بينما كنت جالساً أفكر فيما يجب فعله، تحدثت كاساندرا دون أن ترفع عينيها عن الشاشة.

"جون، أنا لا أحاول الدعوة إلى البساطة، لكنني أريد أن أخبرك أن الهوس بالممتلكات المادية ليس ذا معنى كبير."

"نعم؟"

"أنا أيضاً احتفظتُ بملابس تشارلي الصغيرة في المخزن لسنوات طويلة في البداية. لكن الأغراض كانت تتراكم باستمرار حتى أدركتُ أنني لا أستطيع الاستمرار على هذا النحو. وفي النهاية اضطررتُ لتصفية كل شيء؛ تبرعتُ بالقطع الجيدة وتخلصت عن البقية."

"آه..."

واصلت كاساندرا موضحة أن مقتنيات الأطفال تتزايد تلقائياً مع مرور الوقت

"وإذا كانت هناك أغراض تزيد من إحساسك بالحزن وتجعلك تتذكر الذكريات المؤلمة، فالأفضل التخلص منها دون تردد. فالطفل لن يبالي بها أصلاً، وفي النهاية ستظل تحتفظ بها حتى وفاتك ليأتي شخص آخر ويرميها، أليس كذلك؟"

"...هذا صحيح."

"إذا استمر الشيء في لفت انتباهك ورأيت أنه من الجيد أن تعرضه على طفلك لاحقًا، فإن التقاط صورة له سيكون كافيًا."

……هل هذا صحيح؟ هل تفي الصور بالغرض حقاً؟

فكرت في الأمر قليلاً، وسرعان ما اتخذت قراري.

لقد ساعدتني كلمات كاساندرا الحازمة بالتأكيد في تنظيم أفكاري.

أرسلتُ أزواج الجوارب الثلاثة التي لم يستطع لوكا ارتدائها مع غريغ عند مغادرته للعمل لتكون من نصيب سابرينا.

أما ألبوم الصور الذي يحمل ذكريات ليني وعائلته، فقد وضعته في رف الكتب بالمنزل إلى جانب ألبومات الصور الأخرى.

"……"

في ظهر يوم مشمس، وبعد أن يكبر الطفل قليلاً، وإذا ما عبر عن حنينه للماضي فجأة، سنفتح هذا الألبوم معاً.

فمرور الوقت كفيل بتهدئة المشاعر وتخفيف حدتها لدى الكبار والصغار على حد سواء.

تماماً كما أصبحتُ أولي اليوم الذي أقضيه مع الأطفال والمستقبل الذي سنبنيه معاً أهمية أكبر بكثير من اشتياقي لعائلة قديمة لا أذكرها حتى……

ليني أيضاً يجدر به أن يملأ قلبه بالغد الذي سيمشيه مع من حوله الآن، بدلاً من التشبث بذكرى من لا يستطيع استكمال الطريق معهم.

فلا يمكن لأحد أن يتقدم إلى الأمام وهو يواصل الالتفات إلى الخلف.

نعم، يبدو أن هذا هو القرار الصائب.

وبعد أن رتبتُ تلك الأغراض وتخلصت من ترددي، شعرتُ براحة وانشراح كبيرين في صدري.

راحة مكنتني من إنجاز الروتين المسائي الشاق مع طفليّ دون أدنى عناء، كما أعتدت دائماً.

ثم……

"آه، آه! مبابا، ووا!"

"ليني لا يفهم ما تقوله يا لوكا. لذا سألعب باللعبة اليوم."

يا إلهي.

عندما رأيت ليني يستجيب بجفاء لثرثرة لوكا الملحة، علمت أنه لن يكون من السهل تنويم الأطفال الليلة.

وأثناء مراقبتي لشجارهما الصغير، تساءلتُ بيني وبين نفسي عن سبب هذا الشعور المختلط بالامتنان والفراغ في آن واحد.

"بابا!"

يبدو أن لوكا شعر بعجزه عن التعامل مع الأمر بمفرده، فالتفت إليّ فجأة يستنجد بي.

لكن ليني لم يكن خصماً سهلاً اليوم أيضاً.

"بابا! لوكا يلعب باللعبة بمفرده طوال الوقت."

مؤخراً، أصبح الضغط على أزرار لعبة الحلقات المائية جزءاً من الروتين اليومي للطفلين قبل النوم.

في العادة، كانا يتشاركان الضغط على الأزرار معاً ثم ينامان، أو يتنازل ليني عن اللعبة لصالح لوكا قبل النوم. لكن يبدو أن ليني لم يكن يرغب في التنازل الليلة.

هل كان عليّ شراء لعبتين……؟

كان القول لـ ليني "أنت الأخ الأكبر وعليك التنازل" أمراً غير منصف لأن ليني قد قدم بالفعل العديد من التنازلات، ولم أرد أن أجعله يتنازل دائمًا من أجل شقيقه الأصغر لمجرد أنه الأكبر.

أما بالنسبة لـ لوكا……

إذا قلتُ له "لقد لعبتَ باللعبة لليالٍ أكثر، لذا دعنا نعطه لأخيك اليوم"، فإن الكلمات الوحيدة التي سيفهمها من هذه الجملة هي "اللعبة" و"أخوك".

ومهما كان ما أقوله، فلن يرسخ في ذهنه سوى فكرة "بابا أخذ مني اللعبة وأعطاها لأخي".

في هذا الموقف، لم يكن هناك سوى حل واحد. مددت يدي إلى ليني.

"ليني، أعطِ بابا اللعبة"

سلمني ليني اللعبة بوجه عابس.

مدّ لوكا يده نحوي، لكنني تجاهلته.

ولأن بقائي على السرير كان يعني اندفاع لوكا نحوي ، وقفتُ أمامهما متأهباً.

وبينما تسلطت عليّ أنظار الطفلين معاً، استندتُ بظهري إلى الجدار وبدأتُ الضغط على أزرار اللعبة.

"……مابا!"

صرخ لوكا بنبرة توحي بالاعتراض وكأنه يقول "ماذا تفعل؟"، لكنني واصلتُ التجاهل.

"بابا هل ستلعب باللعبة ؟"

وسألني ليني باستغراب، فأجبته بنبرة مجردة من الانفعال

"أجل. بابا يريد اللعب اليوم، لذا سألعب بمفردي طوال الليل."

استغرق ليني خمس ثوانٍ محاولاً استيعاب هذا الموقف الغريب بعد سماع إجابتي، ثم انفجر غاضباً

"……بابا طماع!"

نزل ليني مسرعاً من السرير وتعلق بساقي ومد يده نحو اللعبة، لكن هذا كان مبكراً عليه بعشر سنوات.

"وواانغ! آه!"

تبع لوكا أخاه إلى أسفل الدرج وتعلق بالساق الأخرى، لكن…

"نعم، وأنت يا لوكا، هذا مبكر عليك بأربع عشرة سنة."

"موبا!"

مشيت في حلقات دائرية حول غرفة المعيشة والطفلان معلقان بساقيّ حتى خفتت أصواتهما.

ورغم أن كلا الطفلين احتجا بصوت عالٍ، إلا أنهما لم يملكا سوى التعلق بساقيّ بأجسادهم الصغيرة.

في مرحلة ما، ضحك ليني قليلاً، إذ وجد الموقف مسلياً، أما لوكا، الذي كان متشبثاً بالساق بكل قوته، فقد نسي أمر اللعبة وكان يصارع النعاس.

وعندما غرق الاثنان في نصف نومة، وضعتُ اللعبة جانباً وجلستُ على ركبتيّ وفتحت ذراعيّ.

فارتمى الصغيران في أحضاني في الوقت نفسه.

استند لوكا برأسه على كتفي ونام فوراً بمجرد أن ضممتُه، بينما همس ليني بكلمات غير مفهومة ثم غرق في النوم هو الآخر.

وبعد أن دُرتُ بهما في الغرفة مرتين أخيرتين، وضعتهما على السرير، وفي تلك اللحظة أرسل غريغ صورة.

كانت الصورة لجوارب صغيرة على قدمي سابرينا الصغيرتين، وتبدو في غاية اللطف والجمال.

*

في صباح اليوم التالي.

كلانغ!

بينما كنت أطعم الأطفال الإفطار كالمعتاد، ألقى لوكا ملعقته على الأرض بوجه عابس، كما لو أن شيئًا ما كان يزعجه.

"لوكا. ألم يخبرك بابا ألا ترمي الملعقة؟"

لم يكن يفعل ذلك مؤخراً.

وبينما كنتُ أعاتبه برفق وألتقط الملعقة، ألقى لوكا بالصحن هذه المرة.

سقط الصحن البلاستيكي محدثاً صوتاً عالياً ودار حول نفسه على الأرض.

"……."

لحسن الحظ أن لوكا كان قد أنهى طعامه تقريباً فلم يتطاير الشيء الكثير.

لكن هذا لم يغير حقيقة أن عليّ مسح الأرضية.

"لا، ظننتُ أننا قطعنا شوطاً جيداً في ضبط سلوك الطعام، ليعود الأمر هكذا مجدداً……"

"ععنغ……"

بينما كنت أتذمر وأمسح الأرض، تمتم لوكا بوجه عابس، كما لو كان غير راضٍ عن شيء آخر.

أما ليني فقد وضع الملعقة في فمه وأخذ ينظر بيني وبين لوكا يحاول تقصي الأجواء.

أطلقت تنهيدة عميقة وأنهيت تنظيف الأطباق والملاعق.

ثم رفعتُ الطفل الذي لا يزال يبدو غاضباً من كرسيه وحضنته.

"ما بك يا لوكا؟ ألم يكن الطعام جيداً اليوم؟ رغم أنك أكلته بالكامل."

"عععنغ……!"

بدا وكأنه يريد الصراخ، فأبعدتُ الجزء العلوي من جسدي قليلاً ونظرتُ إليه.

وبعد ثلاث ثوانٍ بالضبط، بدأ لوكا بالبكاء من شدة الانزعاج.

"وااااه!"

ولم أدرك أن هناك خطباً ما إلا بعد أن بدأ لوكا يحرك أطرافه بذعر ويبكي.

هل هو متألم في مكان ما؟

وضعتُه على الأريكة وفحصتُه بسرعة من رأسه إلى قدميه لأرى إن كان هناك أي جرح.

مررت أصابعي في شعره لأتأكد من عدم وجود أي نتوءات، وخلعت ملابسه لأبحث عن أي كدمات.

"هييييينغ..."

وبينما كنت أفحصه في كل مكان، بدأ بكاء لوكا يقل تدريجياً.

وبالنظر إلى هذا، لا يبدو أنه مصاب بأي جرح ظاهري……

"لوكا، جسمك ساخن."

كان جسد لوكا أدفأ من المعتاد. هل يُعقل أن يكون هذا هو سبب انخفاض بكائه قليلًا بعد أن خلعت ملابسه؟

لكن الجو كان بارداً، لذلك لن أتمكن من إبقاءه بدون ملابس باستمرار.

أحضرتُ قميصاً ناعماً و بارداً ولففتُ به جسده ثم أخذتُ أربت عليه في أحضاني.

وبينما أهدئ لوكا الذي يشهق، أنزلتُ ليني الذي كان يتابعنا بصمت من كرسيه.

سأل ليني بنظرة قلقة على وجهه.

"هل لوكا مريض؟"

"أجل، يبدو أن لوكا مريض قليلاً. لكن لا بأس طالما أن بابا بجانبه، لذا لا تقلق يا ليني واستعد للذهاب إلى الروضة."

"حسناً."

بينما كان ليني يرتدي ملابسه ويستعد بمفرده، قمت بفحص درجة حرارة لوكا.

تنفستُ الصعداء بعد أن تبين أن الحرارة لم تصل إلى مستوى يستدعي القلق الشديد بعد.

"هيينغ……"

ومسحتُ بانتظام على ظهر لوكا ومواساته، بينما كان يكتم دموعه بوجه حزين ومرهق.

وكما هو حال جميع الرضع، كان لوكا يصاب أحياناً بالحمى دون سبب واضح.

وفي بداية تربيتي له، كنتُ أهرع به إلى المستشفى في كل مرة يحدث فيها ذلك……

لكنني لم أكن أسمع هناك سوى كلام الطبيب بأن هذا أمر طبيعي ومألوف لدى الرضع.

"ستكون هذه مجرد حمى عابرة كالعادة. لا تقلق يا لوكا."

"……."

سواء كان منهكاً من البكاء والصراخ منذ الصباح، أو ربما لأن الطقس قد برد بعد أن كان حاراً، فقد أراح لوكا رأسه بهدوء على كتفي وغطّ في النوم.

*

لم أكن أعتقد أن قيادة السيارة مع وجود لوكا في المقعد الخلفي، والذي قد ينفجر بالبكاء مرة أخرى أو ترتفع حرارته، فكرة جيدة على الإطلاق.

تواصلتُ مع معلمة الروضة لأبلغها بتأخر ليني قليلاً، ثم انتظرتُ وصول غريغ إلى المكتب لأطلب منه إيصال ليني إلى الروضة.

جهّزتُ حقيبة ليني وربّت على على رأسه

"أنا آسف لأنني لن أستطيع إيصالك إلى الروضة اليوم. إذا ساءت حالة لوكا فسأضطر للذهاب به إلى المستشفى، لذا أرجو أن تتفهم الأمر اليوم فقط يا ليني."

"حسنا!"

أجاب ليني بصوت عالٍ، ثم غادر بشجاعة ممسكاً بيد غريغ.

وكأنما ليؤكد صحة قراري بعدم الخروج، استيقظ لوكا بعد ذلك بفترة وجيزة وبدأ بالبكاء مجدداً.

"هيييييييي..."

كم تمنيتُ لو كان يستطيع الإفصاح عما يؤلمه.

إن رؤية طفلي يتأوه من الألم ويبكي دون أن يقدر على الكلام تحزن قلبي بشدة.

مسحت جسد لوكا الذي لا يزال يعاني من حمى خفيفة بمنشفة دافئة، فخفت حدة بكائه قليلاً.

وهذه المرة لففتُ جسده ببطانية ناعمة وحملتُه، فأشار لوكا بأصبعه الصغير نحو مكان ما.

"هل تريد ذلك؟"

"هاه."

التقطت علبة مشابك الورق ذات الغطاء الأزرق التي أشار إليها وأعطيتها له.

أمسك لوكا العلبة بيد واحدة وفحصها، ثم ألقاها فوراً على الأرض.

فتناثرت المشابك في كل مكان.

كتمتُ تنهيدة في صدري، وأعدتُ التقاط القلم الذي أشار إليه بأصبعه هذه المرة ثم ألقاه، ثم الممحاة……

وفي لحظات، أصبحت الأرضية مبعثرة بشتى الأدوات المكتبية، مما جعل التنهيدة تفلت من صدري رغماً عني.

نظرتُ إلى لوكا، وأدار رأسه بعيداً.

...... من خلال رؤيته يتظاهر بالجهل، يبدو أنه يعلم أنه فعل شيئًا خاطئًا.

وبينما أتبادل لغة الصمت مع لوكا، دخلت كاساندرا إلى المكتب.

" يا إلهي، ما كل هذا؟"

"سأنظف كل شيء بعد قليل. حالة لوكا ليست على ما يرام اليوم……"

وبعد أن سمعت التفاصيل، أظهرت كاساندرا مهاراتها في التربية مرة أخرى اليوم، كما فعلت بالأمس.

"هممم…… أظن أنني أعرف سبب ذلك. هل من الممكن أن تكون أضراس لوكا قد بدأت بالظهور؟"

حقاً، أصحاب الخبرة يختلفون. لم يخطر ببالي حتى أن أنظر داخل فمه.

وضعت لوكا على الأرض وفتحت فمه لأتفحصه، وبالفعل، كانت الأضراس تشق طريقها عبر اللثة.

"لكن يقولون إن الأطفال الآخرين لا تخرج لهم الأضراس حتى يبلغوا من العمر 13 أو 14 شهرًا."

تحدثتُ بنبرة تحمل بعض الاستياء بعد بحث سريع، فضحكت كاساندرا

"معدل نمو الأطفال يختلف من طفل لآخر."

وبناءً على نصيحة كاساندرا بأن خافض الحرارة الخاص بالأطفال كان كافياً لتخفيف آلام التسنين لدى تشارلي، تحققتُ من الجرعة المناسبة وأعطيتُه الدواء.

وبعد مرور نحو 30 دقيقة، بدأ مفعول الدواء يسري؛ فانخفضت حرارة لوكا وعاد سلوكه إلى طبيعته المعتادة.

"يا للهول..."

"أبوا"

حملتُ الطفل الذي استعاد عافيته وتنهدتُ براحة، ثم استلقيتُ على الأريكة الناعمة في غرفة الألعاب، فضغط لوكا بكفه على وجهي.

"أنت…… هل تعلم كم قلق عليك بابا……"

"أبو."

ضممت لوكا بإحكام بينما كان يضحك ويسيل لعابه.

ألقيت بالبطانية التي كانت ملفوفة حوله، وأمسكتُ به وهو يزحف نحو اللعبة وهو يرتدي حفاضة فقط، ثم ألبسته ملابسه.

وبعد ترتيب الأشياء التي بعثرها، كان الصباح قد انقضى بأكمله.

استعدت أنفاسي وقمت بتحضير القهوة التي لم أستطع شربها هذا الصباح.

وكنوع من المكافأة لنفسي، وضعتُ قطعة كعك حلوة في فمي وبدأتُ البحث المكثف عبر الإنترنت عن آلام التسنين لدى الأطفال.

لقد دونت نصيحة مفادها أنه من المفيد إعطاء الطفل لعبة تسنين باردة للإمساك بها أو استخدام فرشاة أسنان باردة عند تنظيف الأسنان.

لكن لفت انتباهي منشور عن التربية أثناء البحث.

"كاساندرا، يقولون إن الأطفال يفقدون شهيتهم عندما يبدأون بالتسنين. هل كان هذا هو الحال بالنسبة لتشارلي أيضًا؟"

"بالطبع. كان يبكي رافضاً تناول الطعام، وبما أنه لا يأكل على الإطلاق، فإذا وضعت الطعام في فمه، فإنه يبصقه كله…… ألا يفعل لوكا ذلك؟"

"آه، اممم..."

2026/07/26 · 33 مشاهدة · 1871 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026