وبعد أن أنهينا عرضاً موسيقياً بدا وكأنه مشهد من أحد أفلام عيد الميلاد.
"ليني ولوكا! عيد ميلاد سعيد! وسنة جديدة سعيدة!"
"عيد ميلاد سعيد لك أيضاً أخي تشارلي!"
"ماا!"
تبادل الأطفال تحيات عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة الدافئة، لدرجة جعلت برودة الهواء الليلي تتلاشى.
"إذن نلتقي يوم الاثنين."
ودعتنا كاساندرا بابتسامة مشرقة وعادت للداخل مع تشارلي نحو الحانة.
أما غريغ الذي جاء بسيارة أجرة لأرتباكه فقد أجلسته مع الأطفال في سيارتي.
وبينما كنت أدير عجلة القيادة باتجاه منزله أولاً، أطلق غريغ تنهيدة عميقة وغرق في مقعده.
وكانت ملامحه تنطق بالارتياح والامتنان لإنهاء العرض بسلام.
"هل أنت بخير؟"
"أجل…… فقط لم أنم جيداً منذ البارحة. لكن العرض كان جيداً اليوم، أليس كذلك؟"
"بالتأكيد. كان رائعاً جداً."
حرصتُ على ترك غريغ ينال قسطاً من الراحة حتى نصل إلى منزله.
وبعد قيادة استمرت نحو عشرين دقيقة، وصلنا إلى حيه الذي بدا وكأنه نُسخة مصغرة اقتُطعت من بلدة بابا نويل نفسها.
كانت الزينات الرقيقة والأضواء الباهرة تملأ كل زاوية في الحي وتتلألأ ببهاء.
"وااو، لوكا انظر إلى ذلك! إنه رودولف!"
"أوبوا!"
وبفضل غريغ، حظي الأطفال بمشاهدة مناظر ممتعة في منتصف الليل، وأخذوا يضحكون بسعادة.
"الزينات هنا أكثر تنوعاً وإبهاراً بالفعل. أهذا بسبب وجود الكثير من العائلات التي تضم أطفالاً؟"
"غالباً هذا هو السبب."
كان معظم السكان الذين يعيشون حول حينا، بما في ذلك الفيلا الخاصة بنا، من كبار السن.
ولعل هذا ما جعل الزينات لدينا تقتصر على أكاليل عيد الميلاد الهادئة وبعض الزينة الحمراء البسيطة.
أما هنا، فكان الأمر يبدو وكأنه منافسة بين السكان حول من يملك الزينة الأكثر إبهاراً.
"……ومنزلك أنت أيضاً لا يقل عنها إبهاراً."
أوقفتُ السيارة أمام منزل غريغ ونظرتُ إلى المنزل وفمي مفتوح قليلاً من الذهول.
فإلى جانب المصابيح الصغيرة التي تلتف حول كل شجرة في الحديقة، كانت هناك ثلاث أشجار عيد ميلاد منصوبة فوق السقف بطريقة تجهل كيف أُوصلت إلى هناك.
"بالتأكيد! أيعقل أن أخسر أمام هؤلاء الجيران؟"
"لماذا تتصرف هكذا بحق الجحيم...؟"
وبدلاً من الإجابة، سألني غريغ عما إذا كنتُ أرغب في الدخول للحظة، بدا الأمر وكأنه يسأل من باب المجاملة.
هززت رأسي وقدمت أفضل اقتراح يمكنني تقديمه بصفتي الرئيس.
"إن كان الأمر شاقاً عليك بسبب الطفلة، فما رأيك أن ترتاح يوم الاثنين أيضاً؟"
لكن هذا الموظف الجاحد هز رأسه بصلابة ورفض العرض تماماً
"لا، فالذهاب إلى العمل يُعد أكثر راحة لي نوعاً ما……"
كنت على وشك أن أقول أنني سأخبر رايتشل، لكنني أدركتُ أن رايتشل نفسها ستدفعه للخروج إلى العمل، فاكتفيتُ بقول "نلتقي يوم الاثنين" وتوجهتُ نحو المنزل.
وعند عودتي إلى المنزل، أنجزتُ الأعمال المنزلية المعتادة قبل النوم.
وبنظرة خاطفة، تبين لي أن الأطفال لا يملكون أي نية لمغادرة الخيمة الليلة أيضاً.
استلقيت على الأريكة أراقب الأطفال، حتى غلبني النوم هناك في النهاية.
أشرق صباح يوم أحد أكثر استرخاءً من أي وقت مضى.
تناولتُ مع الأطفال فطوراً هادئاً وسعيداً، ثم اجتمعنا في غرفة المعيشة.
وبسبب إصرار لوكا وحماسه الشديد لفتح الهدايا، سمحتُ لهما بفك هدية أخرى لكل منهما.
فقضى ليني صباحه ممسكاً بأقلام التلوين الجديدة وكراسة الرسم، بينما انهمك لوكا في تصفح كتاب الصور التفاعلي الجديد.
وكان الجيد في الأمر أن فتح هدية واحدة يضمن استغراقهم لعدة ساعات في الاندماج معها.
وصحيح أنهما سيفتحان هدية أخرى في بعد الظهيرة، لكن لا بأس بذلك.
فهما في سن لا يستوعبان فيه كلمة "لا يجوز" تماماً بعد، ولا بأس بالتغاضي قليلاً في مثل هذه الأوقات.
وفجأة، رفع ليني رأسه بحدة وكأنه تذكر شيئاً مهماً أثناء رسمه بسعادة في كراسته الجديدة
"آه، صحيح! بابااا، هناك مشكلة كبيرة! أرجوك ساعدني."
تساءلتُ عما يرغب في المساعدة فيه وجلستُ إلى جواره، فأخرج ليني قائمة واجبات العطلة الشتوية التي استلمها من الروضة.
"لدي واجبات منزلية."
كانت الورقة التي قدمها لي تضم المهام التي يجدر بالطفل إنجازها خلال فترة العطلة الشتوية التي تمتد لأكثر من أسبوعين بقليل.
وهي أنشطة مصممة لتتناسب مع الفترة الممتدة من أسبوع عيد الميلاد حتى بداية السنة الجديدة، ولم تكن واجباً إجبارياً بأي حال.
بل كانت أقرب إلى مقترحات وأفكار تُقدم لأولياء الأمور للترويح عن الأطفال ورعايتهم.
وعندما أخبرتُه أنه غير ملزم بالقيام به، أبدى ليني رغبة صريحة في إنجازه.
وبما أن جدية الطفل تجاه الواجب كانت أمراً يبعث على الارتياح، فقد أجلسته على حجري وأخذنا نقرأ المهام معاً
"دعنا نرى…… قراءة كتاب لمدة 15 دقيقة، كتابة الحروف الكبيرة (ABC)، وكتابة الحروف الصغيرة (abc) أيضاً؟"
"واااو، الواجبات كثيرة جداً."
"وهناك أيضاً عد الأرقام حتى 30. أظن أن هذا أمر يستطيع ليني إنجازه بسرعة، أليس كذلك؟"
"أجل! واحد، اثنان، ثلاثة……"
وقبل أن نكمل قراءة القائمة، بدأ ليني يعد الأرقام حتى ثلاثين بنفسه.
ورغم تعثره الخفيف في المنتصف، إلا أن العد حتى الثلاثين لم يعد يشكل أي عقبة أمامه.
"تسعة وعشرون... ثلاثون!"
"وااو، لقد أنجزتَ واجباً واحداً بالفعل؟"
مسحتُ على رأس طفلي المتميز وأثنيتُ عليه، ثم واصلتُ قراءة بقية القائمة
"كتابة اسمك ثلاث مرات، رسم مذكرات عيد الميلاد المصورة. آه، وهناك أيضاً كتابة بطاقة عيد الميلاد للأشخاص الذين تحبهم."
وعندها تسرعت أيدي ليني بحركة مضطربة
"أممم…… عليّ كتابة بطاقات عيد الميلاد للعم غريغ والعمة كاساندرا. وللراهبات، ولـ ماما، وأيضاً…… آه، وللكاهن……"
وبصرف النظر عن عده حتى الثلاثين قبل قليل، أخذ ليني يطوي أصابعه واحداً تلو الآخر وهو يعدد الأسماء.
ثم وضع يده على رأسه لكثرة الأشخاص
"بابااا، هناك الكثير من الأشخاص الذين أحبهم، والأمر صعب جداً."
اهتز جسدي ضحكاً.
بالفعل، بالنسبة لطفل لا يجيد القراءة والكتابة ببراعة بعد، فإن كتابة هذا الكم من البطاقات يمثل مصدر قلق كبير.
فحتى البطاقة التي كتبها لي استغرقت منه ظهيرة اليوم بأكمله لصنعها.
ولم أرد إطالة قلق الطفل وهو يضرب قدميه بالأرض، فقدمتُ له حلاً للمشكلة
"ما رأيك أن يساعدك بابا في صنعها؟"
أشرق وجه ليني في اللحظة نفسها
"أجل!"
حسناً، انتظر لحظة إذن."
لحسن الحظ، كانت لدي حزمة بطاقات اشتريتُها سابقاً لإرفاقها مع الهدايا المخصصة للموظفين وأعضاء الكنيسة.
"سيكتب بابا العبارات في المنتصف، وقُم أنت يا ليني بالرسم حول الكتابة، وستصبح لدينا بطاقات في غاية الجمال."
"……أجل!"
ناديتُ لوكا أيضاً وجلسنا حول طاولة صغيرة لقضاء وقت في الكتابة والرسم، ثم أخذتُ الطفلين لنيل قيلولتهما.
ونام ليني بابتسامة بعد أن أنجز واجباً آخر بنجاح، كما نام لوكا بوجه فخور بنفسه بعد أن غطى الطاولة بالرسم بأقلام التلوين بدلاً من الورق.
وبعد تنظيف الفوضى التي خلفها الأطفال، بدأتُ بتغليف الهدايا المخصصة للموظفين للغد، والهدايا المخصصة لأعضاء الكنيسة في يوم عيد الميلاد.
أخرجتُ جميع البضائع التي تراكمت في صناديق الشحن ووضعتُها في غرفة الألعاب.
وضعتُ شالات من الصوف الفاخر، وبطانيات، وأوشحة داخل الصناديق بعناية ورتبتُها وطويتها باهتمام.
في السابق، كانت هذه المنتجات باهظة الثمن لذلك كنت أصنعها بنفسي.
ومع ذلك، تمكنت من تجاوز عيد الميلاد هذا بفضل النقاط التي منحها التطبيق لي.
فقد كانت النقاط تتضاعف مع كل عملية شراء، فجمعتُ رصيداً وفيراً، وبما أنها ستلغى بعد سنتين على أية حال، فلم يكن هناك داعٍ للحرص عليها أو ادخارها.
ومتى أستطيع إنفاق النقاط بهذه الكميات الهائلة إن لم يكن في أوقات يتشارك فيها الجميع البهجة والسعادة؟
تلك كانت هدايا الكبار، أما هدايا توني وجينيفر فقد أوليتُها اهتماماً أكبر.
في البداية، ملأتُ حقائب مدرسية مصنوعة من قماش القنب المتين بمختلف الأدوات المكتبية.
ووضعتُ فيها المستلزمات المدرسية التي يحتاجانها إلى جانب إكسسوارات وحوامل مفاتيح تناسب أذواقهما.
كما أخذتُ مقاسات أقدام الأطفال من الراهبة ماريسا التي تتولى رعايتهم، ووضعت زوجاً من الأحذية لكل منهما يكفيهم حتى فصل الربيع على الأقل، وطويتُ ثلاثة أطقم من الملابس العلوية والسفلية لكل منهما.
فالأطفال في دور الرعاية يملكون عدداً أقل من الملابس مقارنة بغيرهم بطبيعة الحال.
وأخيراً، اشتريتُ مصابيح إضاءة خافتة دافئة لوضعها بجانب أسرتهم.
فالضوء الدافئ الذي يتأملونه قبل النوم سيضفي لمسة مواساة لطيفة على قلوبهم الصغيرة.
ورغم رعاية الراهبات والكاهن، إلا أن الأطفال يظلون في أعماق قلوبهم يحنون إلى آبائهم دائماً.
ويخلّف ذلك الحنين فجوات في قلوبهم، يتسلل منها البرد والشوق
ما زلتُ أتذكر بوضوح الأفكار التي كانت تراودني كل صباح في صغري
'اليوم سيأتون للبحث عني. اليوم سيصلني أي اتصال منهم.'
وهكذا كنتُ أبدأ كل صباح بأمل جديد، وأنام كل ليلة وأنا أقول لنفسي إنني سأؤجل هذا الأمل لليوم التالي فقط.
وللأطفال الذين يعيشون هذه اللحظات الآن، فإن وضع هدايا صغيرة مفعمة بالمشاعر في كل مكان سيكون أجدى نفعاً من تقديم هدية كبيرة واحدة.
فعندما تتجمع هذه المشاعر الدافئة واحدة تلو الأخرى، ستبدد البرودة التي تسللت إلى قلوبهم عبر تلك الفجوات الصغيرة دون أن يشعروا، وتضفي عليها الدفء والأمان.
وبالطبع، لم أنسَ الهدايا التي سأقدمها للسيد جيمس، وللجيران في الطابق الثاني، ولعُمال مكتب إدارة المبنى أثناء ذهابي للعمل يوم الاثنين.
فبالنسبة لعمال إدارة المبنى، أعددتُ مجموعات هدايا تشبه تلك المخصصة لمعلمي الروضة.
ولـ ليلي وروز والسيد جيمس، أعددتُ مجموعات كاسات شاي فاخرة بناءً على نصيحة جين.
وليس سراً أنني استشرتُ ليلي وروز لإعداد هدية جين، لذا فربما كانوا يعلمون مسبقاً بما سيحصلون عليه.
ومر يوم الأحد الحافل وأشرق صباح يوم الاثنين.
وقبل الذهاب إلى العمل، مررتُ على الطابق الأول لزيارة مكتب الإدارة، ثم توجهتُ إلى السيد جيمس.
"عيد ميلاد سعيد يا سيد جيمس."
تسلّم السيد جيمس الهدية بملامح تعلوها السعادة البالغة.
ثم أخرج من أسفل الطاولة ثلاثة صناديق هدايا مغلفة بألوان مبهجة وهو يبتسم كـ بابا نويل.
لم أكن أتوقع أن يهتم بالتفاصيل إلى هذا الحد، لكنه أعد هدايا عيد الميلاد للأطفال أيضاً.
"واااو، شكراً جزيلاً لك!"
"هي……"
شكره ليني بعينين متألقتين، أما لوكا الذي تعلم بوضوح أن التغليف الجميل يخفي بداخله أشياء رائعة فقد ابتسم ابتسامة خفيفة وأخذ يرفع يده ويخفضها نحو السيد جيمس.
"هذه هي طريقته الخاصة في الإعراب عن امتنانه."
"آه، بالطبع!"
نظر السيد جيمس بعينين مفعمتين بالحب والحنان إلى الأطفال الذين أخذوا يشقون ورق التغليف بشغف قبل أن أتمكن من إيقافهم.
كان ينظر إليهم وكأنه ينظر إلى أبناء إخوته.
وكانت هدية السيد جيمس عبارة عن قفازات صغيرة ولطيفة.
كان على الجزء العلوي من قفاز ليني نجمة صفراء مصنوعة من القطن ، وعلى الجزء العلوي من قفاز لوكا الأصغر حجماً كان هناك وجه دبدوب صغير.
"وااو، إنها لطيفة جداً!"
ألبستُ القفازات ليديّ ليني الذي عجز عن الكلام من شدة الفرح، وألبستُها أيضاً ليديّ لوكا الذي ابتسم ابتسامة عريضة كما لو أنه أعجب بها.
وحين رأيتُ لوكا يرفع يديه وهو ينظر إلى الدبدوب، أدركتُ أن القفازات حازت على إعجابه الشديد هو الآخر.
ولكن ألا تبدو هديتي متشابهة مع هديتهما نوعاً ما؟
لكنني لستُ طفلاً لأفتح الهدايا في مكانها بالطبع.
وبعد تبادل الابتسامات والتمنيات الطيبة مع السيد جيمس مجدداً، صعدتُ إلى الطابق الثاني.
وبما أن الوقت ما زال مبكراً، فكرتُ في زيارة ليلي وروز قرابة وقت الظهيرة، وتوجهتُ نحو المكتب.
"صباح الخير في هذا الاثنين الممتع."
"يا رجل، ألم يقل أحدهم سابقاً إن هذه التحية يجب حظرها؟"
تمتم غريغ، الذي أصر على الحضور إلى العمل حتى عندما طُلب منه الراحة، ووجهه مدفون في المكتب.
وبالنظر إلى هيئته، يبدو أنه قضى الليلة الماضية بأكملها مستيقظاً بسبب طفلته.
"يبدو أن الأميرة الصغيرة تُرهق خادمها كثيراً."
مازحتُه وأنا أضع الأطفال في غرفة الألعاب، ثم أعددتُ القهوة وقدمتُها لـ غريغ الذي بدا كالجثة.
"ومع ذلك، تبقى أميرتنا في غاية اللطافة والجمال."
تسلّم غريغ القهوة بيدين ترتجفان قليلاً، فشعرتُ بالشفقة عليه وسلمتُه الهدية دون كلام.
"أوه، شكراً لك. تفضل، هذه هديتك."
"أنا أيضاً أعددتُ هداياكم! عيد ميلاد سعيد لكما!"
"شكراً جزيلاً."
وبعد تبادل الهدايا الصغيرة بيننا، جلسنا جميعاً حول طاولة المطبخ لنشرب القهوة دون التنسيق مسبقاً.
"تقول رايتشل إنها ترغب في العودة إلى العمل في منتصف شهر يناير."
قالها غريغ بعينين شبه مغمضتين، فتنهدت كاساندرا بحسرة
"رايتشل، حقاً…"
"عليك بصفتك زوجاً أن تتحمل المسؤولية وتؤجل الأمر حتى منتصف فبراير."
"أنا لا أملك أي سلطة في المنزل. مجرد خادم يطيع أوامر الملكة والأميرة."
بعد تبادل أطراف الحديث قليلاً، استعرضنا جدول الأعمال وأجرينا اجتماعاً خفيفاً.
وكان التوتر والبهجة يملآن قلوب الجميع بانتظار عيد الميلاد.
ولذا، وبصفتي الرئيس، استغللتُ سلطتي وأنهيتُ جميع المهام قبل موعد الغداء، وأعلنتُ المغادرة المبكرة.