الأحد الأول من شهر ديسمبر.
عادة، كنتُ سأستيقظ متأخراً مع لوكا ونقضي اليوم بأكمله في الاسترخاء معاً، لكن اليوم كنا نتحرك منذ الصباح الباكر متجهين إلى استوديو أوليفير فليتشر.
آه، وبالطبع كان لوكا يغط في نوم عميق في المقعد الخلفي.
"أنا آسف لأنني جعلتكِ تتحركين معي في يوم الأحد يا كاساندرا."
"لا بأس. المشاهير عادةً ما يعملون بغض النظر عن أيام الأسبوع أو عطلات نهاية الأسبوع، أليس كذلك؟"
علمتُ أن لا فائدة من إخبارها بأنني لستُ من المشاهير، لذا غيرتُ الموضوع
"رغم ذلك، من المريح أنكِ استطعتِ ترك تشارلي في المنزل هذه المرة."
في الماضي، إذا أرادت كاساندرا الخروج في عطلة نهاية الأسبوع، كان عليها أن تترك تشارلي مع أحد الجيران.
أما الآن، مع وجود ديميتري وشقيقاته معه، لم يعد هناك ما يدعو للقلق.
"هذا صحيح. وجود عائلة تحميني يمنحني راحة بال أكبر بكثير مما كان عليه الحال عندما كنا نعيش بمفردنا."
في الواقع، كانت هذه التغييرات واضحة أيضاً على حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي.
فقد نشرت كاساندرا بالفعل الكثير من تفاصيل حياتها اليومية مع ابنتيها الجديدتين.
حيث غلب على منشوراتها أنشطة يومية صغيرة تجمع الأمهات والبنات المقربات كصديقات، مثل وضع مساحيق التجميل أو طلاء الأظافر معاً.
كان من الصعب تصديق أن هذه هي نفس الشخص التي تم إيقافها عن العمل سابقاً بسبب نشر مقاطع فيديو تحريضية من موقع الاحتجاجات على حسابها.
"ألا يشعر تشارلي بالغيرة لأن والدته تقضي وقتاً أطول مع أخواته الجديدات؟"
سخرت كاساندرا بضحكة خفيفة
"غيرة؟ تشارلي وديميتري منسجمان إلى درجة أن تشارلي لم يعد يبحث عني! يبدو أنه يحب وجود أب يلعب معه الألعاب الإلكترونية التي كنتُ أوبخه وأمنعه منها، ويصطحبه لمشاهدة مباريات كرة السلة."
"لا بد أن ديمتري سعيد أيضاً. سمعتُ أن بناته لم يكنّ يشاركنه مثل هذه الأنشطة."
"نعم، هذا صحيح. في الواقع... كنتُ أخشى أن يشعر تشارلي بغياب الأب كلما كبر في السن، لكنني أشعر بالارتياح الآن."
قالت كاساندرا إنها شعرت أخيراً بالاستقرار، وكأن الفصل الثاني من حياتها قد بدأ.
كان من دواعي السرور أن أرى الأشخاص من حولي يتجهون نحو الاستقرار في حياتهم، وليس أنا فقط.
تأملتُ المناظر الطبيعية غير المألوفة من النافذة للحظة، وتحدثنا عن جلسة التصوير التي ستجرى اليوم.
"إنه مقطع فيديو لفتح الهدايا المقترحة لمستلزمات الأطفال والعائلات، لكن ما السبب الذي جعله يطلب مني بثاً مشتركاً على وجه التحديد؟"
إذا كانت المنتجات برعاية شركة معينة، فمن المؤكد أن هناك الكثير ممن يبحثون عنها، مما يعني أن نسبة المشاهدات مضمونة حتى دون حضور ضيف.
"مجرد نشر فيديوهات فتح الهدايا يضمن لك المشاهدات، لكنه لا يميزك عن غيرك من مستخدمي يوتيوب المشابهين. ألا تعتقد أنه يفعل ذلك لأنه يريد تقديم محتوى أكثر تنوعاً؟"
ثم قالت كاساندرا إن أوليفر فليتشر ربما كان ذكياً.
"بصفته صاحب قناة تُذكر كثيراً جنباً إلى جنب مع قناتنا، ربما أراد إظهار من له اليد العليا، خاصة وأنه أكبر منك سناً."
"مستحيل."
فقناته تمتلك عدداً أكبر بكثير من المشتركين وتاريخاً أقدم بكثير من قناتنا.
"لا تأخذ الأمر بهذه السطحية يا جون. لقد بحثتُ في الأمر، واستغرق فليتشر وقتاً طويلاً جداً لجمع هؤلاء المشتركين. لذا من المرجح أن فليتشر يفكر بطريقة مشابهة لي. بل لا، بما أنه يعمل في هذا المجال منذ فترة أطول، فهو يعلم أسرار اللعبة أفضل؛ ويعلم أن جون الذي جمع نصف مليون مشترك بسرعة، سيلحق به ويصل إلى حاجز الـ 800 ألف في وقت قصير."
"همم……."
عندما سمعتُ ذلك، بدا كلامها منطقياً. لو كنتُ مكانه ورأيتُ وافداً جديداً يوشك على اللحاق بعدد المشتركين الذي جمعتُه بعد جهد سنوات، لربما شعرتُ بتهديد وحس من الخطر أيضاً.
"سأخبرك لكي تستوعب الأمر يا جون؛ ليس من السهل الوصول إلى هذا العدد من المشتركين وتأسيس استوديو يضم ثلاثة موظفين بعد فترة قصيرة من بدء قناتك على اليوتيوب. أنت حقاً مذهل."
هل هذا صحيح؟
عندما سمعت كاساندرا تتحدث بهذا اليقين، شعرتُ وكأن الأمر كذلك بالفعل.
"رغم أن الأمر يرجع للظروف والحظ الذي حالفني في الكثير من الأمور."
"الحظ مهارة يا جون."
فمقاطع الفيديو التي أعدها بمساعدة تطبيق "مانيتو" تحقق معدلات مشاهدة مستقرة بانتظام.
ومقاطع الفيديو القصيرة للأطفال اكتسبت شعبية هائلة مما أدى لقفزة كبيرة في عدد المشتركين، وبعدها ظهرتُ في شاشة واحدة مع فانيسا، المؤثرة الشهيرة التي تعرّفتُ عليها أثناء مشاركتي في كتاب الوصفات.
وهذه المرة، جذب مقطع زفاف كاساندرا المندرج تحت فئة "الأصدقاء" الكثير من المتابعين بفضل محتوى تصميم فستان الزفاف.
كما أن قوائم التشغيل الموسيقية التي يعدها غريغ اكتسبت شعبية، مما أعطى دفعة قوية لمشاهدات مقاطع حانة "ليمون سوب".
ومع تبادل أطراف الحديث، مر الوقت سريعاً.
وفي تلك اللحظة، صدر صوت نظام الملاحة يعلن الاقتراب من الوجهة.
في البداية، بدا لي الطريق طويلاً عندما قيل إنه يستغرق ساعة ونصف، ولكن عندما أفكر في الأمر، بدت مصادفة مدهشة أن يكون هناك صانع محتوى تربوي آخر يتواجد بالقرب منا إلى هذا الحد.
"ولكن كيف عرف أوليفير فليتشر أنني أقيم بالقرب من هنا؟"
"ربما كان يعرف حانة 'ليمون سوب'، أو ربما يعلم أن فانيسا تقيم في هذه الأنحاء؟"
"بالتفكر في الأمر، هذا وارد. ولكن هذا يدعو للقلق قليلاً."
إذا كان هناك أحد بين المشتركين في قناتنا يعيش في الجوار، فلن يكون من الصعب عليه اكتشاف موقع منزلنا.
وقد أضطر للانتقال إلى منزل آخر مستقبلاً إذا زادت شهرة القناة أكثر.
"لكن المبنى الذي تقيم فيه يقع في البلدة القديمة وهي منطقة تتمتع بأمن جيد، أليس كذلك؟ ألا يتواجد حارس أمن دائماً في الطابق الأول من المبنى؟"
"أجل، هناك مكتب إدارة وغرفة حراسة مشتركة."
في الأصل، هي منطقة هادئة، ويعرف الجيران بعضهم البعض، لذا فهي آمنة نسبياً.
خرجت السيارة من الطريق السريع ودخلت حياً هادئاً.
كان الجو مختلفاً تماماً عن المنطقة التجارية التي توقعتُها.
"……حي سكني؟ هل الاستوديو هو منزله الخاص؟"
"ليس كذلك، ولكنني أعلم أنه يستأجر منزلاً عادياً لاستخدامه كاستوديو تصوير. وبصفته صانع محتوى متخصص في التربية، فربما وجد أن الديكور المنزلي هو الأنسب."
"آه، تبدو فكرة جيدة. أليس هذا هو المبنى الذي يقف أمامه العديد من السيارات؟"
"العنوان…… صحيح، هو ذاته. من الخارج لا يمكن معرفة أنه استوديو على الإطلاق."
ركنتُ السيارة في مكان مناسب أمام المنزل، وما إن تواصلتُ معهم حتى خرج أوليفير برفقة أحد الموظفين يحمل كاميرا للترحيب بنا.
هل سنبدأ التصوير فوراً دون اجتماع تحضيري؟
نزلتُ من السيارة وأنا أحمل بين ذراعيّ لوكا الذي ما زال نائماً
"أهلاً بك يا جون!"
صافحني أوليفير فليتشر ورحب بي بحرارة وكأنه صديق قديم.
وكما كان الحال مع فانيسا، كان صوت أوليفير أعلى بكثير مما يبدو عليه في مقاطع الفيديو.
ربما شعرتُ بذلك لأنني لا أستطيع التحكم في مستوى الصوت بنفسي هنا.
شعرتُ وكأن طاقتي تُستنزف منذ البداية، ولكن على أية حال.
تذكرتُ نصيحة كاساندرا بعدم الاستسلام للرهبة، فاستقمت بظهري وكتفي واستجبتُ للمصافحة.
"أهلاً بك. شكراً على دعوتك."
"آه، ومن تكون هذه السيدة……"
سأل أوليفير وهو ينظر إلى كاساندرا التي نزلت من مقعد السائق بعد المصافحة.
"هذه كاساندرا، إحدى أعضاء فريق الاستوديو لدينا."
تبادل أوليفير التحية والمصافحة مع كاساندرا بابتسامة دافئة ودودة.
"هل هذا الطفل الصغير الذي يشبه دب الباندا هو طفلك الثاني يا جون؟"
سأل أوليفير بعد التحية وهو يشير إلى أذني الباندا الموجودة على غطاء رأس بيجامة لوكا.
ورغم إلباسه معطفاً سميكاً وقبعة فوق البيجامه، إلا أن أذني الباندا كانتا تتسببان في انزلاق القبعة باستمرار.
"أجل. إنه لم يستيقظ بالكامل بعد."
"فهمت. آه، صحيح! الجو بارد في الخارج، تفضلوا بالدخول أولاً!"
دخلنا المنزل برفقة أوليفير، فإذا به مجهز تماماً وكأنه موقع تصوير فيلم عن عيد الميلاد أو ديكور استوديو تسوق منزلي للميلاد.
أكاليل عيد الميلاد الحافلة تزيّن الدرج، وأضواء الميلاد ممتدة بطول الممر.
وإلى جوار المدفأة المشتعلة، تقف شجرة ميلاد ضخمة وتحتها أكوام من صناديق الهدايا.
كانت جميعها مغلفة بأشرطة كبيرة وورق تغليف زاهٍ مما نراه في الإنترنت، لذلك اعتقدت أنها قد تكون المنتجات التي تم استلامها كرعاية اليوم.
وفوق المدفأة، وُضعت صور الأطفال إلى جانب درع يوتيوب الفضي .
"……."
في تلك اللحظة، خطرت ببالي حقيقة واحدة.
قناتنا لم تتقدم بطلب للحصول على الدرع الفضي بعد.
فقبل تغيير اسم القناة من "ورشة جون" إلى "حياة جون"، أجلتُ الطلب وسط التردد والتفكير، ثم نسيته تماماً بعد ذلك.
نظرتُ دون قصد إلى كاساندرا، فبدا أنها تذكرت الحقيقة ذاتها.
وبينما تملكنا الذهول والارتباك الخفيف من هذه الحقيقة غير المتوقعة، أرشدنا أوليفير نحو الأريكة ثم نادى بصوت عالٍ نحو الطابق العلوي
"شيرلي، ماكس! لقد وصل الضيوف، انزلا لترحبا بهم!"
دا دا دا دا… … !
سُمع صوت وقع أقدام عالية قادم من الطابق الثاني.
وسرعان ما ركضت طفلة في السادسة أو السابعة من عمرها، وطفل أصغر منها بسنتين أو ثلاث سنوات، قادمين من الدرج.
كان الطفلان مصففي الشعر ويرتديان ملابس أنيقة وكأنهما في جلسة تصوير لملابس الأطفال، وأشارا نحو لوكا وصاحا
"واااو، إنه طفل! كم عمره؟"
"إنه باندا صغير!"
يبدو أن الصوت العالي وراثة في هذه العائلة.
وبسبب هذا الصوت الصاخب، فتح لوكا، الذي كان ينام بنصف عين، عينيه واسعتين بذهول.
ثم رفع رأسه وأخذ ينظر حوله وكأنه يسأل: "أين أنا؟"، قمت بتعريفه على شيرلي وماكس
"صغيري، نحن في زيارة لمنزل أصدقائنا. هذه الأخت شيرلي وهذا الأخ ماكس."
عندما وجهتُ وجه لوكا نحوهما، صاحت شيرلي وماكس بصوت مرتفع
"وااو! إنه لطيف جداً!"
"إنه باندا أشقر!"
كان الطفلان مليئين بالحيوية والنشاط…… وإذا أردتُ الصدق، كانا يقفزان بحماس مفرط وصخب شديد.
حاول أوليفير السيطرة عليهما والحد من صخبهما، لكن دون فائدة تُذكر.
"……."
وعلى العكس من طفليّ أوليفير المتحمسين للغاية، كان لوكا يتأمل الوضع بملامح عابسة.
يبدو أن صراخ أطفال يراهم للمرة الأولى قد أزعجه.
فتشارلي وليني يتحدثان معه بهدوء دائماً، ولم يسبق لهما الصراخ حتى عندما كانا يلعبان بحماس.
أدار لوكا رأسه بعيداً بعدم اهتمام واستند على كتفي.
"يبدو أن الطفل لا يحبنا."
ابتسمت قليلاً للأطفال الذين بدوا محبطين وتحدثت إليهم.
"ربما لأنه في مكان غريب ومع أشخاص يراهم للمرة الأولى. لا يزال يشعر ببعض الخجل من الغرباء."
بمجرد أن انتهيت من الكلام، سألني ماكس فجأة.
"ما معنى الخجل من الغرباء؟"
"يعني أنه يجد صعوبة في التعامل مع من يراهم للمرة الأولى."
"حقاً؟ لا يبدو أنه يجد صعوبة، بل يبدو أنه يكرهنا! يا صغير، هل تكرهنا؟"
دار ماكس خلف الأريكة ليتحدث مع لوكا مجدداً، بينما حدقت شيرلي فيّ بتمعن وسألت
"لكن لماذا أنت والد الطفل يا عم؟ أنت آسيوي؟ هل أنت والده الحقيقي حقاً؟"
وهنا تدخل أوليفير بنبرة حازمة
"شيرلي، لقد شرحتُ هذا الأمر سابقاً. السيد جون هو الأب الروحي للطفل."
"آها! ولكن ربما تكون مخطئاً يا بابا!"
يا إلهي! هل يتحدث الأطفال في هذا السن بهذه الطريقة مع آبائهم؟
رفع أوليفير يده الكبيرة وغطى عينيه بذهول، وبينما كنتُ مندهشًا في داخلي، سألت شيرلي فجأة
"ولكن هل الآباء الروحيون دائماً من أعراق مختلفة؟"
"نعم؟"
تساءلتُ في نفسي عن المغزى من هذا السؤال ونظرتُ إلى أوليفير، فأجاب بملامح يملؤها الصداع
"لأن صديقي الذي يعد الأب الروحي لأطفالي رجل أسمر، يبدو أنها ظنت الأمر كذلك."
"آه، فهمت."
فكرة بريئة من طفلة صغيرة، يمكن اعتبارها لطيفة نوعاً ما.
وكان هناك شيء آخر مثير للضحك.
فحتى أوليفير الذي كان مليئاً بالطاقة، بدا وكأن طاقته قد استنفذت بالكامل لمجرد ركض طفليه واحتجاجهما الصاخب.
يبدو أنه لا شيء يستطيع كسر طاقة الكبار إلا الأطفال الصغار!
وفي هذه الأثناء، سمعتُ تمتمة ماكس من خلف الأريكة
"أشعر أن الطفل يشتمني بعينيه."
وقبل أن ألتفت لأجيبه بشيء، اقتربت شيرلي بوجهها مني وسألت فجأة
"ولكن لماذا أتيت إلى مقرنا السري يا عم؟"
يبدو أن الأطفال يعتبرون الاستوديو مقراً سرياً لهم.
"العم جون جاء اليوم لفتح الهدايا مع بابا، لقد أخبرتكِ بذلك البارحة أيضاً."
أجابت شيرلي بصوت مرتفع وابتسامة ماكرة.
"لأن بابا ربما يكون يكذب!"
وفي الوقت نفسه، سُمع صوت ماكس الباكي.
"الطفل شتمني مجدداً!"