أعدت الأغراض إلى الصندوق، ورتبتها بشكل أنيق.
لا أدري حقاً لماذا أحضرتُ هذا الصندوق من الأساس.
لا، بل كان إحضاره هو القرار الصحيح. فربما يأتي يوم يبحث فيه لوكا أو ليني عن هذه الأشياء، وواجبي يقتضي أن أحتفظ به في مكان آمن حتى أسلمه لهما في الوقت المناسب.
رغم أنني لا أرغب في فعل ذلك.
"……."
أغلقتُ غطاء الصندوق ووضعتُ يديّ فوقه، ثم أطلقتُ تنهيدة مكتومة.
على الرغم من أنني أعرف عقلياً أن هذا التصرف لا يجوز، إلا أنني أجد نفسي أستمر في التصرف بتفاهة.
فكل ما يحتويه هذا الصندوق يمثل جذور الطفلين……
وحتى إن كانا لا يتذكران، فإن واجبي يفرض عليّ أن أروي لهما بدفء كم كان والداهما يحبانهما.
لكنني أجد في نفسي كراهية شديدة لأن تتشكل لدى أطفالي، من خلال ألبوم الصور ذاك، مشاعر وذكريات لا أستطيع مشاركتها معهم.
تلك الصور الموجودة في الداخل ستعيد إلى الأذهان ذكريات الأطفال المنسية…
وقد لا يعي لوكا الأمر الآن، لكن ليني سيضع في داخله حداً فاصلاً بيني وبين والديه الحقيقيين.
وأنا أكره ذلك.
أكره ذلك بشدة.
أعلم أن هذه أنانية بحتة و جشع مني، وأدرك تماماً أن حقيقة وجود والدين آخرين لهما هو أمر واقع لا يمكن إنكاره.
لكنني أخشى، عندما يكبر الطفل ويصل إلى مرحلة المراهقة، أن ينظر إلى هذه الصور ويتذكر أنني مجرد غريب لا تربطني به صلة دم، ثم يحمل هذا الألبوم عندما يبلغ الثامنة عشرة ويغادر المنزل دون أدنى تردد أو تفكير.
……ولأن ليني طفل طيب القلب، ربما لن يدير ظهره بقسوة، لكنه قد يرسم خطاً في قلبه بهدوء. وهذا ما يثير خوفي أكثر من أي شيء آخر.
"مهلا، ما بك؟ هل هناك خطب ما؟"
ربما أطلتُ الجلوس ورأسي منحني فوق الصندوق، فدفع غريغ كرسيه واقترب مني وهز كتفي برفق.
"……لا شيء."
"صوتك أجش وخافت. ماذا حدث؟"
"ما الأمر؟ هل هناك خطب ما؟"
حتى كاساندرا نهضت من مقعدها ونظرت إلى هذا الاتجاه بقلق.
"……."
عجزتُ عن إيجاد أي إجابة، وطال صمتي، لكنهما لم يستعجلاني وانتظرا بصبر.
لم يكن هذا أمراً أستطيع إخفاءه باستمرار عن أشخاص أراهم يومياً، كما لم يكن لديّ أي مكان أهرب إليه.
……في الحقيقة، ألم أفتح هذا الصندوق وأنا بينهما لأنني كنتُ أعلم بيقين أنني بحاجة إلى أشخاص بجانبي لأبوح لهم بأسراري
ربما أدركتُ غريزياً أنني لن أستطيع تحمُّل هذا العبء بمفردي، فجهزتُ نفسي لطلب المساعدة قبل أن أجرؤ على فتح الغطاء.
ظننت أنه من خلال الاستماع إلى نصيحة موضوعية من منظور طرف ثالث، والاعتراف بأفكاري الداخلية التافهة، وتلقي التوبيخ المستحق، قد أتمكن من التخلص من القلب المثقل الموجود في هذا الصندوق وإعادة ترتيب مشاعري.
بطبيعة الحال، عندما سمعا التفاصيل كاملة، بادراني بالتوبيخ.
"هل أنت أحمق يا رجل؟"
"جون، هل جننت؟"
"……."
لكن لم يكن هذا هو الاتجاه الذي توقعته.
ظننتُ أنهما سينتقدان ضيق أفق تفكيري وأنانيتي، لكنهما أخذا يتحسران على غبائي الشديد.
" يا إلهي، لو سمع الأطفال ما يدور في خاطرك يا جون لشعروا بحزن شديد!"
"بالضبط! هل يجب عليك أن تظهر للجميع بوضوح أنك كبرت دون أصدقاء أو عائلة إلى هذا الحد؟"
ضربت كاساندرا ظهر غريغ بكفها
"غريغ، رغم أن كلامك صحيح، إلا أنه قاسٍ بعض الشيء!"
"أعلم، لكن الصديق الحقيقي يجب أن يخبرك حتى بالأشياء المؤلمة والقاسية."
"……."
استمعتُ إلى حديثهما في صمت. لم تجرحني كلماتهما اللاذعة، بل على العكس، بدأ شعاع صغير من الأمل يتسلل إلى قلبي.
فإذا كنتُ أنا الأحمق الغبي وأن كل مخاوفي وتفكيري العقيم لا قيمة لها، فهذا أمر يدعو للارتياح حقاً.
"نحن نرى بوضوح كم يحبك الأطفال، فهل تتجاهل مشاعرهما نحوك بأفكارك هذه؟"
مستحيل أن أفعل. فأنا أعلم أكثر من أي شخص آخر كم يحباني.
"جون، حتى لو كبر الطفل ووصل إلى مرحلة المراهقة وحدثت بعض الخلافات مع والديه، فإن الرابطة بين الوالدين والطفل لا تنقطع فجأة هكذا. ثم إن 'الوالد' ليس فقط من يشاركك الدم، بل هو من يربيك ويعتني بك."
"حتى موظف في السوبر ماركت تتكون بينك وبينه ألفة إذا رأيته لعدة سنوات، فما بالك برابطة العائلة، هل تظن أنها تنقطع بهذه السهولة؟"
"هذا صحيح. فضلاً عن أن الوقت الذي سيقضيه الأطفال مع جون في المستقبل أطول بكثير من الوقت المدون في ذلك الألبوم."
واصلتُ الاستماع إلى كلامهما دون حديث.
وشعرتُ بالصخرة الثقيلة التي كانت تستقر على صدري تتلاشى وتختفي ببطء.
شعرتُ برغبة في البكاء، لكنني لم أفعل.
فلم تعد هناك حاجة للبكاء بعد الآن.
"يبدو أنني كنتُ أحمقاً فحسب."
"بالطبع نحن لا نجهل المشاعر التي تحدثتَ عنها يا جون، ولكن هذه هي الحقيقة."
كلمة "هذه هي الحقيقة" وقعت على مسامعي بامتنان عميق.
إذن هذه هي الحقيقة.
الأطفال يحبونني حقاً، وأمامنا الكثير من الوقت لنقضيه معاً، ونحن عائلة بالفعل……
كم أنا ممتن لأن الحقيقة هي كذلك.
بعد أن عاد ليني من الروضة، ناديتُه بينما كان يلعب مع لوكا وأجلسته على حجري.
"ليني. لقد أحضر بابا شيئاً من الراهبة. هل نلقي عليه نظرة معاً؟"
بهذه الكلمات، وبينما كنا نفتح غطاء الصندوق، أشار ليني فوراً إلى الأزواج الثلاثة من الجوارب الموجودة في الأعلى.
"آه، آه! أنا أتذكر هذا! إنها لـ لوكا!"
"نعم، هذا صحيح."
حاولتُ ضبط نبرة صوتي وأجبتُ بابتسامة، وتحدث ليني وهو يقفز من فرط الحماس.
"بابا! ألبِس هذه الجوارب للوكا!"
"ممم…… ليني، أظن أن هذه الجوارب أصبحت صغيرة جداً على لوكا الآن."
ولأنني أدركتُ بشكل مبهم، مشاعر والدين لم تتح لهما فرصة أن يلبساها طفلهما ولو مرة واحدة، لم أستطع مواصلة الحديث.
فمن يستطيع أن يفهم ألم قلب لم يتمكن من منح الحب الذي كان يظن أن منحه أمر طبيعي؟
لكن لحسن الحظ، لم يبدُ أن ليني يشعر بمثل هذا الندم أو الحزن العميق.
فقد نظر ليني نحو لوكا الذي كان يلعب خلف نافذة غرفة الألعاب بتعبير خيبة أمل، ثم قال فجأة بملامح متفتحة وكأنه عثر على الحل الصحيح
"آه! إذن يمكننا إعطاؤها لسابرينا! سابرينا عمرها شهر واحد فقط! قدمها صغيرة، أليس كذلك؟"
"آه..."
"صحيح، هذا سينجح!"
أجاب غريغ نيابة عني بابتسامة، وسحب كرسيه للاقتراب ومسح على رأس ليني برفق
"ليني الرائع يفهم الأمور جيداً! في العادة، عندما يكبر الأخ الأكبر، تنتقل ملابسه وأحذيته إلى الإخوة الأصغر."
"آها، هكذا إذن!"
ضحك ليني بخفة، ثم رفع رأسه فجأة ونظر إليّ متسائلاً
"إذن، هل سيرتدي لوكا ملابسي لاحقاً أيضاً؟"
ابتسمت قليلاً وقمت بقرص خده برفق بإحدى يدي.
"أظن ذلك. إذا كان ليني قد كبر كثيراً لدرجة أن ملابسه لم تعد تناسبه، فيمكن للوكا أن يرتديها."
فتح ليني فمه وأغلقه، ثم أمال رأسه كما لو كان يفكر في شيء ما
"وماذا عني أنا؟ هل سأرتدي ملابس بابا؟"
لم أستطع منع نفسي من الضحك بصوت عالٍ أمام مخيلته الطفولية اللطيفة
"سيشتري لك بابا ملابس جديدة دائما يا ليني. وسأصنع لك ملابس بالتصميم الذي تحبه، مثل ذلك القميص الذي يحتوي على مركبة النجوم."
"واو، هذا رائع!"
أخذ ليني يهز كتفيه بفرح، لكنه التفت فجأة نحو لوكا وهمس بصوت خافت
"ولكن سيكون من الجيد أن نشتري ملابس جديدة للوكا أيضاً."
"بالطبع، سنشتري للوكا ملابس جديدة بين الحين والآخر أيضاً."
"نعم!"
بعد هذه الكلمات، نهض ليني مسرعاً من حضني.
ورغم أنه لم يرَ الأغراض المخبأة تحت الجوارب بعد، يبدو أنه لاحظ زحف لوكا نحو برج المكعبات الذي بناه بجهد.
شاهدت أنا وغريغ ليني وهو يشتت انتباه لوكا ويمنع البرج المبني بعناية من الانهيار.
"……أعتقد أنني سأتوقف عند هذا الحد اليوم."
رغم أنني أعددتُ نفسي ذهنياً، لم يكن هناك داعٍ لاستدعاء الطفل الذي كان يلعب بسعادة، لأريه الأشياء الموجودة في الصندوق.
ربما في ظهيرة يوم مشمس ودافئ.
بينما نتناول وجبة خفيفة ولذيذة، سنستعرض ذكرياته معاً.
وبينما أفكر في ذلك، مد غريغ يده وأخذ زوجاً من الجوارب ووضعه على كفه متأملاً
"إذا كنتَ لا تمانع، سأكون سعيداً حقاً إن ألبستُ سابرينا هذه الجوارب. وأعتقد أن رايتشل ستسعد بذلك أيضاً. ما رأيك؟"
"……لا أدري."
رغم أنني حسمت أفكاري بشأن ألبوم الصور، إلا أنني أقف عاجزاً أمام هذه الأغراض المادية.
هل يجدر بي الاحتفاظ بها كما هي؟ أم أن الجوارب مجرد جوارب ومن الصواب تركها تؤدي وظيفتها؟
لا أعلم. ربما لأنني لست المالك الأصلي لها. فتداخُل الحزن والحيرة يمنعني من التفكير بشكل واضح.
أعلم أنه يجب عليّ اتخاذ قرارات شجاعة ومدروسة بشأن مستقبل الأطفال، لكنني لا أزال أجهل الحد الذي يجدر بي التدخل عنده فيما يخص ماضيهم.
وبينما غرق ذهني في أفكار لا تنتهي، أعادني صوت غريغ الهادئ إلى الواقع مجدداً
"سبب بقاء هذه الجوارب حزين ومؤلم …… ولكن، هل تعلم ما قاله لي والدي سابقاً؟"
رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها والده، كما أذكر أن والدته تزوجت مجدداً العام الماضي.
"آه، قبل طلاق أمي وأبي، كنت أسترق السمع أحياناً لحديثهما في غرفة المعيشة. على أي حال……"
نظر غريغ حوله لفترة وجيزة كما لو كان يسترجع لحظة من طفولته، ثم هز رأسه.
"بالتفكير في الأمر الآن، لا أظن أن والدي هو من ابتكر هذه المقولة. إنها عبارة شائعة يتردد ذكرها كثيراً. تلك التي تقول إن الحزن هو قدر من بقيَ على قيد الحياة."
"……هذا صحيح."
فالحزن والوحدة كلاهما من نصيب من يبقون على قيد الحياة.
وربما لا نفكر بهذه الطريقة إلا لنخفف شيئًا من عبء الحزن عن أنفسنا، نحن الباقين.
ولكن إذا تذكرنا أننا نحن من سنحمل عبء الحزن ، وأن الراحلين يستطيعون المغادرة بقلوب مطمئنة و خفيفة، فلعل ذلك يخفف عنا شيئًا من ثقل هذا الحزن.
أليس البشر يميلون دائماً نحو التفكير الذي يخفف أعباء قلوبهم؟
وبما أننا لا نستطيع أن نفهم مشاعر من رحلوا على أي حال، فإن إقناع أنفسنا بأنهم لا يشعرون بالحزن يجعل قلوبنا الآن أفضل حالاً.
فهمت ما كان غريغ يحاول قوله. ولكن…
"……لا أدري. لماذا أجد نفسي أجهل الكثير من الأمور؟"
خفضتُ رأسي مجدداً وأخذتُ أتأمل جوارب الأطفال الصغيرة على كف غريغ.
تارة يخطر ببالي أنه ينبغي عليّ إعادة هذه الأغراض إلى أليسيا، وتارة أخرى أرى أن مواجهتها بهذه الاغراض وهي لا تستطيع تحمل ماضيها لدرجة أن تنتابها نوبات عند رؤية لوكا، تعتبر قسوة مفرطة.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل الأم تسلمني إياها بدلاً منها. بل ربما لم تكن لتسلمها لي على الإطلاق لو لم أسأل عنها.
بالنسبة للشخص الطبيعي، فإن الاحتفاظ بالممتلكات أو التخلص منها بنفسه يساعده على تجاوز ذكرياته، لكن أليسيا ليست في حالة تسمح لها بذلك.
ورغم أنني لم أسألها بصراحة ولم أعرف التفاصيل الدقيقة، ولكن من خلال تجميع القصص التي سمعتها، بدا أن أليسيا تحاول تدريب نفسها على دفن كل شيء حتى تتمكن من العيش مستقبلاً.
ولأن التذكر يسبب لها ألما لا يُطاق، فهي تبذل قصارى جهدها لعدم استحضار الماضي والتركيز الكامل على ما هو أمام عينيها في الحاضر فقط.
تستيقظ صباحاً لترتب غرفتها، تغتسل، تتناول الطعام، ثم تصلي بتركيز.
تنظف، تقوم بالأعمال الصغرى التي تحتاجها الكنيسة، تأكل مجدداً، تنظم المائدة، وتغسل الأطباق.
تعمل وتصلي حتى لا يكون لديها وقت للأفكار الشخصية، وإذا ما تسلل إليها الألم رغم ذلك، تستعين بالدواء.
بالطبع لم أشهد هذا بنفسي، وإنما هي تخمينات تستند إلى طبيعة حياتها.
وأظن أنها تأخذ جرعة أكبر من الدواء في عطلات نهاية الأسبوع عندما لا تملك جدول أعمال ملزمة به. فأليسيا التي أراها في عطلة نهاية الأسبوع تكاد تكون مجردة من التعابير والمشاعر، على عكس اليوم الأول الذي رأيتها فيه.
"……."
لم أطلب تفاصيل علاج أليسيا لأنه لم يكن بيدي شيء أقدمه، بل إن الأصح القول إنني لم أرد المعرفة لأن حضورها كان يشكل عبئاً عليّ.
إذن، بخلاف أليسيا، كيف يجب عليّ أن أتصرف وأنا القادر على حسم مشاعري وترتيبها، رغم صعوبة ذلك؟