المرأة الذي كان خاليًا من التعبير إلى حد البرودة، حتى اقشعر جسدها.

“مرحبًا أيها الطاهي يبدو أنك ستغادر للعمل الآن؟”

كان وجهها جميلًا بشكل لا يوصف.

لكن بشرتها الناعمة بشكل غير طبيعي، وارتفاع زوايا فمها المبالغ فيه، جعلت جيان تشعر بأن في ملامحها شيئًا مريبًا ومخيفًا.

لم تشعر بالارتياح وهي تلتقي بنظراتها، فخفضت عينيها نحو بطاقة الاسم المعلقة عند صدر المرأة.

مديرة الاستقبال، لي سيونغ-آه.

كان اسمًا عاديًا إلى أبعد الحدود، ومع ذلك لم تشعر جيان بأي رغبة في الاقتراب من صاحبته.

أجاب الطاهي على تحيتها بصوت جاف

“نعم أنا في طريقي للمغادرة يا مديرة الاستقبال أتمنى لك ليلة هادئة.”

كان صوته عاديًا تمامًا لدرجة يصعب معها تصديق أنه الشخص نفسه الذي كان يحث جيان قبل قليل بصوت متوتر على الإسراع.

ومع ذلك، شعرت جيان وكأنها تستطيع الإحساس بالقلق والخوف المختبئين خلف ذلك الهدوء المصطنع.

“يبدو أنكما نزلتما من الطابق الثالث هل كنتما عند المدير؟”

“اليوم ذهبت الآنسة سيو جيان بدلًا مني وبما أنه يومها الأول في العمل سأرشدها إلى سكن المبنى الملحق في طريق عودتنا.”

قال الطاهي ذلك وهو يشير برأسه إشارة مقتضبة نحو جواره.

عندها اتجهت نظرات المرأة إلى جيان الواقفة بجانب الطاهي.

رفعت جيان عينيها بسرعة فرأت المرأة تدير رأسها نحوها ببطء شديد وكأن صوت طقطقة يصدر من رقبتها.

التقت عيناهما.

كانت عينا المرأة تحدقان في جيان دون رمش، وكانت حدقتاها كبيرتين بشكل لافت.

نظرت جيان إلى عينيها للحظة ثم أمالت رأسها قليلًا.

لو كانت موظفة جديدة عادية لكان عليها أن تقول بحماس

“مرحبًا أنا سيو جيان، الموظفة الجديدة أتطلع إلى العمل معكم.”

لكن بالنسبة إلى جيان التي لم يكن يشغل بالها سوى كيفية الاستقالة بأمان لم يكن لذلك أي قيمة أو ضرورة على الإطلاق.

كل ما كانت تتمناه هو أن تتفهم المرأة تحيتها الخجولة وتعتبرها مجرد شخص شديد الخجل.

ظلت المرأة تحدق فيها دون تعبير ثم سحبت زوايا فمها إلى أعلى أكثر مبتسمة.

“هذا جيد يبدو أنكِ لن تضيعي طريقك مرة أخرى اليوم.”

بدت كلماتها ذات مغزى خفي بطريقة ما.

هل انتشر بالفعل بين الموظفين أنها حاولت الهرب من الفندق في أول يوم لها؟

لم تجد جيان ما تقوله فاكتفت بصعوبة برسم ابتسامة محرجة على وجهها.

“إذًا أراكِ غدًا.”

ألقى الطاهي تحية أخرى على مديرة الاستقبال وكأنه يقول إنه سيغادر الآن.

وحين أومأت المرأة برأسها ردًا على تحيته استدار الطاهي على الفور وقطع بهو الفندق بخطوات واسعة.

انحنت جيان هي الأخرى مرة أخرى ثم أسرعت خلفه بخطوات صغيرة.

ما إن خرج الطاهي من الباب الرئيسي للفندق حتى انعطف مباشرة إلى اليسار وأسرع في مشيه دون أن يقول شيئًا.

هل كان ذلك لأنها ترتدي الزي الرسمي؟

أم لأنها كانت تسير برفقة الطاهي؟

فعلى عكس ما حدث عندما خرجت بمفردها حين ظلت تدور حول الفندق وكأنها عالقة داخل حاجز سحري لم تتكرر المناظر نفسها، ولم تجد نفسها تعود إلى أمام الفندق من جديد.

وبعد أن ابتعدا عن مبنى الفندق الرئيسي لبضع دقائق حدث ذلك.

توقف الطاهي الذي كان يمشي على عجل وكأنه شخص يهرب من شيء ما.

وضيق عينيه وهو ينظر إلى المبنى الرئيسي كما لو كان يقيس المسافة بينهما وبينه.

ثم أطلق تنهيدة قصيرة وخفض صوته قائلًا

“عليكِ أن تكوني حذرة من كل شيء داخل مبنى الفندق هناك الكثير من العيون التي تراقب والكثير من الآذان التي تسمع اعتبري أن أي تصرف أحمق منك سيصل خبره فورًا إلى جميع الموظفين.”

هل كان الموظفون جميعًا يترقبون أخطاء الآخرين بهذه الحساسية؟

“سيصل الخبر فورًا إلى جميع الموظفين”؟

هل سيضعونه في لوحة إعلانات الموظفين أم ماذا؟

الموظفة الجديدة سيو جيان ارتكبت اليوم الأخطاء التالية…

صحيح أن الفندق هادئ ولا يوجد فيه الكثير من النزلاء لكن هل يمكن أن يكون الموظفون متفرغين إلى هذه الدرجة؟

لكنها سرعان ما اضطرت إلى الموافقة على مضض.

فقد تذكرت كلام مديرة الاستقبال التي قابلتها قبل قليل.

“هذا جيد يبدو أنك لن تضيعي طريقك مرة أخرى اليوم.”

ربما حتى لو لم يضعوا الأمر في لوحة إعلانات الموظفين كانت هناك طريقة ما يتشاركون بها المعلومات فيما بينهم.

“إذًا، هل أكون بخير خارج المبنى؟”

سألت جيان من جديد.

فأشار الطاهي بيده يحثها على مواصلة السير ثم أجابها هامسًا

“نعم، إذا ابتعدتِ مسافة مناسبة عن المبنى ،هذه المنطقة أكثر أمانًا على الأقل لكن لا يجوز أن تلفتي الأنظار إليكِ بشكل واضح ولا ينبغي أن تبتعدي كثيرًا عن الفندق أيضًا وكما عرفتِ بنفسك فإنهم يعرفون مكانك وكأن لديهم حاسة سادسة وسيأتون لأخذكِ.”

“آه…”

“صحيح أن الخارج أقل خطورة قليلًا لكن لا يمكنك تجنب الأنظار تمامًا من المهم أن تتصرفي بشكل طبيعي حتى لو عرفتِ شيئًا تظاهري بأنك لا تعرفين فهمتِ ما أقصده؟”

لم تفهم جيان ما يقصده إطلاقًا.

هي لا تعرف شيئًا أصلًا وهو يقول لها حتى لو عرفتِ تظاهري بأنك لا تعرفين.

ما الذي يريد منها أن تتصرف حياله بشكل طبيعي؟

“ماذا؟ لكن…”

كانت جيان على وشك أن تسأله المزيد عن نصيحته عندما توقف الرجل عن المشي وأشار بوجه متوتر إلى مبنى ظهر أمامهما.

“حسنًا أعتقد أنه من الأفضل أن نقلل الحديث من هنا لقد أوشكنا على الوصول.”

التفتت جيان فرأت مبنى من ثلاثة طوابق أصغر قليلًا من المبنى الرئيسي.

لم تعرف إن كان ذلك بسبب عدم مغادرة أحد الموظفين للعمل بعد أم لأن الجميع ذهبوا إلى النوم بالفعل لكن مبنى السكن الملحق المكون من ثلاثة طوابق كان غارقًا في ظلام حالك.

هل يعقل أن تكون هناك قاعدة تمنع إشعال الأنوار؟

واصل الطاهي السير نحو المبنى الملحق، وأكمل شرحه بصوته الجاف

“قسم الأغذية والمشروبات يستخدم الطابق الأول لذلك قد تصادفين أحدهم من حين لآخر لكن لا أظن أنك ستحتاجين إلى الذهاب إلى غرفهم.”

وأنا أيضًا لا أريد ذلك.

أجابته جيان في سرها وهي تبتسم بمرارة.

فحتى لو تحدثنا عن قسم الأغذية والمشروبات فليس فيه سوى الطاهي الذي أمامها ومساعد الطاهي الذي لم تره طوال اليوم وهي نفسها.

ثلاثة أشخاص فقط.

هل يستخدمون الطابق الأول بأكمله معًا؟

مستحيل… أليس كذلك؟

إذًا هل يستخدم موظفو الأقسام الأخرى الطابق الأول أيضًا؟

وبمجرد أن فكرت في الموظفين الآخرين مر في ذهنها الموظفون الثلاثة الذين قابلتهم.

المدير العام الذي كان يبتسم وكأن فمه سينشق من شدة اتساع ابتسامته وموظفة التدبير الفندقي ذات الوجه الخالي من التعبير وأخيرًا مديرة الاستقبال التي قابلتها قبل قليل والتي بدت لها مريبة بطريقة ما.

شعرت بقشعريرة لمجرد التفكير في أنها ستشارك الطابق نفسه مع أشخاص كهؤلاء.

لا لا.

سيو جيان، لا ينبغي أن تحكمي على أشخاص لم تريهم سوى مرات قليلة بهذه الطريقة المتسرعة.

صحيح أن الطاهي كان يجعلها تشعر بعدم الارتياح أيضًا لكنه لم يكن كذلك بقدر الموظفين الآخرين.

فهو في النهاية الشخص الوحيد الذي يقدم لها نصائح عملية فعلية.

بل إنها شعرت الآن بشيء من الاطمئنان لكونه يرافقها.

انعطفا يسارًا من بهو المبنى الملحق فظهر أمامهما ممر طويل تضيئه مصابيح خافتة.

كان تصميمه مشابهًا إلى حد كبير للمبنى الرئيسي لكنه بدا أكثر كآبة ووحشة بكثير ربما لأنه لم يكن هناك أحد يمر فيه.

توقف الطاهي أمام الغرفة الواقعة في نهاية الممر الأيسر.

“هذه غرفتك يا آنسة سيو جيان خذي هذا سيفيدك.”

أخذ الطاهي يحرك عينيه فقط ويتفقد المكان من حوله للحظات ثم أخرج شيئًا بسرعة من داخل ملابسه ومده إليها.

قطعتان صغيرتان من الإسفنج.

هل يمكن أن تكون سدادات أذن؟

“ما هذا؟”

“كما قلت لك قبل قليل من الأفضل أن تتظاهري بعدم ملاحظة أي شيء قدر الإمكان ولا تنسي حفظ قواعد العمل التي أعطيتك إياها.”

وبعد أن أنهى كلامه بدا وجه الطاهي مرتاحًا وكأنه أنهى أخيرًا كل ما كان عليه فعله ثم اختفى في الجهة الأخرى من الممر.

ظلت جيان تراقب الرجل قليلًا وهو يبتعد ببطء وسط الظلام الخافت ثم عضت شفتيها والتفتت نحو باب غرفتها.

ما إن مررت بطاقة الدخول التي استلمتها عند التوظيف أمام القفل حتى صدر صوت طق وانفتح القفل.

فتحت الباب فظهر أمامها مكان يشبه في تصميمه غرفة قياسية في الفندق.

م/ الغرفة القياسية (Standard Room) هي الفئة العادية والأساسية من غرف الفندق يعني الغرفة الاعتيادية وليست جناحًا أو غرفة فاخرة.

مثلًا في الفندق ممكن تكون الفئات:

غرفة قياسية → الغرفة العادية الأساسية.

غرفة ديلوكس → أكبر أو بمزايا أفضل.

جناح (Suite) → غرفة ،مساحة أكبر وقد تضم صالة منفصلة

“آه!”

كانت على وشك وضع بطاقة الدخول في مكانها لكنها لاحظت متأخرة صندوقًا عند قدميها.

يبدو أن الأمتعة التي أرسلتها مسبقًا قبل مجيئها إلى هنا قد وصلت.

لكن وجود الصندوق داخل الغرفة بدلًا من تركه خارج الباب يعني أن الآخرين يستطيعون الدخول والخروج من هنا بحرية أليس كذلك؟

حتى لو كان هذا سكنًا للموظفين أليس ذلك مبالغًا فيه قليلًا؟

لكن مهلاً…

ما الشيء الذي لم يكن مبالغًا فيه في هذا المكان أصلًا؟

هي لا تستطيع حتى الاستقالة، ناهيك عن الخروج من الفندق.

ومع عودة الخوف والقلق اللذين أخذا يتصاعدان في صدرها فتحت جيان الصندوق بهدوء.

شق…

بدا صوت نزع الشريط اللاصق عن صندوق الطرد مرتفعًا وحادًا بشكل مبالغ فيه.

ولم يكن داخل الصندوق سوى حقيبة سفر واحدة.

فقد تخلصت من كل ما يمكن التخلص منه أثناء إخلاء غرفتها وأبقت فقط على الضروريات حتى انتهى بها الأمر بأمتعة لا تكفي إلا لحقيبة سفر واحدة.

أهذه هي حياة ستة وعشرين عامًا كاملة، وقد اختزلت في حقيبة سفر واحدة؟

وبينما كانت جيان على وشك إخراج الحقيبة تذكرت أنها لم تشغل الأنوار بعد فسارعت إلى وضع بطاقة الدخول في مكانها.

ومدت يدها بشكل لا إرادي نحو مفتاح الإضاءة لكنها سحبتها فورًا بسبب شعور غريب بالريبة.

فقد شعرت أنها لن تطمئن إلى إشعال الضوء قبل أن تتأكد أولًا من أن ذلك مسموح.

القواعد… يجب أن أراجع قواعد العمل أولًا.

أدخلت جيان يدها عميقًا في جيبها، وأخرجت الورقة التي أصبحت أكثر تجعدًا من قبل ثم فتحتها.

…………………………………………………………

•تتم الترجمة من الكورية

•قراءة ممتعة~

علقوا!

2026/08/22 · 2 مشاهدة · 1878 كلمة
✨Rana
نادي الروايات - 2026