الفصل الخامس والسبعون: الأخت الثانية الواهنة (2)

كان كاي يرقب المشهد الكارثي الذي بدّل هيئة السماء بأكملها. و لقد تحتم عليه التزام الهدوء كي لا ينكشف أمره ، إذ كان يتظاهر بكونه أحد الأشقاء ، رغم غموض طبيعة هذه الرابطة في "بيت الليل " لكونهم لا تجمعهما صلة دم. و لكن ، أمام سماءٍ ليلية تضطرب وتتشكل وفق مشيئتها ، وأمام قوةٍ تفوق ما ظنه كاي ممكناً ، بات من العسير عليه التماسك ، أو الاستمرار في أداء ذلك الدور المفتعل.

في الأعالي ، تهاوت السماء لتصبح كتلةً لولبية من الظلال امتدت لأميال ، انحدرت كلها نحو نجمٍ وحيد ساطع في قلبها كان ضوؤه متقداً بشكل غير طبيعي ، كأنه عينٌ تذر العالم من علٍ. وتحت هذا الضياء ، وقفت المرأة تنظر إلى كاي وكأنه نملةٌ لا شأن لها.

لم تأتِ بحركاتٍ أو إيماءاتٍ متكلفة ؛ بل اكتفت بالوقوف هناك ، فاستجاب لها كل ما في الأرجاء. انبعثت الظلمة من الأرض متدفقةً إلى الأعلى ، لتغذي الدوامة وكأن العالم ذاته يُستنزف ، بينما تجمعت الغربان في دوائر عنيفة فى الجوار. لم تكن غرباناً عادية ؛ فمناقيرها كانت مشقوقة باتساع ، ومبطنة بحوافٍ مسننة تشبه الأسنان ، تنهش الهواء بصريرها وهي تدور بسرعة متزايدية لتنجذب داخل العاصفة.

كانت تسيطر على الليل على مدى البصر ، بينما لم يكن بوسع كاي سوى استجماع خيطٍ واهٍ منه. ذاك التفاوت في القوة جعله يشعر بالضعف.

"سكوتيسا ؟ من تكون ؟ هل هي أختٌ أخرى ؟ "

لم يدرك كاي كنه ما يحدث ، ولا ما الذي أثار حفيظة تلك المرأة ، لكنه تيقن أن أختاً أخرى هي الوحيدة التي قد تشكل تهديداً لها بلا ريب. والآن ، ظنت هي أنه "مولود ليل " يتبع لتلك المدعوة سكوتيسا. فلم يكن هذا ما يصبو إليه.

ما الذي عساي قوله ؟ أيّ كلامٍ قد يجدي نفعاً ؟ "بحق زيوس " إنها تحزر فقط ، لا بد من ذلك. لمجرد أنها لا تعرفني ، افترضت فوراً أنني "مولود ليل " تابع لأخرى ؟ لكن أن تصل إلى هذا الاستنتاج بهذه السرعة… هل يعقل أنها تعرف كل "مولود ليل " في أراضيها ؟

بدا الأمر مستحيلاً. حيث كان كاي يعلم مدى صعوبة العثور حتى على "مولود ليل " واحد. و لكن برؤية هذا الاستعراض الهائل للقوة ، بدا الأمر مستحيلاً لشخصٍ مثله ، أما بالنسبة لها ، فهو ممكن.

تحت وطأة العاصفة الكارثية ، أعمل كاي عقله باحثاً عن مخرج آمن من هذا المأزق. أراد أن يستيقظ من هذا الواقع ، لكنه عجز عن ذلك طالما بقي قابعاً قرب ثقب الضياء. فلم يكن أمامه خيار سوى المضي في تمثيليته.

"نوكسيان… صحيح ، نوكسيان! "

استحضر كاي ما قاله نوكسيان مما قد يعينه في محنته. ورغم الرعب والذعر الذي تسلل إلى جسده ، حاول كبح ارتجافه ، ثم عقد ذراعيه ورمق المرأة بنظرةٍ ثابتة دون أن يرمش. و قال بنبرةٍ تعمد جعلها أكثر عمقاً "لقد أهنتني.. أشعر بالإهانة لظنكِ بي هذا السوء ".

حين رأت رباطة جأشه ، بدأت الشكوك تساور المرأة.

"أنا لا أعرفه. لم ينجذب بالضوء. وحتى مع هذا… لا يبدو خائفاً على الإطلاق ". انقبض حاجباها الرقيقان عبسواٍ جلي ، ثم أضافت في نفسها "ناهيك عن عينيه… "

منذ اللحظة التي وقعت فيها عيناها عليه ، سرى بردٌ في أوصالها ؛ مصدره كان عينيه. زوجٌ من العيون السوداء كالحبر ، تبدو عميقة كأغوارٍ بلا قاع ولا حدود ، ملساء وخالية من الضوء كحجر الأوبسيديان المصقول. حيث كان التحديق فيهما طويلاً يعني قبول فكرة تلاشي الأرض من تحت قدميها ، لتحل محلها قوة جذب صامتة ومصطبرة تتغلغل في روحها. لم تحمل عيناه ذرة دفء. حيث كانت تشبه عينيها إلى حد ما ؛ فالنظر إليه كان أشبه بالنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة ، لكن مع اختلافٍ مبهم.

"عيناه مرعبتان وجميلتان في آنٍ واحد. لا بأس بهما ".

برؤية تدفق الظلام وهو يهدأ ، غمرت السعادة قلب كاي. حيث كان نوكسيان قد أخبره ذات مرة أن هناك "مواليد ليل " لا يرغبون في أن يعرفهم أحد ؛ لهم أسماء ، لكنهم يحرسونها بضراوة ، ولا يسمحون لأي روحٍ بمعرفتها. بل إن بعضهم تمادى إلى أبعد من ذلك ؛ إذ تجنبوا كل أنواع التواصل ، ونأوا بأنفسهم عمن تحرك.

قرر كاي تقمص دور أولئك المواليد ، وبدا أن الخطة تؤتي ثمارها.

ببطء ، هبطت المرأة وحطت بخفة على المياه الضحلة ، دون أن تحدث أدنى تموج.

قالت وهي تضع يدها على قلبها "يبدو أنني أسأت الظن. أعتذر لك ".

سخر كاي وأدار ظهره "لا تحاولي استمالتي ، لن أعطيكِ اسمي ".

"لقد كشفتِ مقصدي بسهولة ، أنا محرجة ". رسمت المرأة ابتسامة خجولة ، وتحولت نبرتها فجأة إلى الأدب واللين ، كما لو أنها تخاطب شخصاً أسمى منها "لكنني سأمنحك اسمي. مالوري… أنا مالوري ، الابنة الثانية لليل الأول ".

ابتسم كاي في داخله ؛ فهو لم يخطط لمقابلة أيٍّ من الأخوات داخل "بيت الليل " ناهيك عن الدخول في هذه الديناميكية المثمرة مع إحداهن. وبالنظر إلى أن مالوري تعتبره "مولود ليل " مميزاً ، فقد يستغل ذلك لصالحه.

"ما هذا الشيء ؟ "

"ثقب يؤدي إلى… لا أعلم ".

"ألا تعلمين ؟ "

رمقها كاي بنظرةٍ حائرة. كابنةٍ لـ "الليل الأول " وبحكم سيطرتها على "بيت الليل " التي شهدها بنفسه ، توقع منها أن تكون عليمة بكل شيء ، خاصة وأنها كانت في الأرجاء تجلس وحيدة في سكونٍ تام. لذا كان هذا الجهل منها غير متوقع.

"أعلم ما يدور في خلدك ، لكن هذا الثقب جديد ؛ لم يكن موجوداً من قبل. وبحكم طريقة جذبه لـ ’بيت الليل‘… " نظرت مالوري إلى التشوّهات التي أحدثها الثقب ، وتابعت "أظن أنه تسريب. لا أعلم ما حدث ، لكنه ليس خطباً يعنيي. ستتولى الأم أمر ذلك ". وهزت كتفيها بلامبالاة.

لم تكن مالوري هنا لتساعد الإلهة على إغلاق هذا التسريب ؛ بل كانت تشعر بالملل ، وكان هذا المكان الجديد هو الشيء الوحيد المثير في الأرجاء.

التزم كاي الصمت ، ليس لعجزه عن الكلام ، بل بسبب الإشعارات التي ظهرت أمامه ؛ إشعاران مستطيلان أثارا حماسه:

[المهمة: استكشاف بيت الليل — تمت بنجاح]

[يمكنك اختيار مسار رئيسي واحد لتفتحه في بيت الليل]

أطبق كاي يده حماساً في عقله. حيث كان يظن أنه سيحتاج لشهرٍ آخر على الأقل لإتمام المهمة. فخلال تدريبه الذي استمر شهراً كان قد ركز كلياً على تثبيت أساسه كـ "متسامٍ من الدرجة الثانية " لا على إحراز تقدمٍ نحو هدفه. و لقد كانت هناك ليالٍ كثيرة بلا نوم ، وحتى حين كان يستخدم "السبات العميق " فإنه كان يفعل ذلك لاستعادة طاقته فقط. و لكنه نجح في إنهاء المهمة بسرعة ، أسرع بكثير مما توقع.

"مسار رئيسي ؟ ما هذا ؟ "

كان كاي يعلم أن "المسار " يمثل مصدر قوة "مولود الليل ". فبيريون ، على سبيل المثال ، يمتلك المسار الذي يقود إلى "إله الهلاك " كـ "نهاية من حجر ". بصراحة لم يكن كاي يدرك بعد الرابط بين "إلهة الليل الأول " والآلهة الأخرى. فحتى نوكسيان لديه مصدر يأتي من "إلهة الشقاق " وهو أمرٌ محير. و لكن المسار في نافذة حالته كان مباشراً ؛ فهو يمثل مصدر القوة لـ "مولود ليل " بعينه.

"لا يمكنني التفكير في شيء الآن ، ولكن يجب أن أتفحصه قريباً. و انتظر ، كيف لي أن أختار هذا المسار أصلاً ؟ هل ينبغي علي استدعاء الليل مجدداً ؟ "

بما أن الأمر قد يتطلب ذلك وجب على كاي مفارقة مالوري. أراد لقاءها ثانيةً ، فهي لا بد أن تعرف الكثير بصفتها ابنة "الليل الأول " لكنه لم يرد إجبار الأمور. فخداعها بهذا الشكل كان ضرباً من الحظ الصرف ، ولم يرد أن يكون قريباً منها حين ينفد حظه.

قالت مالوري وقد قطعت عليه شروده "هل أنت راحل ؟ "

سألها كاي "ماذا ؟ هل ما زلتِ تطالبين بمعرفة اسمي ؟ "

"لا. لا يمكنني معرفة أي اسم الآن ، لكنني سأتمكن من ذلك قريباً ".

"إذاً حظاً سعيداً في معرفة "مولود الليل " القادم الخاص بك ".

استدار كاي وغادر ، مبتعداً عن تلك المنطقة الغريبة بخطواتٍ واثقة. سلك طريقاً آخر متعمداً ، خشية لقاء ذاك الـ "مولود ليل " العدائي الذي واجهه سابقاً. و لقد كان الاستكشاف نجاحاً باهراً ، والآن أراد العودة إلى أراضي بيريون ليحاول اختيار "المسار الرئيسي " على عجل.

لكنه توقف فجأة حين رنّ صوتها "هل يمكنني على الأقل معرفة نهايتك ؟ "

أجابها "إنها نهاية الكره. سنلتقي مجدداً حين يسمح القدر بذلك ".

لم ينتظر كاي لحظةً أخرى. تسلل بأسرع ما يمكن ، وقلبه يقرع صدره بقوة ، مذعوراً من أن تلاحظ مالوري قطرات العرق التي تتصبب على جبينه. لم تكن لديه أدنى فكرة عن سبب ادعائه بـ "نهاية الكره " لكن بدا أن الأمر قد نجح ، فلم يعترض طريقه أحد. و على الأقل لم يكن هناك "مولود ليل " تعرفه بنهاية مماثلة. حيث كان ذلك كافياً له.

أما مالوري ، فقد حدقت في المكان الذي اختفى فيه كاي بعبوسٍ واضح. "ما الذي يعنيه بـ "حين يسمح القدر " ؟ القدر لا سلطان له علينا! " مالت برأسها حيرةً من التعليق ، وأخذت تفكر فيه ، لكنها سرعان ما اومأت "لا بد أنه "مولود ليل " قديم جداً لم يخرج من قبل. و على أية حال سأعرف اسمك ، مهما كلف الأمر ".

بعد لحظات لم يظهر أي "مولود ليل " ليخيفه طوال الطريق. حيث كان الأمر ، لحسن الحظ ، خالياً من الأحداث في طريق العودة إلى أرض بيريون. تعلم كاي الدرس ؛ فلم يعد يستدعي الليل بحرية كما كان يفعل من قبل. فاستخدامه لا ينهكه ، لكنه يجذب اهتماماً غير مرغوب فيه ، اهتماماً قد يودي بحياته. والآن ، جعل استدعاءه ذخراً ، سلاحاً لا يُشهر إلا عند الضرورة القصوى ، وما عدا ذلك فسيقتصر على السير قدماً.

تمتم كاي بابتسامة خجولة "قلت ذلك وها أنا ذا أستخدمه مجدداً… ".

كان الآن يجلس على المياه الضحلة ، مستدعياً الليل نحو العلامة على جبينه. و لقد مُحي بيريون على يد "مولود الليل " العدائي ، لذا كان عليه أن يشفيه. ولحسن الحظ لم يستغرق شفاء بيريون وقتاً طويلاً. وبمجرد الانتهاء ، حدد كاي موقعه في ذهنه وانطلق في هرولةٍ متلهفة. فبعد كل ما حدث ، بات الشعور بالأمان يبدو ككذبةٍ صدّقها يوماً.

كانت كل ثانية تمر تشعره بأنه مراقب من الظلال ، وأن هناك شيئاً يتربص به لينقض عليه. و لقد تملك منه الارتياب ، لدرجة أنه استدعى بيريون ليرافقه في سيره. وعندما وصل إلى أرض بيريون ، انحنى ممسكاً بركبتيه ، يلهث بشدة.

"لقد أصبحتُ بأمان أخيراً… " التقط كاي أنفاسه لدقيقة ، وصدره يعلو ويهبط ، ثم تطلع حوله. اقترب من ساحة في قلب الأرض وأومأ برأسه ، مجداً المكان مناسباً. "والآن ، لنرَ ما هي المسارات الرئيسية التي يمكنني الاختيار من بينها ".

استدعى الليل ، فانطلق الخيط ملبياً إرادته نحو حدود الأرض بفرقعةٍ مدوية. وبعد الارتطام ، فُتحت له ثلاثة مسارات.

2026/05/15 · 0 مشاهدة · 1705 كلمة
نادي الروايات - 2026