‏​«مهلاً يا أرنو.. انتظر! أنا قادم!»

‏​كان الصوت يتردد بصدى مرعب في ممرات القصر المظلمة، صدى ينبثق من أعماق كابوس مخيف. عاد الصوت ينطق بكلمات لاهثة: «أبي.. أبي ساعدني! أنا قادم.. قادم يا بني!»

‏​أخذ الماركيز يركض مقترباً من مصدر الصوت حتى عبر آخر الممر، ولكنه صُدم عندما وجد نفسه يقف على حافة حفرة سحيقة لا قاع لها، ولا يحيط بها سوى أسراب من الغربان السوداء. وفجأة، وبلا أي مقدمات، شعر بأفعى ضخمة باردة تلتف حول عنقه! بدأت الأفعى تعصره بقوة الموت، فأخذ يتلوى ويلتف حول نفسه كالمجنون، يمسك عنقه بكلتا يديه محاولاً نزع الأفعى الشرسة دون جدوى.

‏​أخذ نَفَسُه يختنق، وتوازنه يختل، ليسقط في أعماق الحفرة العميقة. وأثناء سقوطه المرير، تناهى إلى مسامعه صوت ابنه أرنو، فرفع رأسه ليلمحه واقفاً على حافة الحفرة، يرمقه بنظرات جافة باردة وخالية من أي مشاعر، قبل أن يستدير ويمشي بعيداً وترتسم كلمات الماركيز الأخيرة في الفراغ: «أرنو.. أرنو! لن أتركك حتى لو تركتني يا أرنو!»

‏​«أرنو!»

‏​بصرخة مفزوعة مزقت سكون الجناح، استيقظت زوجة الماركيز مذعورة، لتجد زوجها يرفع يديه في الهواء وعرقه يتصبب كالمطر وهو يصرخ بهذيان: «لن أترك أرنو.. لن أتركك!»

‏​أسرعت الماركيزة بوضع يديها على كتفه وصدره، وهزته بقوة قائلة بذعر: «استيقظ.. استيقظ يا إدوارد! استيقظ، هذا مجرد حلم!»

‏​التقط الماركيز أنفاسه بصعوبة، وكان في حالة يرثى لها من الصدمة والخوف. مسح وجهه بيده وغمز بعينيه قائلاً بصوت مرتجف: «أرنو.. وسلفستر.. أين هما؟»

‏​ردت الزوجة باستغراب وحيرة تجلت على وجهها: «لقد ذهبا رفقة ريموندا لتوصيل رسالتك إلى جلالة الملك بشأن زيادة عدد الحراس على الحدود.. ما بك؟»

‏​نهض الماركيز من على الفراش بخطوات متخبطة وهو يقول بقلق ينهش صدره: «لا أعلم.. ولكن حدسي يخبرني أن خطراً ما قد حلّ بهما! يجب أن أذهب إلى قصر الملك الآن لكي أطمئن إن كانوا قد وصلوا أم لا».

‏​أمسكت الماركيزة بيده، ووجهها يشحب ببطء من نبرة زوجه المرعوبة: «ماذا رأيت في منامك..؟»

‏​وفي تلك الأثناء، تذهب الأحداث بعيداً.. إلى قلب الغابة الملعونة.

‏​وصل أرنو إلى البقعة ذاتها التي اختفت فيها الساحرة. أحكم قبضته على القلادة السحرية المعلقة حول عنقه، ورفع رأسه مهتماً بصوت حازم وثابت: «أعلم الآن أنكِ تراقبينني.. لقد أتيتُ بمفردي كما طلبتِ، دون أن يرافقني أحد!»

‏​وما إن أنهى كلماته، حتى انطلقت ضحكات أنثوية ساخرة، دوّت أصداؤها من كل حدب وصوب بين الأشجار، وتلاها صوت يحمل ألحاناً عذبة ولكنها مسمومة بالتهكم: «نعم.. موعدنا اليوم أيها الأرنب».

‏​وفجأة، انبعث من القلادة ضوء غريب وقوي، وانقبضت حول عنقه بعنف حارق! بدأت حرارة جسد أرنو ترتفع بشكل مرعب، لكنه جاهد ليتحمل الألم والحرارة اللاهبة، وضغط على أسنانه بقوة حتى كاد يغمى عليه من شدة وهج الضوء الذي ملأ الأفق.

‏​أغمض عينيه مستسلماً، وعندما فتحهما ببطء بعد أن تلاشى النور.. وجد نفسه في مكان غريب ومهيب لم يره طوال حياته!

‏​كان يقف داخل قلعة عملاقة، جدرانها صلبة ومبنية بشكل مربع هندسي دقيق، مصنوعة من رخام أسود مصقول لا تحويه أي نقوش، والشموع اللامعة تملأ المكان وتنعكس على الأرضية الملساء.

‏​تنفس أرنو برعب يتلوى في قلبه، لكنه حافظ على عقله الحازم وتقدم بخطوات حذرة تجاه الضوء، بينما كانت يداه ترتجفان بعنف. فجأة، شق صمت المكان صوت همهمة غريبة.. آهات عذبة وساحرة لم تسمعها أذن بشرية من قبل.

‏​اندفع أرنو نحو الصوت، ثم تسمر في مكانه من الصدمة والذهول مما رأته عيناه!

‏​أمامه مباشرة، كان يقبع تنين أسود عملاق، حراشفه كالدروع المظلمة، وبجانبه امرأة تجلس بكبرياء ملكي على عرش فخم. كان شعرها الذهبي ينساب على كتفيها، وعيناها باردتين بلون السماء الصافية، ترتدي فستاناً أزرق كأنه نُسج من الثلج الصافي المتلألئ، يغطي بشرة بيضاء تشع بريقاً أسطع من الضوء نفسه.

‏​وكانت هناك ابتسامة كبرياء غامضة مرسومة على وجهها، كأنها أسد يرى فريسته تدخل بكامل إرادتها إلى عرينه وهو يعلم أنه سيفترسها لا محالة.

‏​حدق أرنو بذهول في ذلك المنظر المهيب؛ الذي أمامه الآن ليس بشرياً، وليس وحشاً، وليس ملاكاً! دبّ الخوف والرهبة في أعماقه، وسأل نفسه بسؤال واحد: «ما هذا الكائن الذي يقف أمامي؟!»

‏​كانت الملكة تمسك بيدها حبلاً سحرياً ملفوفاً حول عنق التنين الأسود الذي يزمجر بخفوت. نظرت إلى أرنو وقالت بنبرة متهكمة: «أوه.. هل جاء الأرنب الصغير ليصبح غراباً من غرباني؟ أم جاء ليفدي إخوته الأرانب؟»

‏​نهضت ببطء من على عرشها، تاركة حبل التنين، وتقدمت نحو أرنو المتجمد في مكانه. ومع كل خطوة تخطوها، كان يفوح منها عطر ساحر، خليط من الياسمين والجاردينيا النادرة، عطر يخلب العقول. وفي اللحظة التي كاد سحر عطرها أن يسلب أرنو وعيه، توهج الخاتم في إصبعه فجأة بوخزة حادة!

‏​في تلك الثواني الخاطفة، استعاد أرنو وعيه الكامل، وتبدد تأثير سحرها عنه. تراجع خطوة إلى الوراء، ورغم الخوف الشديد الشاخص على وجهه، إلا أن ملامحه كانت تنطق بالوعي والغضب الصارم، وقال بصوت ثابت قاطعاً الصمت: «لقد أتيتُ الآن كما طلبتِ.. أين سلفستر وريموندا؟!»

‏​ردت الملكة ببرود مستمتعة بنبرته: «كم أن قلبك يحترق على إخوتك.. اسمع يا أرنبي الصغير، لقد وفيتَ بوعدك وجئت بمفردك».

‏​أخذت تمشي حوله في حلقات ضيقة، وعطرها الفواح ينتشر مع كل حركة، وتابعت بنظرات متفحصة: «لديك شيء كبير يا أرنو.. شيء ثمين جداً في يدك، وهو الشيء الوحيد الذي يمنعني من تحقيق هدفي!»

‏​قاطعها أرنو بغضب جارف وهو يرفع يده: «إذن خذيه! لا أعرف من تكونين، ولا أريد أن أعرف ما هو هدفكِ اللعين! كل ما أريده هو عودة أخي وريموندا». نظر إلى الخاتم في إصبعه وتابع بغيظ وحيرة: «هل هذا ما تريدينه؟! خذيه!»

‏​بأصابع ترتجف من الغيظ، خلع أرنو الخاتم من إصبعه ورماه بقوة على الأرضية الرخامية، وعيناه تكادان تذرفان الدموع من شدة القهر، لكنه كتمها بكرامة مكملاً بصوت مستعطف ومحتقن: «أرجوكِ.. خذي ما تريدين ودعينا نذهب! لن نخبر أحداً بما حدث هنا، وسيبقى سركِ مدفوناً مع الغابة!»

‏​وفجأة، زمجر التنين الأسود في وجه أرنو بغضب عارم، وفتح فمه كأنه سيلتهمه حياً، لكن الملكة رفعت يدها ببطء فتوقف التنين مكانه فوراً.

‏​وهنا حدثت الصدمة..

‏​تغير وجه الساحرة تماماً؛ تلاشت ملامح السخرية والكبرياء، وحلت مكانها نظرة ذهول وغرابة، وصدمة خفيفة وهي تتأمل الخاتم الملقى على الأرض. لكنها سرعان ما استعادت قناعها البارد وقالت بنبرة غامضة: «عزيزي أرنو.. أظن أنني أخطأت في وصفي.. هذا الخاتم ليس أغلى شيء تملكه، بل العكس هو الصحيح!»

‏​تعجب أرنو وعقد حاجبيه بحيرة، فتابعت الملكة كلامها: «هذا الخاتم يراك أنت أثمن وأغلى شيء لديه! لذلك.. هو لن يتركك، ولن يسمح لأي شخص آخر أن يستعمل القوة الكامنة فيه، أو...»

‏​صمتت فجأة، فصاح أرنو بنفاد صبر: «أو ماذا؟! لا أفهمكِ، ولا أفهم لعنة هذا الخاتم! اسمعي، هذا الخاتم أنا عثرتُ علـ... عـ...»

‏​قاطعته بحسم واضعة إصبعها أمام شفتيها: «لا يمني أن أعرف من أين حصلت عليه، ما يهمني هو كيف ارتبطت روحه بروحك! اسمع يا أرنو، أنا أريد حل هذا الترابط السحري، ولكي ينفك هذا الرابط.. لابد أن تنفذ أوامري!»

‏​رد أرنو بسرعة ودون تفكير: «حسناً! سأفعل أي شيء تريدينه.. أي شيء في استطاعتي، فقط املكي وعدكِ واتركينا وشأننا!»

‏​ابتسمت الملكة ابتسامة مكرة خبيثة، وقالت بسخرية: «إذن، أي أمر أوكله إليك ستفعله؟ يبدو أن الأرنب بدأ يتحول بالفعل ليكون أحد غرباني المطيعة.. اسمع، إن أردت أن أطلق سراح إخوتك، يجب أن تفك رابط الخاتم، ولكي تفعل هذا...»

‏​اقتربت الملكة من أرنو أكثر، حتى لفحت أنفاسها الباردة أذنه، وهمست بصوت خافت كفحيح الأفاعي: «يجب عليك.. أن تقتل ملك مملكة هايبر!»

2026/07/22 · 1 مشاهدة · 1122 كلمة
نادي الروايات - 2026