‏​«أبي، لماذا نذهب لزيارة الملك؟»

‏​أجاب سلفستر بسرعة وسخرية وهو يجلس في المقابل: «ذهبنا لنلعب بالطبع! هل أنت أحمق لهذه الدرجة يا أرنو؟ نحن في عربة ملكية نسافر منذ يوم كامل، فماذا تتوقع أن نفعل؟ نحن نذهب لأداء مهمة مربوطة بنظام الملكية والنبلاء!»

‏​ابتسم الماركيز إدوارد وقال بهدوء ملطفاً الجو: «اهدؤوا يا أولاد.. أرنو، لابد أن تعلم أن النبلاء والنظام الملكي يكمل بعضهم بعضاً. فنحن المملكة الوحيدة التي اتبعنا نظاماً صارماً جداً منذ إنشائها قبل ثلاثة آلاف سنة؛ فكل عضو له سلطة ومكانة، وهدفه الأكبر أن يكون مرتبطاً بنبيل آخر يكمل مكانته، مثل البارون الذي يكمله الفيكونت، وصولاً إلى الماركيز والدوق والملك، لنكون جميعاً جسداً واحداً ودرعاً متيناً يحمي المملكة وعامة الشعب. وكل مرتبة مسؤولة عن شيء؛ فمثلاً أنا الماركيز مسؤول عن حماية الحدود وتأمينها. الآن، هل فهمت يا بني لماذا نذهب إلى الملك؟»

‏​أمال أرنو الصغير رأسه، وظهرت على وجهه علامات التعجب كأنه لم يفهم كل شيء تماماً. لاحظ سلفستر ذلك، فقال بنبرة ساخرة: «يوماً ما ستستوعب يا مدلل..»

‏​وفجأة، توقفت العربة وارتفع صوت الحراس من الخارج: «افتحوا البوابات! لقد وصل الماركيز إدوارد إيفانز وعائلته!»

‏​نظر الماركيز إدوارد إلى ولديه بنظرة قوية وحازمة وقال: «حسناً يا أولاد، لقد وصلنا وسوف نقابل جلالة الملك الآن. ولكن اعلموا أنني لن أعاملكم هنا بقلبي بل بعقلي ولقبي، وأنتم أيضاً عاملوني بعقولكم ومكانتي».

‏​فهم سلفستر وأرنو المغزى، وأومآ برأسيهما باحترام: «حسناً يا سيدي».

‏​في القاعة الكبرى لقصر مملكة هايبر..

‏​كان الملك "أفريد" يجلس على العرش العالي بكل هيبة، وبجواره يقف ولي العهد الشاب "رايان". تقدم الماركيز بخطوات ثابتة وانحنى بإجلال رفقة ولديه، وقال بصوت جهوري: «إدوارد إيفانز يحييكم.. فلتَحيَا شمس مملكة هايبر، وليحيَا سمو ولي العهد!»

‏​وانحنى سلفستر مردداً نفس كلمات أبيه باحترام. وهنا، تقدم أرنو وانحنى بأدبٍ لافت، وقال بكلمات بليغة أدهشت الحضور: «فلتَحيا يا حاكم البلاد وحاميها من شر المخلوقات بإذن الإله! فلتَحيا ويَحيَا معك اسم عائلتك التي صانت هذه البلاد ورعَتها.. فليَحيا اسم الملك واسم ولي العهد رايان، حامل الدماء الملكية!»

‏​اتسعت عينا الملك استغراباً وإعجاباً بهذه التحية الفخمة، وارتسمت على وجه إدوارد ابتسامة فخر واعتزاز، بينما ابتسم سلفستر وقال في سرّه: «هذه هي نقطة قوتك أيتها المدلل! أظن أن ثمار تعلمك لآداب اللياقة في القصر قد أينعت أخيراً، ولكنني سعيد لأنك حفظت ماء وجهنا أمام جلالته».

‏​ابتسم الملك أفريد والدهشة تخالط ملامحه من فصاحة صبي لا يتجاوز عمره أحد عشر عاماً، وقال بصوت دافئ: «ارفعوا رؤوسكم.. وحُييتم أنتم أيضاً».

‏​أجاب إدوارد: «هذا من دواعي سروري يا جلالة الملك».

‏تأمله الملك وتساءل: «إدوارد.. هل هذا ابنك الثاني؟»

‏رد إدوارد: «نعم يا مولاي، هذا ابني الأصغر أرنو».

‏​نظر الملك باستغراب وقال: «ولكن لماذا لم تحضره معك من قبل؟ إنه غلام يافع ومتعلم للأدب بشكل يفوق الكبار!»

‏رد إدوارد بابتسامة: «لأنه كان صغيراً يا مولاي، وكنت أكتفي بإحضار ابني الأكبر سلفستر ليتعلم أمور الحرب».

‏​ضحك الملك وارتسمت على وجهه الابتسامة، ثم تحولت ملامحه إلى الجدية: «حسناً، لنتكلم في الأمور المهمة.. ما سبب زيارتك اليوم؟»

‏​أجاب الماركيز بنبرة قلقة: «في الواقع يا جلالتك، إن أعداد الوحوش على الحدود قد ازدادت بشكل مرعب، وقواتنا لم تعد تكفي كما في السابق».

‏رد الملك: «وهل تريد زيادة عدد الجنود هناك؟»

‏​أجاب إدوارد: «نعم يا مولاي، ولكننا نحتاج أيضاً إلى تكتيكات جديدة وحماية أقوى. اقتراحي هو بناء حصن مكون من سور ضخم يحجب عنا الوحوش ويمنع تسللها، فكما تعلم جلالتك.. الوحوش أصبحت تصرفاتها غريبة جداً مؤخراً».

‏​تأمل الملك كلامه وسأل بحيرة: «ما الغريب في أمرها؟»

‏​رد إدوارد بثقل: «في الواقع يا مولاي، قبل بضعة سنين كانت الوحوش تشبه الحيوانات المفترسة؛ لا تعرف شيئاً سوى القتل والافتراس العشوائي، فكنا نخطط ونقضي عليها بسهولة. ولكن منذ عام مضى، تغير الأمر تماماً! أصبحت الوحوش تقاتل بأسلوب مختلف؛ لم تعد تهجم بشكل عشوائي، بل تكتيكياً وبصمت مرعب. والأغرب من ذلك.. ما رواه لي أحد الجنود؛ فقد كان يطارده وحش، وقبل أن يفتك به، تجمع بقية الجنود لمحاربته، والغريب أن الوحش انسحب وهرب فوراً!»

‏​استغرب ولي العهد رايان لكنه ظل صامتاً، بينما أكمل الماركيز: «هذا أمر غير مسبوق يا جلالتك، فالوحوش لا تهرب أبداً لأنها بلا عقل ولا تعرف الخوف، ولو كانت تتوقع الهزيمة لقاتلت حتى الموت! وهذا ما فاجأني. والبعض من الجنود يقولون إن الوحوش تطورت لدرجة مرعبة.. حتى إن أحدهم عاد ووجهه شاحب يلهث كالمجنون وهو يقسم أن الوحش الذي واجهه كان يتكلم بلغة غريبة.. وكان يبتسم!»

‏​وفجأة، انطلق ولي العهد رايان بضحكة عالية ساخرة لم يعر فيها أي احترام للحضور في القاعة، وقال بتهكم: «هل جننت أيها الماركيز؟! وحوش تبتسم وتتكلم وتقاتل بخطط؟! هل تهزأ بالعائلة الملكية؟!»

‏​نظر الملك أفريد إلى ابنه ولي العهد بغضب وصاح به بصوت زلزل القاعة: «رايان! من سمح لك بالكلام بهذه الطريقة؟!»

‏رد رايان بتمرد: «ولكن يا أبي، هل سمعت ما يقوله من ترهات؟!»

‏​قال الملك بصوت صارم للحراس: «أيها الحراس! خذوا ولي العهد إلى غرفته فوراً!»

‏تقدم اثنان من الحراس وقالوا باحترام: «رافقنا يا سمو الأمير».

‏نهض ولي العهد وكرّ على أسنانه بغضب، ثم نفض يديه وقال للحراس بغل: «لا أحد يلمسني! سأذهب بمفردي!» وغادر القاعة غاضباً.

‏​تنفس الملك الصعداء وقال باعتذار: « أنا آسف يا إدوارد نيابة عن قلة أدب ولي العهد».

‏رد الماركيز باحترام: «لا داعي للاعتذار يا سمو الملك، وأسف إن كنت قد قلت شيئاً غريباً».

‏رد الملك: «لا شيء أغرب من تصرفات ابني السخيفة.. الآن لنعد إلى حديثنا...»

‏​وفجأة، وبشكل عفوي، أخرج أرنو الصغير يده من كُمّ معطفه الذي كان يغطي جسده.

‏​في تلك اللحظة بالذات، تثبتت عينا الملك أفريد بنظرة صلبة ومصدومة على اليد الصغرى لأرنو.. تحديداً على الخاتم الغريب الذي كان يرتديه في إصبعه!

‏​انقطع كلام الملك، وتغيرت ملامح وجهه تماماً وهو يشير إلى يد أرنو قائلاً بنبرة مشدوهة: «ما هذا.. ما هذا الذي في يدك؟!»

2026/07/22 · 0 مشاهدة · 889 كلمة
نادي الروايات - 2026