"عزيزتي"
"هل أنتِ بخير؟"
فزع غريغ وهرع على الفور إلى جانب رايتشل، بينما نهضتُ أنا وكاساندرا من مقعدينا بسرعة لنطمئن عليها.
لم تستطع رايتشل الإجابة، بل اكتفت بإغماض عينينها بشدة بينما تمسك بطنها بيد والمكتب باليد الأخرى.
يبدو أن ألم الصداع أو الانقباضات باغتتها بمجرد محاولتها النهوض من مكانها.
ومرت لحظات ثقيلة وهي على هذه الحال.
ثم أخذت رايتشل تنظم أنفاسها رويداً رويداً وقالت إنها بخير الآن.
لكن العرق البارد كان يكسو جبينها، بينما ظل وجهها شاحباً.
وسرعان ما دخلت إلى دورة المياه بمساعدة غريغ الذي كان يسندها.
تحدثت كاساندرا إلى جريج، الذي كان يسير ذهاباً وإياباً بقلق أمام الباب، كما لو كانت تحاول تهدئته.
"لقد قالت رايتشل إنها بخير، فلا تقلق كثيراً. من الطبيعي جداً الشعور بآلام مفاجئة في هذه الفترة."
ثم هزت كاساندرا رأسها قائلة بأن فترة الحمل تصاحبها آلام ظهر، وصداع، بل وحتى آلام أسنان، ويمكن أن يتألم كل عضو في الجسد دون استثناء.
"كم بقي على موعد الولادة المفترض؟"
"أسبوعان. لذا كنتُ أخطط لألا تأتي إلى العمل ابتداءً من الغد."
"لا بد أن يكون الأمر صعباً على رايتشل أن تستريح لمدة أسبوعين كاملين دون أن تفعل أي شيء."
لكن رؤيتها تتألم بهذا الشكل جعلتني أتسائل ما إذا كان أسبوعان كافيين حقاً.
كان الأجدر بها أن تضع العمل جانباً وتفرغ ذهنها بالكامل لترتاح حتى موعد الولادة.
"غريغ، حان وقت المغادرة، خذ رايتشل إلى المنزل الآن. من الأفضل أن تغادرا قبل أن تكتظ الشوارع بالزحام."
أومأ غريغ برأسه وتجهز للمغادرة، بينما سألته كاساندرا باستغراب
"ألم تنتقلا للعيش معاً بعد؟"
"عقد شقة رايتشل لم ينتهِ بعد، لذا ننقل الأمتعة تدريجياً. كما أنها فضلت البقاء في مكان مألوف بالنسبة لها طالما أنها قادرة على الحركة بمفردها……"
بعد غيابهما، رتبتُ أنا وكاساندرا الأمور وغادرنا المكتب في وقت مناسب.
فالأطفال يتعبون أكثر من المعتاد في الأيام التي يخرجون فيها.
……بالطبع، في يوم مثل اليوم الذي حظيا فيه بقيلولة طويلة، سأكون أنا الوحيد المرهق.
وبالفعل، كان الطفلان بمزاج عالي الطاقة أثناء وقت الاستحمام، وكأن اللعب بالماء حفلة ممتعة.
"بيييييو! فوااا!"
أسقط ليني طائرته البلاستيكية في الماء، ثم جعلها تقلع مجدداً.
"فوااااا بيييييو!"
وبينما كنتُ أتأمل قدرته التعبيرية الحافلة، لم يكن لوكا الذي يرش الماء بجانبه أقل حماساً.
"آ! أوا!"
واليوم أيضاً، شوهدت البطة الصفراء المسكينة وهي تتخبط و تصارع الأمواج في محاولة يائسة للخروج من الماء.
وبعد أن تمكنت أخيراً من غسل الأطفال الذين لم تكن لديهم نية للاستحمام، قمت بلف كليهما بإحكام في منشفة كشرنقتين.
ونقلتهم بسلام إلى السرير لألبسهما ملابسهما وأجفف شعرهما.
كلمة "بسلام" هنا تعني أنني لم أتعرض لركلة في الوجه أو الرأس، وأن الصغيرين لم يضربا بعضهما بأطرافهما الثائرة.
وبمجرد أن انتهى ليني من تغيير ملابسه وارتداء بيجامته، أفلت من قبضتي، وتدحرج على السرير، واختبأ خلف الوسادة الواقية، وقام بمناداة لوكا.
"أنا هنا! لستُ هنا!"
"كياااا!"
ومع ذلك، فإن مشاهدة الصغير وهو يتلوى ويضحك تمامًا مثل شقيقه الأكبر الذي يشع طاقة مشرقة يزيل عني التعب..... كان هذا كلاماً قبل ثلاثة أشهر.
أما الآن، رؤيتهما يدوران حول السرير و يتقافزان فوق الوسائد الواقية كأنهما يقفزان فوق الأسوار، جعلتني أرغب في البكاء قليلاً.
كان السرير الضخم يهتز بشدة بسبب لعبة "أمسك بي إن استطعت" التي يلعبها الأخوان، بينما كنت أستند برأسي على حافة السرير وأشعر بصداع يتسلل إلي.
"……"
لن يناما بهذه الطريقة إطلاقاً.
وبصفتي أباً أصبح أكثر خبرة مقارنة ببضعة أشهر مضت، استسلمتُ بوضوح، والتقطتُ الطفلين واحداً تلو الآخر ووضعتهما على سجادة اللعب في غرفة الألعاب. على الأقل هنا لا يوجد خطر السقوط أثناء اللعب.
ولمثل هذه الأيام التي أحتاج فيها إلى تشتيت انتباههما بالكامل، أخرجتُ لعبة جديدة كنت أخبئها للظروف الطارئة.
"بابا، ما هذا؟"
ماذا عساها تكون؟ إنها الورقة الرابحة لوالدك.
"هذه لعبة حلقات الماء. أتريان هذه الحلقات العائمة في الماء؟ تضغطان على هذا الزر لتعليق الحلقات على الأعمدة."
كانت لعبة كلاسيكية بسيطة، لكنها بالنسبة للطفلين كانت بمثابة عالم جديد تماماً.
ولماذا تسمى الألعاب الكلاسيكية كلاسيكية؟ ذلك لأنها مسلية بما يكفي لتبقى في الذاكرة حتى مع مرور الوقت، لذلك فقد صمدت لفترة طويلة دون أن ينساها الناس.
وكما توقعت، سرعان ما صب ليني ولوكا تركيزهما على اللعبة.
وضعا كفيهما على الزر وأخذا يضغطان عليه بجدية، مستمتعين برؤية الحلقات وهي تتطائر في كل الاتجاهات.
"إذن العبا بمهل، سيذهب بابا للإستحمام، اتفقنا؟"
"ببا!"
يبدو أن ليني لم يسمع كلماتي حتى، بينما كان لوكا هو الوحيد الذي رد.
رغم أنني لستُ متأكداً ما إذا كان يرد على كلامي أم يصرخ متفاعلاً مع اللعبة. الأرجح أنه الخيار الثاني.
دخلت الحمام وتركت الباب مفتوحاً على مصراعيه.
نظفتُ مكان استحمام الطفلين سريعاً، وأنهيت الاستحمام بسرعة، ثم خرجت.
تحسباً لأي طارئ، كنت أخرج رأسي من خلف ستارة الحمام بين الحين والآخر لأستمع إلى الأصوات، لكن الطفلين لم يباليا بوجودي أو غيابي إطلاقاً.
وبعد أن أخذتُ نفساً عميقاً واستمتعتُ بالماء الدافيء، خرجتُ لأجدهما يتبادلان أطراف الحديث الطفولي بينما يواصلان الضغط على زر اللعبة.
ورغم أنهما لم يفلحا في إدخال حلقة واحدة حتى الآن، إلا أن هذا التفصيل لم يكن مهماً بالنسبة لهما على الإطلاق.
واستغليت الفرصة لتجفيف شعري، ثم تجولتُ في غرفة المعيشة لترتيب البيت.
وعندما تفقدتُ الساعة، كانت تشير إلى التاسعة مساءً.
أعتقد أنه حان الوقت لإدخالهما إلى السرير وبذل بعض الجهد لتنويمهما.
طرقتُ باب غرفة الألعاب ببطء وتحدثت إلى الأطفال.
"حسناً يا صغاري، يكفي لعباً ولنذهب للنوم."
"لوكا، اضغط الزر أسرع قليلاً، هكذا!"
"إيا!"
ولا حتى التفاتة واحدة من أحدهما.
خطوتُ نحوهما وسحبتُ اللعبة من بين أيديهما، لترتفع نظراتهما معها فوراً.
"بابا!"
"اااه!"
نهض ليني بسرعة وأمسك بساقي ماداً يديه نحو اللعبة. بينما استند لوكا إلى ساقي بكل طاقته لينهض، ثم رفع رأسه يحدق بي بملامح عابسة.
يا إلهي. بدا وكأنني ألقيتُ نظرة خاطفة على مدى العناد الذي سأواجهه منهما عندما يكبران.
رفعتُ ساقي التي يتشبث بها ليني ببطء وبدأت أخطو خطوات ثقيلة دون إجابة.
وسرعان ما فهم ليني اللعبة، فأطلق ضحكة وهو يتشبث بقوة بساقي.
فتح لوكا عينيه بوسعهما وشَدّ جسده، ثم فهم فكرة "التشبث بالأب" وانفجر هو الآخر ضاحكاً.
كان كلاهما يلتصق بي بقوة ، مما جعلني أشعر بجدوى التغذية الجيدة التي حظيا بها طوال الفترة الماضية.
وعندما وصلتُ إلى غرفة النوم، ألقيتُ اللعبة على السرير.
ترك ليني ساقي وركض صاعداً درج السرير الصغير ليمسك باللعبة مجدداً.
وتبعه لوكا بجدية وهو يزحف صاعداً الدرج، ثم استلقى بجانبه.
استلقيتُ أنا أيضاً بجانبهما على جانبي وأخذتُ أراقبهما وهما يلعبان.
بعد نحو 20 دقيقة، سيبدأ النعاس في مداعبة أجفانهما و يغفوان من شدة النعاس.
وعندها سأضع كلاً منهما في مكانه وأواصل الحديث معهما، ليستجيبا لي بتمتمات غير مركزة حتى يغطا في نوم عميق.
"……."
استيقظتُ فجأة بشعور من الفزع. ونظرتُ تحت الإضاءة الخافتة لضوء الليل لأجد الطفلين يغطان في نوم هادئ.
يا إلهي، هل غلبني النوم قبلهما مجدداً؟
وبشعور يمزجه الذهول، جلستُ ببطء وهززتُ رأسي لأستعيد وعيي.
"……."
ولكن انتظر، من أطفأ نور الغرفة إذن؟
وقع نظري على كتاب القصص المصورة الموجود أسفل مفتاح الإضاءة. لا بد أن ليني قد أطفأ الضوء.
أطلقت ضحكة مكتومة رغم حالة الشتات التي كنتُ فيها
تأملتُ لوهلة وجهي الصغيرين النائمين تحت الضوء الذي كان يسطع ويخفت بشكل متكرر كما لو أن ضوء النجوم يتنفس.
ورأيت اللعبة بين يدي لوكا، فهل يعني هذا أن ليني تنازل لشقيقه عن اللعبة في اللحظات الأخيرة؟
شعرتُ بشعور طفيف بالفخر وأنا أرى الصغيرين ينامان بمفردهما وبشكل مستقل في مكانيهما.
لقد كبرا قليلاً وأصبحا ينامان بشكل ممتاز. أبنائي أولادٌ صالحون جداً.
غطيتُ الصغيرين باللحاف جيداً، ثم مددتُ يدي بعفوية نحو الهاتف لتفقد الوقت.
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة بقليل.
أعتقد أن الأمر كان سيكون متشابهاً إلى حد كبير سواء كنتُ أعاني من أجل جعلهم ينامون أو أن أنام أولاً.
زززززز.
استلقيت مجدداً لأحاول النوم عندما رنّ هاتفي. كانت رسالة من غريغ.
- جونا.
……ما هذه الرسالة الغريبة؟ هل هو ثمل أم ماذا؟
وفكرتُ في تجاهلها ظناً مني أنه يود قول شيء لا فائدة منه، لكن انتابني شعور غير مريح، فرددتُ
- ما الأمر؟
- جيد أنك لست نائماً. في الحقيقة، أنا في المستشفى الآن.
اختفى النعاس تماماً.
اعتدلتُ في جلستي فوراً وسألته عما حدث.
وعلمتُ منه أنه تلقى اتصالاً قبل بضع ساعات يفيد بأن رايتشل تعاني من انقباضات الولادة، فهرع إلى شقتها وتوجه إلى المستشفى.
ألم تقل بوضوح سابقاً إن أمامها أسبوعين تقريباً؟ هل حدث شيء سيء؟
وعندما سألتُه عن ذلك، تأخر غريغ في الرد لفترة طويلة.
وعندما وصلني رده أخيراً، أوضح أن الوضع ليس خطيراً.
- آسف، حدثت بعض الفوضى هنا. الموعد مبكر عن المتوقع بالفعل، لكن الأطباء قالوا إن هذا أمر طبيعي. الانقباضات تأتي وتذهب حالياً.
أضاف غريغ أنه كان يجدر به مراسلتي في الصباح، واعتذر عن إيقاظي.
- لم أكن في وعيي من شدة الارتباك. ولسوء الحظ أن المنزل كان خالياً تماماً اليوم.
بالفعل، لا بد أنه كان مرتكباً جداً ليدفعه الأمر لمراسلتي في هذا الوقت.
ولحسن الحظ، وصل بقية أفراد العائلة الآن والأمور بخير.
لم يكن حضوري سيقدم أي مساعدة فعلية، ولم يكن من السهل الذهاب بسبب الأطفال، لكنني طلبتُ منه الاتصال بي في أي وقت إذا احتاج إلى أي شيء، ثم استلقيتُ مجدداً.
وبعد ذلك، قضيتُ بقية الليل في نوم متقطع وغير مريح، وحتى عندما حل الصباح ونهضتُ، لم أتسلم أي رسالة تفيد بالولادة.
هل الأمور بخير حقاً؟ أخفيتُ قلقي وأطعمتُ الأطفال، ثم أوصلتُ ليني إلى الروضة وتوجهتُ إلى العمل.
وعندما أخبرت كاساندرا بالقصة كاملة، بدت قلقة، لكنها قالت إن الأمور ستكون على ما يرام.
"الولادة الأولى ليست سهلة أبداً. أنا شخصياً استغرقتُ 24 ساعة كاملة لألد تشارلي."
"هل يجب أن أذهب إلى المستشفى الآن؟"
سألتُها وأنا عاجز عن اتخاذ القرار، لكن كاساندرا هزت رأسها رافضة
"نحن لسنا من العائلة المباشرة. و ليس بوسعنا فعل الكثير حتى لو ذهبنا، وعائلتها متواجدة بالفعل لذا لا بأس. بل على العكس، حضورنا قد يسبب لرايتشل إحراجاً وضغطاً رغم امتنانها لنا."
بدا كلامها منطقياً، فاكتفيتُ بالانتظار، حتى وردني اتصال من غريغ.
"أهلاً غريغ."
انقبض قلبي عند سماع صوت البكاء، بدلا من الرد على تحيتي.
لكن الكلمات التالية التي سمعتها جعلتني أطلق لا شعورياً تنهيدة ارتياح.
[إنها صغيرة جداً ومجعدة…… لكنها في غاية الجمال.]
أخبرني غريغ أن الطفلة أبصرت النور للتو.
وأنه طُرد من الغرفة مؤقتاً بواسطة الممرضات لكثرة بكائه، بينما تجلس والدة رايتشل بجانبها الآن.
وبدا لي أنني أسمع صوت والدة غريغ تتحدث بشيء ما خلف الخط.
وكان بإمكاني تخيل ما تفكر فيه تقريباً؛ فلابد أن والدي غريغ ورايتشل يشعران وكأن طفلين هما من أنجبا طفلة!
على أي حال، أُزيح هم كبير عن صدري.
تبادلتُ مع كاساندرا نظرات الارتياح والبهجة، وسألتُ عن حال رايتشل.
[أجل، عزيزتي تبدو مجهدة جداً، لكن الطبيب قال إنها بخير وبصحة ممتازة.]
بعد حديث قصير، قدمتُ له التهاني مجدداً وأنهيتُ المكالمة. فلابد أنه مشوش الأفكار تماماً الآن.
وبعد فترة وجيزة، استلمتُ رسالة أخرى منه
- رايتشل سألتني للتو عما إذا كنت قد أبلغتك بأنها لن تتمكن من الحضور للعمل اليوم.
أطلقتُ ضحكةً جوفاء دون أن أُدرك ذلك. أجبتُ وأنا أفكر في رايتشل، التي تبدو وكأنها مستعدة للعودة للعمل غداً إن أمكنها ذلك.
- نهنئها على الولادة الآمنة والطفلة السعيدة! وأبلِغها أنني سأطردها فوراً إذا أقدمت على الحضور للعمل خلال الشهرين القادمين.
بعد إرسال الرسالة، بدأتُ العمل بمزاج خفيف ومبتهج، لكن كاساندرا طلبت مني الاستفسار عن اسم المولودة، فأرسلتُ رسالة أخرى. وجاءني الرد بعد قليل
- سابرينا. إنه اسم يعني الأميرة.
كان اسماً جميلاً. أتمنى أن أتمكن من مقابلتها قريباً.
ابتسمت كاساندرا ابتسامة مشرقة فور رؤيتها للرسالة
"يمكنني أن أرى بوضوح أي نوع من الآباء سيكون عليه غريغ."