‏الغابة تضيء عبر القمر في السماء، وأنا أراكم من طائر يقف على أغصان الأشجار... لا لا لا... لالا لي... لاااا... أنظر إليكم من مكان بعيد، ترقبوني وأنا أفترسكم من مكان قريب...»

‏​«هيي سلفستر! هل ترى شيئاً مريباً في هذه الغابة؟»

‏​التفت سلفستر ببرود مجيباً ساخراً: «ماذا؟ هههه، لا أسمع صوتاً سوى كلماتك الجبانة!»

‏​رد شقيقه أرنو بحدة وجدية: «أنا جاد! لقد سمعتُ صوتاً أشبه بأغنية، كأن طائراً يغني ويقول...»

‏​«اصمت أيها الجبان!» قاطعه سلفستر، والتعابير الحادة على وجهه تصرخ "لا تزعجني"، قبل أن يكمل بنبرة صارمة: «اسمع يا أرنو، نحن لسنا هنا بمفردنا. نحن فرقة مكونة من ثلاثة جنود في مهمة رسمية، لذا إن ظهر وحش أو أي شيء سو...»

‏​قاطعهما ريموندا، الرفيق الثالث في الفرقة، وهو يقترب ضاحكاً واضعاً ذراعيه على كتفيهما: «هيا يا رفاق، لِمَ تتشاجران؟»

‏​أجابه سلفستر ملوحاً بيده: «لا شيء»، لكن أرنو سارع بالقول بخوف: «لقد سمعتُ صوتاً غريباً.. كأنه غناء متوعّد».

‏​ارتسمت ابتسامة غامضة على وجه ريموندا، وقال بصوت خافت متلاعب: «ربما سمعتَ صوت أحد خدام الملكة الملعونة!»

‏​انقبض وجه أرنو، واتسعت عيناه فجأة: «ماذا؟! ملكة ملعونة؟»

‏​ازدادت ابتسامة ريموندا اتساعاً وهو يقترب هامساً في أذن أرنو: «نعم.. يُطلقون عليها ملكة السحر. تصطاد فرائسها عبر جمالها الفتّان. إنها جميلة لدرجة لا تُصدق يا أرنو، حتى الضوء نفسه يبدو باهتاً أمامها، إنها أسطع من الشمس والقمر.. ولكن لا يغرنّك جمالها، فبمجرد أن تقترب منها سوف.. ترى...»

‏​ارتسم الرعب جلياً على وجه أرنو، فلاحظ سلفستر ذلك وتنهد بضيق قائلاً: «أخي أرنو، هذه مجرد أساطير عجائز، لا وجود لملكة السحر. لِمَ كان عليّ اصطحابك معي في هذه المهمة؟ يجب أن...»

‏​أطرق أرنو رأسه وقال بأسف: «أنا آسف يا أخي.. ولكن...»

‏​قاطعه سلفستر حازماً وهو يمسك بكتفه بقوة: «ولكن عليك أن تكون قوياً! لقد سلكنا طرقاً وعرة وحاربنا وحوشاً كثيرة، أما أنت فلم تواجه حتى ظلك! لقد دللك أبونا كثيراً». صمت سلفستر قليلاً، وضغط على كتف شقيقه بقوة مكملاً بحدة: «أرنو إيفانز، تذكر أنه لا وجود للضعيف أو الجبان في هذا العالم. أبي لن يعيش ليحميك، وأنا لن أظل موجوداً طوال حياتي لأدافع عنك. تذكر ذلك جيداً.. وتذكر أنك ترتدي ذلك الخاتم الغريب الذي لا أعلم حتى اللحظة من أين حصلت عليه».

‏​تحسس أرنو الخاتم في إصبعه، ونظر إلى الأرض وعينه تلمع بدمعة انكسار حزينة، كأنها دمعة شفقة على ضعفه وقلة حيلته، وهمس بصوت مرتجف: «سلفستر.. أنا.. أنا...»

‏​وفجأة، شق صمت الليل صوت غريب ومفزع قادم من بين الأشجار!

‏​بلمح البصر، استل سلفستر سيفه الطويل، بينما جهز ريموندا قوسه ببراعة. صرخ سلفستر آمراً: «أرنو! أخرج خنجرك وقف في المنتصف بيننا!»

‏​تمركز الصديقان مستعدين للمواجهة، لكن الصوت أخذ يقترب متقطعاً ومصحوباً بصرخات استغاثة: «ساعدوني! أرجوكم ساعدوني!»

‏​ومع اقتراب مصدر الصوت، تبينت ملامح الطارق؛ لم تكن وحشاً، بل كانت امرأة عجوزاً، منظرها يثير النفور؛ وجهها مجعد للغاية، خصلات شعرها منفوشة، وأسنانها متخلخلة تكاد تسقط وهي تلهث بتعب: «ساعدوني أيها الجنود.. هناك وحش يقتحم بيتي ويدمره!»

‏​أنزل سلفستر وريموندا سلاحيهما قليلاً، لكن ملامح الحذر لم تفارق وجهيهما. سألها سلفستر: «من أنتِ أيتها العجوز؟»

‏​أجابت وهي تتنهد بألم ممسكة بصدرها: «أنا امرأة عجوز عزلاء يا سيدي.. لقد هاجمت الوحوش بيتي الصغير». تطلعت إلى دروعهم وشاراتهم وتابعت: «أنتم جنود مملكة هايبر، لقد سمعتُ أنكم تقاتلون الوحوش بلا خوف.. أرجوكم أنقذوني!»

‏​تردد أرنو قليلاً، وفتح فمه ليقول: «يا سي...»، لكن سلفستر قاطعه بحسم: «أرنو، ليس هذا وقته! يجب أن نتخلص من تلك الوحوش فوراً».

‏​أومأ ريموندا برأسه مؤيداً: «نعم، علينا قتلهم قبل أن يعبروا هذه الغابة ويهاجموا اهل القرى في المملكة».

‏​لكن أرنو بوجنته الشاحبة وخوفه الملموس أمسك بيد أخيه متوسلاً: «أخي.. نحن لا نعرف هذه العجوز، ولا نعلم ماذا ينتظرنا هناك! يجب أن نكمل مهمتنا أولاً ونوصل رسالة الملك!»

‏​التفت إليه سلفستر وبادره برد بارد وقاسٍ: «هل جننت؟ نعم، أنت مجنون بالتأكيد! لهذا السبب تحديداً.. اصمت، وكن ظلي الذي يتبعني بلا صوت. هل فهمتني يا أرنو؟» ونظر إليه بنظرة حادة كالشفرة.

‏سكت أرنو، واكتست ملامحه بالصمت التام وهو يهمس: نعم يا أخي

‏​في تلك اللحظة، لم يلحظ أحد من الجنود تلك الابتسامة الخبيثة التي ارتسمت على شفتي العجوز، وهي تقول بنبرة ممتنة مخادعة: «أشكركم جداً أيها الجنود اليافعون الشجعان.. هيا، اتبعوني!»

‏​تحركت العجوز في مقدمة الطريق، وتبعها سلفستر وريموندا، بينما كان أرنو يسير خلفهم بخطوات ثقيلة، ينهشه شك غريب وخوف يتلوى في صدره. وكلما توغلوا في عمق الغابة، كان أرنو يسمع أصواتاً شبيهة بذلك الغناء المريب، في حين كان أخوه وريموندا لا يلقيان بالاً لغير فكرة القضاء على الوحش.

‏​فجأة توقفت العجوز وقالت: «أوه.. يا إلهي، لقد وصلنا!»

‏​تطلع الجنود حولهم مذهولين؛ لم يكن هناك بيوت، ولا وحوش، بل مجرد بقعة مظلمة حالكة السواد في قلب الغابة، تبرز على أرضها نقوش ورسوم غامضة وغريبة!

‏​تراجع سلفستر وريموندا باستغراب، بينما لم يتمالك أرنو نفسه فأخرج خنجره ويده ترتجف بعنف.

‏​هتف سلفستر بحدة: «هيي أيتها العجوز! أين الوحوش؟ هل اختفت أم ماذا؟»

‏رد ريموندا بقلق: «أظن أنهم هربوا.. أو ربما اختفوا».

‏​صمتت العجوز تماماً، فصرخ سلفستر بغضب: «أنتِ! هل أنتِ صماء؟ أين الوحوش؟ هل هذه مزحة؟»

‏​رفع أرنو خنجره وصرخ بأعلى صوته: «ابتعد عنها يا سلفستر! إنه فخ.. أنا أشعر بها.. إنها ملكة السحر!»

‏رد سلفستر بضيق: «أرنو! قلت لك توقف عن كلماتك التافهة، لا يوجد شيء اسم...»

‏​لكن قاطعه صوت العجوز الذي تغير تماماً؛ لم يعد واهناً، بل صار ناعماً كالحرير وفي الوقت ذاته مرعباً كزئير الأسد: «بل هو على حق.. ملكة السحر موجودة، وأنتما ستكونان فريستها!»

‏​وفجأة، هبط من السماء سرب ضخم ومرعب من الغربان السوداء كالإعصار!

‏​رفع سلفستر سيفه مدافعاً وصرخ ريموندا وهو يطلق سهامه مستهدفاً الطيور، لكن الغربان كانت تزداد بكثرة وتهاجمهما بشراسة، والغريب في الأمر أنها لم تقترب من أرنو نهائياً، بل كانت تحيط بسلفستر وريموندا فقط لإعاقتهم.

‏​تصلب أرنو في مكانه من الصدمة، فصرخ فيه سلفستر وهو يصارع الطيور بصوت هادر: «قلت لك اهرب أيها الوغد! اهرب الآن فوراً!»

‏​في تلك اللحظة، حدث شيء غريب.. توهج الخاتم في إصبع أرنو بضوء أزرق ساطع، وفجأة شعر بجسده يندفع راكضاً نحو الغابة بسرعة فائقة كأن هناك قوة خفية تحركه دون إرادة منه!

‏​ظل أرنو يركض لعدة دقائق، وعقله يصرخ متسائلاً: «لماذا أركض؟ لا أستطيع التوقف أو حتى الكلام! كأن جسدي ليس ملكي!»

‏​نظر بطرف عينه إلى إصبعه، ليرى الخاتم يتوهج بشدة ويعتصر جلده بقوة، وفجأة تلاشت القوة السحرية فسقط أرنو على الأرض يلهث بتعب مستنشقاً الهواء بصعوبة.

‏​وعندما رفع رأسه.. تجمدت الدماء في عروقه؛ كانت العجوز تقف أمامه مباشرة!

‏​نهض أرنو وصاح بنبرة ممزوجة بالخوف والتهديد وهو يوجه خنجره نحوها: «أين أخي وريموندا أيتها العجوز اللعينة؟!»

‏​انفجرت العجوز بضحكة شريرة عالية: «هههههههه! أظن أنك ستغير رأيك الآن!»

‏​وفجأة، أضاءت الغابة بأكملها بنور ساطع وقوي لدرجة جعلت أرنو يغلق عينيه مجبراً. وعندما فتحهما ببطء، شعر بأن أنفاسه قد سُحبت منه..

‏​أمامه مباشرة، كانت تقف امرأة ليست كالبشر؛ بشرتها بيضاء صافية تشع نوراً، شعرها أشقر كخيوط الذهب، وعيناها زرقاوان بلون السماء الصافية، ترتدي فستاناً أزرق ساحراً كأنه مصنوع من بلورات الثلج والجليد المتلألئ.

‏​اتسعت عينا أرنو بذهول وتراجع إلى الوراء ساقطاً على ركبتيه وتمتم بصدمة: «من.. من أنتِ أيتها المرأة؟ أنتِ.. أنتِ ملكة السحر! الملكة الملعونة!»

‏​تبسمت بنعومة، وأجابته بصوت ملائكي عذب ذي نبرة شيطانية مبطنة: «أنت تعرف جيداً من أكون..»

‏​اقتربت منه بخطوات بطيئة واثقة، ثم رفعت يدها قائلة: «كل بشري يراني.. لابد له من الموت. والآن.. حان دورك لتموت!»

‏​نظر إليها أرنو برعب شديد، ولكن في لحظة خاطفة، توهج الخاتم بضوء قوي و تلاشت ملامح الخوف من وجهه وحلت مكانها نظرة غضب جارفة تشتعل في عينيه السوداوين، واختفى ذهوله أمامها ليقف بصلابة ويهتف بصوت غاضب: «سوف أقتلكِ أيتها اللعينة!»

‏​تراجعت ملكة السحر خطوة إلى الخلف باستغراب، وقالت متمتمة: «مهلاً...» ثم هبطت بنظراتها نحو الخاتم اللامع في إصبعه، وابتسمت ابتسامة مكرة باردة: «آه.. فهمت الآن لِمَ أنت على قيد الحياة حتى اللحظة!»

‏​تقدم أرنو خطوة نحوها وقال بصرامة: «أين أخي وريموندا؟ أجيبي أيتها الملعونة!»

‏​ضحكت الملكة بصوت ناعم تتردد أصداؤه في أرجاء الغابة، ثم رفعت إصبعها لتفتح في الهواء دائرة سحرية غريبة، وقالت ببرود: «هما في أمان الآن.. ولكن ليس لوقت طويل».

‏​أطلقت نحو صدره تعويذة سحرية توهجت على شكل قلادة غريبة استقرت حول عنقه، ثم أردفت بنبرة ساخرة: «عزيزي الصغير.. إن أردت رؤية إخوتك الأرانب مجدداً، فعليك أن تأتي إلى عالمي. هذه القلادة ستقودك إلى مكاني.. ولكن ضع في حسبانك؛ إن أتيت برفقة أحد، أو أخبرت أي شخص بمكاني، فلن يصدقك أحد وسيتهمونك بالجنون والخيانة، وحتى لو حاولت تشغيل هذه التميمة السحرية بحضورهم فلن تفتح أبداً، وستبدو كقلادة عادية جداً..»

‏​اتسعت ابتسامتها الخبيثة وتابعت: «فهي مشبعة بسحر يمكنني من معرفة إن كنت قادماً بمفردك أم لا. وداعاً أيها الأرنب الصغير.. وتذكر، مصير أخوتك الأرانب معلق برقبتك، وإن تأخرت.. فسيكون دمهم في رقبتك! هههههه».

‏​واختفت في لمح البصر مع ذرات الثلج، تاركة أرنو وحيداً في عتمة الغابة، والقلادة تلمع حول عنقه كحبل المشنقة.

2026/07/22 · 4 مشاهدة · 1370 كلمة
نادي الروايات - 2026