وصلت إلى الروضة مبكراً قليلاً.
كان الممر هادئًا وخاليًا من أولياء الأمور الذين لم يصل معظمهم بعد. دفعتُ عربة الأطفال بهدوء عبر الممر ووقفت أمام فصل ليني.
"……."
ألقيت نظرة خاطفة بحذر إلى الداخل، خشية أن أزعج الفصل، فرأيت ليني يرسم في دفتر رسمه، وهو منغمس تماماً في الرسم.
لم ينظر الأطفال نحو الممر، لكن عيني التقت بأعين المعلمين الذين كانوا يتحركون في أنحاء الفصل.
تبادلنا إيماءة ترحيب خفيفة، ولأنهم لم يعطوني أي إشارة أخرى، بدا أن ليني قد واكب الفصل اليوم دون أي مشاكل.
أعدت نظري إلى طفلي مجددا.
ظل ليني مركزاً حتى النهاية، ولكن بمجرد أن رن الجرس معلناً نهاية الحصة، التفت سريعًا نحو النافذة. وسرعان ما رآني وابتسم ابتسامة عريضة.
حزم حقيبته بمهارة وسرعة مع بقية الأطفال، وصاح مودعًا أصدقائه، ثم ركض نحوي مسرعًا.
"بابا!"
"نعم، عزيزي ليني"
حملته عاليًا بين ذراعيّ، فلف ليني ذراعيه الصغيرتين حول عنقي بقوة. واحتضنته أنا أيضًا بحب وفخر شديدين.
"هل أبليت بلاءً حسنًا في الصف اليوم؟"
"نعم!"
ربتُ على رأس طفلي الذي أجاب بشجاعة، ووضعت حقيبة المدرسة في عربة الأطفال، وانطلقنا.
كان ليني يقفز ويركض بجانبي، ويخبرني عن يومه في الروضة تمامًا كما فعل في يومه الأول. كانت ثرثرته المتواصلة في غاية اللطافة.
وعندما وصلنا إلى المكتب عرض بفخر دفتر الرسم عليّ وعلى زملائي.
بالطبع، كان رد فعل جريج الحماسي أفضل من رد فعلي.
"يا إلهي، هذا مذهل! هل رسمت كل هذا بنفسك اليوم؟ واااو، هل هذا الشخص هو أنا بالمناسبة؟"
"أجل! إنه العم جريج! وهذه العمة كاساندرا! وهذا بابا ولوكا! وهذا العم جيمس! وهذا..."
قال ليني إن موضوع الرسم الذي رسمه اليوم كان "عائلتي وأصدقائي".
كانت هناك وجوه لا حصر لها مرسومة في دفتر رسم ليني. قام ليني بتقسيم دفتر الرسم إلى نصفين ورسم الكنيسة على جانب ومنزلنا على الجانب الآخر.
في جانب الكنيسة، رأيت وجوه الكثير من الأشخاص، بمن فيهم الراهبات، والكاهن، وأليسيا، وتوني، وحتى جينيفر.
كانت موهبة الطفل لافتة للنظر في إبراز الخصائص الفريدة لكل فرد من هؤلاء الأشخاص الكثيرين وجعلهم مميزين.
كما رسم منزلنا مقسمًا إلى ثلاثة طوابق: أنا ولوكا في الطابق الثالث، وكاساندرا وجريج في الطابق الثاني، وحتى السيد جيمس في الطابق الأول...
سأضطر إلى تقديمه رسمياً للأختين ليلي وروز لاحقاً.
قمت بتمزيق الرسمة من دفتر الرسم، وصنعت إطاراً من الكرتون المقوى، ثم علقتها على الجدار بجانب صور الأطفال.
وهكذا انتهى يومنا المبهج.
لكن في اليوم التالي، وكما في اليوم الأول، قال إنه لا يريد الذهاب إلى الروضة، لذلك لم أرسله. لكن في اليوم الذي يليه، عاد للذهاب للروضة.
لقد مر أسبوع على هذا الحال.
قررت إلحاق ليني بروضة الأطفال أربعة أيام فقط في الأسبوع بدلاً من خمسة في الوقت الحالي. بدا أن حضوره ليومين، ثم الراحة في المنزل ليوم واحد، ثم العودة إلى المدرسة ليومين آخرين، كان مفيداً لصحته النفسية.
لم أكن لأستطيع فعل ذلك بمجرد دخوله المدرسة الابتدائية، ولكن من حسن الحظ أن رياض الأطفال سمحت بحضور مرن حسب ظروف الوالدين والطفل.
قبل أن أدرك ذلك، مرّ الوقت وحلّ شهر أكتوبر.
كان الخريف قد حلّ بكامل بهائه، مع نسيم عليل يهب، والمنظر من النافذة مزين بأوراق القيقب الملونة.
ولأن اليوم كان الأربعاء، وهو اليوم الذي يقضيه ليني معي في البيت، وكانت الأجواء رائعة، وضعت الأطفال في العربة وخرجنا للتنزه.
وبما أنه كان فصل الخريف، فقد كان ضوء الشمس أكثر دفئًا.
جلس ليني في عربة الأطفال، مشيرًا بحماس إلى أوراق الخريف المتدلية من أعالي الأشجار .
"بابا! الأوراق حمراء."
"نعم، أوراق الخريف حمراء جميلة. وهناك أوراق صفراء هنا أيضاً."
تبادلنا الأحاديث الدافئة في تلك النزهة القصيرة، وعند عودتنا، تناولنا جميعًا خبز التفاح بالقرفة ذو الرائحة العطره كوجبة خفيفة.
وسط أجواء الخريف التي تملأ المكان، وصلت شحنة كبيرة من الكتب كهدية من دار النشر التابعة لإيفان.
رغم أنني انتهيت بالفعل من تصوير مقطع الفيديو الخاص بترشيحات الكتب الذي طلبه إيفان بشكل شخصي، إلا أنه لم يفتتح مكتبته الإلكترونية بعد، لذا لم أتمكن من رفعه على يوتيوب.
ولكن في المقابل، حظي الفيديو الإعلاني لدار نشر "براون هاوس" الذي رفعته الشهر الماضي بتفاعل جيد، مما جعلهم يرسلون لي عملاً جديدًا هذا الشهر أيضًا.
وكما حدث في الشهر الماضي، تسلمتُ أولاً ملف PDF للمجلة الدورية لدار النشر، بالإضافة إلى الملفات المتعلقة بالكتاب الرئيسي الذي سأقوم بالترويج له. وعلاوة على ذلك، تلقيت عشرة كتب إضافية هذا الشهر أيضًا، تماماً كما في الشهر الماضي.
"بهذا المعدل، يبدو أنني حقا سأصبح ثريًا بالكتب "
"ولكن هذا يجعلك تبدو وكأنك تدرس فجأة، أليس كذلك؟ لا تخبرني أنك مجبر على قراءة كل هذه الكتب لتصنع الفيديو؟"
"ليس الأمر كذلك تمامًا. مع ذلك، اعتقد أنه يجب عليّ قراءة هذا لإظهار ولو قليل من الصدق... ألم تشاهد الفيديو الذي رفعته في المرة الماضية؟"
"لقد ألقيت نظرة سريعة على الملخص وقمت بتسريع الفيديو."
تحدث غريغ بثقة دون أدنى خجل، بينما سعلت كاساندرا بحرج وأدارت وجهها بعيدًا.
كلاهما يكرهان الكتب بشكل واضح.
حسنًا، لم يكن ذلك يهم على أي حال. كانت دار النشر قد وضعت خطوطًا إرشادية واضحة ومحددة لعملية المونتاج، لذا كنت أتولى الأمر بنفسي.
فالنص مكتوب بالكامل، وزوايا التصوير والصور المطلوب إدراجها متوفرة ومحددة، لذا حتى أنا، الذي لم أقم بأي عملية تحرير مؤخراً، تمكنت من إخراج الفيديو بشكل جيد للغاية.
وبالطبع، يظل شرائي لبرنامج التحرير والحاسوب المحمول الجديد باستخدام النقاط سرًا لا يعلمه أحد.
وحتى لو لم يكن الاثنان مهتمين بالأمر، كان عليّ أن أضمن استمرار حصول هذا الفيديو على نسب مشاهدة عالية لكي يستمر المعلن في إعطائي أعمالاً كل شهر، لذا لم يكن بوسعي التهاون أبدًا.
بعد أن اخترت كتاباً نحيفًا يمكنني قراءته بسرعة، دخلت غرفة اللعب وألقيت بنفسي على أريكة البين باج.
وقبل أن أبدأ بقراءة الكتاب بجدية، راقبت الأطفال لبعض الوقت.
"لماذا تُعطي الأرنب الجبن دائمًا يا لوكا؟"
بدا ليني منهكاً من اللعب مع لوكا، فاستلقى على جانبه واشتكى لأخيه الأصغر.
لكن لوكا أمسك بقطعة الجبن بإحكام ونظر إلى أخيه بتعبير عن العناد.
"اوونغ".
"همم……."
تنهد ليني بخفة أمام عناد لوكا، ثم نهض وجلس وكأنه حسم أمره تمامًا.
"صحيح! في الواقع، قد يرغب الأرنب في تناول الجبن أيضاً!"
أخذ ليني قطعة الجبن من يد لوكا ووضعها بثبات بجانب الأرنب.
"وااو!"
لقد استسلمت أخيرًا يا ابني الأكبر. ولكن لا أظن أنه من الجيد إعطاء الجبن للأرانب على أي حال.
"إذن لندع القرد يأكل الجزرة! وليأكل الجرو البلوط!"
"هاه!"
سمعت صوت تدمير السلسلة الغذائية للنظام البيئي، لكنني تجاهلت ذلك وبدأت أقرأ بجانب الأطفال، مُظهِراً تركيزاً خارقاً.
طرق، طرق.
عندما وصلت إلى منتصف الكتاب تقريبًا، طرق غريغ نافذة غرفة الألعاب.
التفتُ نحوه، ففتح النافذة بوجه محمر بدا عليه الحماس قليلاً.
"جون. لقد انتهيت من إعداد قائمة التشغيل الموسيقية مدتها 45 دقيقة."
"أوه."
طوال الشهر الماضي، كنت أستغل أوقات فراغي لتسجيل عزف الغيتار والكورال، ولكنني لم أكن أعلم كيف ستبدو النتيجة النهائية بالكامل، لذا شعرت ببعض الحماس والتشويق.
لا داعي للجلوس أمام الشاشة للاستماع... سأقوم بتشغيلها الآن، واستمع إليها جيدًا لتخبرني إن كان هناك أي جزء يزعجك أو يحتاج لتعديل.
"حسنا."
وسرعان ما ملأت الموسيقى المبهجة والدافئة، المناسبة تماماً لفصل الخريف، المكتب بأكمله.
عندما رأيت الأطفال يلعبون بألعابهم ويهزون رؤوسهم في منتصف ذلك، بدا الأمر وكأن الأغنية قد تم اختيارها بشكل جيد حقاً.
جلستُ لبعض الوقت أستمع إلى الموسيقى، ثم نهضت من مكاني. فكرتُ أنه بإمكاني تحضير الغداء الآن.
وبينما كنت أنهض من مقعدي، أدار ليني رأسه فجأة وسأل.
"هاه؟ بابا إلى أين أنت ذاهب؟"
"سيقوم بابا بتحضير الغداء الآن. هل هناك شيء تريد أن تأكله يا ليني؟"
"آها!"
تظاهر ليني بالتفكير للحظة، ثم فتح ذراعيه على مصراعيهما وصاح.
"أي شئ!"
لا يا صغيري. من أين تعلمت هذه الإجابة السيئة؟
"ولكن المشكلة الآن تكمن في مقطع الفيديو الذي سيندرج تحت قائمة التشغيل هذه."
تحدث غريغ بقلق بعد أن أخذ قضمة كبيرة من الهوت دوغ وارتشف قليلاً من صودا الليمون المنعشة.
"فكرت في وضع صور ثابتة فقط، لكنني تراجعت عن الفكرة سريعًا. أشعر أن هذا لن يملك الجاذبية الكافية لجعل المشاهدين يستمرون في متابعة الفيديو."
"ماذا عن فيديوهات أدائنا؟ أم أنك ترى أنها مكررة ومستهلكة؟"
"أجل. قد يشعر الناس بالملل والتكرار لذا فضلت تجاوزها. كما أن تبديل مناظر الخريف الطبيعية وراء بعضها البعض يبدو أمرًا عاديًا أيضًا…"
توقفنا عن تناول الطعام لبعض الوقت وغرقنا في التفكير، وفجأة، تقدمت كاساندرا، التي كانت تأكل سلطة الكرنب بجانب الشطيرة، باقتراح غير متوقع
"ما رأيك بتصوير فيديو موسيقي خريفي مع جون في دور البطولة؟"
رغم أن كاساندرا كانت موظفة شغوفة وموهوبة للغاية، إلا أنها كانت تطلق أفكارًا غريبة كهذه من حين لآخر.
"لا أظن أن هذا خيار مناسب."
"ولماذا؟ استغل هذه الفرصة وخض تجربة التمثيل!"
"لا تطلقي الأفكار هكذا دون تفكير…"
"أنا لا أطلقها دون تفكير. لم نرفع مؤخرًا العديد من مقاطع الفيديو التي تظهر فيها بوضوح يا جون. أشعر أن شيئًا كهذا سيكون رائعًا ومميزًا"
"همم……."
بينما كنت أقطع التفاح كتحلية للأطفال وأطعمهم قطعة قطعة بالتناوب، خطرت في ذهني فكرة رائعة فجأة.
"كاساندرا. هل لا يزال عرض فانيسا بشأن تصوير فيديو مشترك قائمًا؟"
أشرقت عينا كاساندرا.
"بالتأكيد! في الواقع، كنت أتساءل متى ستفتح هذا الموضوع. لقد كنا مشغولين للغاية بافتتاح المكتب والاستقرار هنا لدرجة أننا لم نجد فرصة للحديث عن الأمر. جون، إن كان بوسعنا تصوير فيديو مع فانيسا، فعلينا اقتناص الفرصة حتمًا!"
"إذن، ما رأيكم في هذا؟"
اقترحتُ فكرة محتوى يمكننا من خلالها ضرب عصفورين بحجر واحد وتصوير مقطعي فيديو في يوم واحد.
"محتوى يحقق لنا فائدة مزدوجة…"
"يا صاح، هذه العبارة تجعلك تبدو كعجوز حقًا."
"ماذا، يبدو أنك ترى في كل ما أقوله أسلوبًا عجوزًا."
"حسنًا، جون يملك هذا الجانب فيه بالفعل إلى حد ما."
حتى كاساندرا توافقه الرأي. تابعت الشرح بوجه يحمل ملامح الامتعاض الخفيف
"هذا المكان هنا، حيث نتناول الطعام. يمكننا تنسيقه وتزيينه بشكل أفضل، ثم دعوة فانيسا لحضور حفل عشاء، ونصنع مقطع فيديو للطهي أثناء إعداد وجبة العشاء هذه"
"آه... ثم نقوم بدمج فيديو الحفلة هذا مع قائمة التشغيل الموسيقية؟"
"أجل. ألن يكون ذلك رائعًا؟ سيظهر الفيديو بشكل طبيعي ومبهج، ويحمل تفاصيل بصرية جميلة وجذابة للمشاهدين."
وعلاوة على ذلك، سيظهر وجهي بشكل مناسب وتلقائي، وتتمكن فانيسا من المشاركة في الفيديو دون أن تشعر بالكثير من الضغط أو التكلف.
"سأقوم بالتواصل معها على الفور!"
ركضت كاساندرا إلى جهاز الكمبيوتر المحمول وهي تحمل طبق الهوت دوغ الذي كانت تأكله، وبعد تلقيها ردًا إيجابيًا سريعًا، حددت موعدًا على الفور.
"جون. تسأل فانيسا إن كان بإمكاننا دعوة ميلو أيضًا؟ يبدو أن هذا المجال صغير حقًا يبدو أنهم يعرفون بعضهم البعض. أعتقد أن هذه ستكون فكرة جيدة، ولكن ما رأيك يا جون؟"
"…ميلو؟"
شعرت بأن الاسم مألوف عليّ من قبل، ولكن من يكون يا ترى؟
يبدو أن ملامح الحيرة بدت واضحة تمامًا على وجهي، فاستدركت كاساندرا قائلة بملامح تحمل بعض التعجب
"ميلو براون! خبير التجميل الذي التقينا به أثناء تصوير كتاب الوصفات!"
"آه..."
حتى بعد استماع الشرح، احتجت لثوانٍ لأستحضر صورته في ذاكرتي.
سرعان ما تذكرت الرجل ذو مكياج العينين الحاد والقوي، الذي قام بتثبيتي على كرسي الصالون.
"آه، ذلك الشخص… ذلك الشخص مُرهِق بعض الشيء..."
لم يكن شخصًا سيئًا على الإطلاق، ولكن إن سألتني إن كنت أرغب في رؤيته مجددًا، فسيكون من الصعب عليّ الإجابة بنعم قاطعة.
ولكن كاساندرا كانت حاسمة ومنطلقة كعادتها
"حسنًا. سأرسل الرد بالموافقة."