بما أن الفيديو الذي صورته مع أوليفير يوم الأحد تزامن مع موسمه، فقد جرى تحريره بسرعة ونُشر يوم الخميس مباشرة.
مع أن الأمور بدت مضطربة ومشوشة بعض الشيء يوم التصوير،
إلا أن الفيديو الذي أرسله إليّ مسبقاً كان أنيقاً ومتقناً، لذلك لم يكن هناك أي شيء آخر نحتاج إلى طلبه.
والأمر المدهش هو أنه بمجرد نشره، وصلني عرض رعاية في الأسبوع التالي مباشرة.
لم تكن شركة الحبر نفسها التي راجعتُ منتجاتها مع أوليفير، بل علامة تجارية جديدة أُنشئت حديثاً.
"إصدار العطلات من أحبار روزافينيت (Rosafinete Ink Holiday Edition)."
رفع غريغ حاجبيه بدهشة وهو ينظر إلى الصندوق الذي تم تسليمه إلى الاستوديو
"انتظر يا جون! ألم تنتقد علامة الأحبار التجارية بشدة في مقطع أوليفير؟ ومع ذلك يأتيك عرض رعاية من شركة أحبار!"
"متى فعلتُ ذلك؟ كل ما أذكره أنني أبديتُ انطباعاتي الصادقة فقط."
ولكن يبدو أن تلك المراجعة الصادقة هي التي جلبت لي أرباحاً إعلانية وأحباراً جديدة لنقضي نهاية العام بدفء.
كان المبلغ الإعلاني الذي عرضته "روزافينيت" أقل بقليل من المتوسط الذي يتقاضاه صناع المحتوى ممن يملكون 500 ألف مشترك.
ولكن على عكس إعلانات منتجات الأطفال المتعددة التي اعتذرتُ عنها بحسرة حتى لا تتكرس صورة القناة في قالب محدد، كان هذا أول إعلان يأتيني خصيصاً لمجالي، لذا وافقتُ عليه دون تردد كبير.
صحيح أنني أصور مقاطع إعلانية شهرياً لدار "براون هاوس" للنشر ولمكتبة إيفان الإلكترونية، لكن هذا الإعلان له طابع مختلف، لذا سنضعه جانباً.
رفعتُ الصندوق الثقيل الملفوف بأناقة بشغف وأخذتُ أتفحصه من كل جانب، فقالت كاساندرا بنبرة تشبه التوسل
"جون، شركة روزافينيت تواصلت معنا بهذه السرعة لأنها بحاجة ماسة للدعاية. لذا يُفضل أن تقدم مراجعة إيجابية لإصدار العطلات الذي استلمته اليوم قدر الإمكان."
"سأحاول جاهداً. مبدئياً، التغليف يبعث على السرور وكأنه هدية شخصية. هل لكِ أن تتأكدي لي مما إذا كانت جميع إصدارات العطلات تُشحن بهذا التغليف؟"
"حسناً، سأتأكد. انطباعاتك الصادقة جيدة بالتأكيد يا جون، لكن ألا توجد نقاط قوة تتميز بها روزافينيت؟ فلنبرز تلك النقاط بأقصى قدر ممكن، اتفقنا؟"
"أجل يا كاساندرا، لا تقلقي. أنا أرى أن هذه العلامة التجارية جيدة جداً في الواقع."
نهضت من مقعدي بعد أن قلت تلك الكلمات.
فبما أنه إصدار خاص بالعطلات، كان عليّ نشر الفيديو بأسرع وقت ممكن.
ولكي أتمكن من التصوير بهدوء، كان من الضروري أولاً إجبار الطفلين على أخذ قيلولة، فدخلتُ غرفة الألعاب.
"يا صغاري، حان وقت القيلولة."
"ممم؟ بابا، لستُ نعساناً بعد."
قال ليني وهو يضع مجسم القطار الذي كان يلعب به مع لوكا على السكة
"يجب أن يبدأ بابا نويل بتوزيع الهدايا الآن."
"ممم، أليس من الأفضل أن يأخذ بابا نويل قيلولة هو الآخر قبل أن ينطلق؟"
"ممم……؟"
نظر إليّ ليني برأسه المرفوع وتعبير يملؤه الذهول والتعجب.
وبينما كنت على وشك أن أشرح أكثر، ظهر غريغ فجأة من الخلف.
أشار غريغ بذقنه وهو يدفعني خارج الغرفة.
"سألعب أنا مع الصغار، اذهب وافعل ما تريد إنجازه."
حدقتُ لبرهة في باب غرفة الألعاب الذي أُغلق أمامي فجأة، ثم حملتُ صندوق الأحبار بقلب مفعم بالحماس وتوجهتُ نحو غرفة العمل.
أنهيتُ تصوير المنتجات المدعومة التي استلمتُها يوم الأربعاء في اليوم نفسه، وبمجرد الحصول على موافقة بالنشر يوم الخميس، رفعتُ الفيديو في ليلة اليوم نفسه.
سارت الأمور بسرعة قياسية غير معتادة على الإطلاق.
ويبدو أن شركة "روزافينيت" كانت حريصة بدورها على رفع مبيعاتها في موسم عيد الميلاد.
وبالتفكير في هذا، أدركتُ مدى الكفاح والمشقة التي تخوضها الشركات الناشئة بين الشركات الكبرى في هذا الموسم تحديداً.
أشرق صباح الجمعة، وبعد وصولي إلى المكتب، تفقدتُ عدد المشاهدات وتفاعلات الجمهور وأطلقتُ تنهيدة ارتياح.
رغم أنه لم يمضِ يوم كامل بعد، إلا أن التفاعل لم يكن سيئاً لحسن الحظ.
"رغم أن عيد الميلاد في الأسبوع القادم بالفعل، إلا أنني أتمنى أن يشتري الناس المنتج ولو للاقتناء الشخصي."
"أظنهم سيفعلون ذلك. بالنظر إلى هذا الإصدار، يبدو أن روزافينيت أولت اهتماماً بالغاً بالتصميم والمكونات. وإن اعتبرها المرء هدية لنفسه، فلن تكون مشكلة كبيرة إن تأخر التوصيل يوماً أو يومين عن عيد الميلاد."
"هذا صحيح."
نظرتُ بفخر إلى زجاجات الحبر الجديدة التي ما زالت تحتفظ بالشريط المربوط حول أعناقها بين بقية زجاجات الحبر الأخرى.
"أتمنى أن ينتهي هذا العرض بنجاح. وعندها قد تطرح روزافينيت إصداراً جديداً في كل موسم، وقد يمنحوننا إعلانات في كل مرة."
تماماً كشركة الحلوى تلك التي تمنح إعلاناتها لـ أوليفير باستمرار مع كل منتج جديد منذ أن كان أطفاله صغاراً؛ سيكون أمراً رائعاً حقاً إن زاد عدد المعجَبين والرعاة الذين يسيرون معنا باستقرار.
"بالصدفة، يبدو أن كل الإعلانات التي قمتُ بها مرتبطة بالمجال الأدبي. إعلانات لدار نشر ومكتبة، والان شركة تصنع الأحبار."
"بالفعل، عند التفكير في الأمر تجده كذلك. يا رجل، يبدو أن ذلك بسبب مظهرك الجاد الذكي غير الممتع!"
ضربتُ كتف غريغ الذي يجلب لنفسه المشاكل بسخريته دائماً، و نهضت من مقعدي
"حسناً، سأغادر العمل الآن."
"ياإلهي! أي رئيس شركة يغادر عمله بمجرد وصوله؟"
"تبدأ العطلة الشتوية من اليوم، لذا تنتهي حصص الروضة مبكراً قليلاً. وعدت ليني بتركيب زينة شجرة الميلاد فور عودتنا إلى المنزل، لذا عليّ الذهاب للتجهيز."
"ماذا؟ عيد الميلاد في الأسبوع القادم ولم تجهزا الشجرة حتى الآن؟"
سألت كاساندرا بدهشة، بينما اتسعت عينا غريغ وهو ينظر إليّ.
كانت ملامحهما تتساءل بوضوح: 'أنت الذي تفكر في أطفالك طوال الوقت، كيف لم تفعل ذلك بعد؟'
"هناك سبب منطقي لهذا."
في بداية شهر ديسمبر، عندما بدأت الأشجار المتلألئة تظهر في كل مكان، جلستُ بالطبع مع ليني ونظرنا في الإنترنت لنختار شجرة الميلاد.
ولكن ليني الذي رأى العديد من أشجار الميلاد في الكنيسة والروضة وحتى الشجرة الصغيرة في الاستوديو……
'نريد أروع شجرة في العالم في منزلنا!'
……هكذا هتف بشجاعة وجرأة.
و" أروع شجرة في العالم" التي أرادها ليني تأخر توصيلها أكثر مما توقعت، ولم تصل إلا قبل يومين.
"وما نوع الشجرة التي اشتريتها إذن؟"
سألت كاساندرا الآن بملامح يملؤها الفضول.
كانت تعابيرها توحي بأنه إن كان الخيار جيدا، فقد تشتري واحدة لأطفالها أيضاً.
"لم أشترِ شجرة، بل اشتريتُ خيمة أطفال."
"ماذا؟"
أجل، "شجرة الميلاد" التي اختارها ليني لم تكن شجرة، بل كانت "قلعة" يمكنه الدخول والنوم فيها.
"بينما كنتُ أبحث مع ليني عن صور لأشجار ميلاد مميزة، رأيتُ صورة لشخص صنع خيمة شجرة الميلاد بتثبيت زينة وأغصان الشجرة فوق خيمة أطفال منزلية."
"أوه، أظنني رأيتُ صورة كهذه في مكان ما أيضاً."
قالها غريغ وهو يبحث عن الصورة، فظهرت أنواع متعددة من خيام أشجار الميلاد.
"يا إلهي، هذه فكرة رائعة! سيحبها الأطفال حتماً."
"أليس كذلك؟ أعددتُ أيضاً مرتبة صغيرة وبطانية والعديد من الوسائد لوضعها داخل الخيمة. وأغلب الظن أنه سينام هناك ابتداءً من الليلة."
"مهما كانت صغيرة، هل الخيمة كبيرة بما يكفي لتتسع لمرتبة؟"
"أجل، ولهذا السبب يستغرق التوصيل وقتاً طويلاً. إنها خيمة على شكل قلعة أطول بنحو المرتين من خيام الأطفال الأخرى، وبما أنها تُباع حصرياً على موقع الشركة الخاص، فقد استغرق توصيلها نحو عشرة أيام."
لو كان بإمكاني طلبها باستخدام النقاط، لكنت استلمتها في وقت أقرب.
ولكن بفضل إصرار ليني الشديد على هذه الخيمة تحديداً، قائلاً إنه على استعداد للانتظار مهما تطلب الأمر، تأخر وقت صنع الشجرة كثيراً.
"ولكن لا يسع المرء إلا الاستجابة لرغبات أطفاله. ففي النهاية، هذا الحدث هو الأكثر إثارة بالنسبة لهم بعد يوم ميلادهم."
أومأت كاساندرا برأسها متفهمة بابتسامة، ثم أضافت وكأنها تذكرني كي لا أنسى
"إن صورتَ لي خطوات إعداد الشجرة وأرسلتَها الليلة، فسأقوم بتحريرها ونشرها فوراً. لا، بل سأصعد معك الآن لنصور خطوات التحضير من البداية."
"حسناً. ولكن ألن تكون هناك مشكلة في ليلة الجمعة هذه؟ ألن ينزعج تشارلي إذا واصلت العمل حتى بعد انتهاء دوامك؟"
"هو يلعب مع والده كثيراً هذه الأيام لذا لا أظنه سيتضايق…… ولكن سأصوّر مقطع التحضير فقط الآن وأجري له التعديل ثم أغادر مبكراً قليلاً. ولحسن الحظ، فإن مقاطع الفاصل الزمني تستغرق وقتاً أقصر في التحرير مقارنة بالمقاطع الأخرى."
رفعت كاساندرا نظرتها نحو السقف وهي تطوي أصابعها واحداً تلو الآخر لتحسب الوقت
"إذا أرسل جون المقاطع بالتدريج، وأرسل الشكل النهائي للخيمة عند وقت العشاء تقريباً، فمن المحتمل رفع المقطع في حدود الساعة العاشرة الليلة."
وعندما حُدد لي وقت نهائي فجأة، استجمعتُ تركيزي ورغبتُ في الإنجاز بأسرع ما يمكن.
"هل هذا صحيح؟ فلنصعد مباشرة إذن. أحسنت صنعاً، وتأكد من خروجك من العمل بأمان."
عندما ربتّ على كتف غريغ وأنا أعلمه بأنني لن أنزل مرة أخرى، أشار بيده علامة الموافقة وتمتم بنبرة تحمل القليل من الأسف
"ولكن إن بذلتَ كل هذا الجهد في صنعها ثم اضطررت لإزالتها بعد وقت قصير، فسيكون ذلك هدراً للجهد."
"عن ماذا تتحدث؟ خيمة الشجرة هذه ستظل في مكانها طوال عيد الميلاد والشتاء بأكمله، وحتى تتفتح زهور الربيع!"
أخذتُ لوكا وصعدتُ مع كاساندرا إلى المنزل.
أخذ لوكا يلتفت حوله بنظرات تجهل سبب عودتنا إلى المنزل في هذا الوقت.
"نعم، هل عزيزي لوكا متفاجئ لعودتنا المبكرة إلى المنزل؟"
"هاه."
عندما وضعتُه على الأريكة، نظر إليّ بملامح عابسة قليلاً.
فقد كان يجد في غرفة الألعاب بالمكتب الكثير من اللعب الممتعة، لذا بدا أنه شعر بقليل من الاستياء.
ولذا، في محاولة مني لتعديل مزاجه، أحضرتُ قطعة حلوى وفتحتُ غلافها أمامه.
كانت هي الحلوى نفسها التي تعرفتُ عليها بفضل أوليفير.
"كاكا."
"نعم، إنها الوجبة الخفيفة التي يحبها لوكا."
كسرتُ الحلوى لنصفين وأطعمتُه قطعة منها.
وما إن تناول الحلوى حتى تحسن مزاجه سريعاً، فأسندتُ ظهره بلطف على الأريكة ووضعتُ دمية مريحة إلى جواره.
"لوكا ذكي وشديد الفطنة، أليس كذلك؟ رغم أنه في عامه الأول إلا أن قدراته الإدراكية ممتازة."
"نعم. وحتى إن لم أكن أنا بجواره، فإن ليني يواصل الحديث معه واللعب برفقته، مما يسرّع نموه على ما يبدو. رغم أن الكلمات التي يجيدها حتى الآن تقتصر على بابا، ممَّا، وكاكا فقط……"
"إنه في عامه الأول، وهذا القدر أكثر من كافٍ! فهو ينطق بكل الكلمات التي يحتاجها."
ارتسمت على وجه كاساندرا ابتسامة عمة حنونة وهي تبدأ في تجهيز الكاميرا.
"في أي مكان ستضع الخيمة؟"
"فكرتُ في البداية في وضعها في غرفة الألعاب، لكن بما أن الطفلين يرغبان في النوم بداخلها، فستكون غرفة المعيشة هي الخيار الأنسب."
فلو تركتُ باب غرفة النوم مفتوحاً، فسيستطيعان رؤيتي وأنا مستلقٍ على السرير من غرفة المعيشة ، مما سيشعرهما بالأمان.
"فكرتُ في البداية في مد فراشي والنوم بجانبهم، لكن بما أن الأمر لن يقتصر على يوم أو يومين……"
"هذه فكرة جيدة. فالأب يحتاج إلى الحصول على قسط كافٍ من النوم أيضاً."
"بالتأكيد. وإذا رغبا في المجيء إلى جوار والدهم أثناء النوم، فسوف يأتون من تلقاء أنفسهم."
ومع تلك الكلمات، دفعتُ الأريكة برفق نحو جهة الشرفة لأفتح مجال الرؤية بين الخيمة وغرفة النوم.
وعندما اهتزت الأريكة التي يجلس عليها، اتسعت عينا لوكا وتشبث بها كما لو كان يحاول استعادة توازنه.
"لا بأس يا صغيري. أيعقل أن يدفع بابا الأريكة بقوة وأنت تجلس عليها؟"
أدخلتُ ما تبقى من الحلوى في فم الطفل الذي يرتسم على وجهه تعبير مستنكر مستغرب.
"تناول هذا الطعام وانتظر هنا مع العمة كاساندرا. من الآن فصاعدًا، سيبني بابا منزلًا جميلا لك ولأخيك."