أخذتُ لوكا وصعدتُ به إلى المنزل لأعد الهدايا التي سأعطيها للأطفال في الكنيسة.

ملأتُ أواني زجاجية جميلة بحلوى متعددة الألوان وخالية من السكر، ووضعتُها في أكياس ورقية مخططة باللونين الأحمر والأبيض، ثم ربطتُها بأشرطة جميلة وزينتُها.

ورغم أنه لم يمر سوى يومين فقط على آخر لقاء، إلا أنني أحرص دائماً عند الذهاب لإحضار ليني على إعداد شيء أقدمه للأطفال هناك.

وحتى إن كان شيئاً بسيطاً للغاية، إلا أنني أردتُ أن يشعر الأطفال بأن هناك من يفكر فيهم، وأن يختبروا فرحة تلقي العطاء.

ألبستُ لوكا معطفه وألبستُه قفازات الدب الصغير التي حصل عليها من السيد جيمس، فأخذ يضحك بلطافة.

"لماذا ابني لطيف إلى هذا الحد؟ من يشبه ليكون بهذه اللطافة؟"

قبّلتُ خديه الممتلئتين وخرجتُ من المنزل.

قدتُ السيارة ببطء في الشوارع الهادئة وشغلتُ الراديو.

وأصبحتُ أستطيع القيادة بآمان وإتقان حتى وأنا أدندن مع الأغاني هذه الأيام.

وبما أنني أصبحتُ أقود السيارة دون أن يتحرك جسدي من تلقاء نفسه رغماً عن إرادتي، فمن المؤكد أن مهاراتي في القيادة قد تحسنت كثيراً.

وكان لوكا يستمتع بالرحلة وهو يتأمل المناظر الطبيعية من حوله.

وصاح بحماس وهو ينظر إلى الخارج

"أووفواا!"

"أجل، هل ترى رودولف هناك؟"

هل يتذكر الكلام الذي سمعه من ليني؟

أم لأن السبب يعود لرؤيته لرودولف في كل مكان خلال الأسابيع القليلة الماضية؟

ومهما كان السبب، فمن المؤكد أن صغيري لوكا عبقري حقاً.

وعندما وصلتُ إلى الكنيسة وركنتُ السيارة، انفتح الباب الأمامي بصوت طقطقة خفيفة.

وسرعان ما أطل ليني برأسه وهو يرتدي سترة بيضاء رسم عليها رودولف ذو الأنف الأحمر.

ابتسمتُ ابتسامة مشرقة وفتحت ذراعيّ له بحرارة، فجاء ليني يركض نحوي ودموعه على وشك الانهمار.

جثوتُ على ركبتيّ وحضنتُ طفلي الراكض بقوة بين ذراعيّ.

"عزيزي ليني، لقد اشتقت لبابا كثيراً، أليس كذلك؟"

همستُ بذلك وأنا أقبّل رأسه، حينها فقط بدا وكأنه استرخى أخيراً وابتسم ابتسامة خجولة وأجابني

"نعم."

لففت وشاحي حول ليني الذي خرج دون معطف، وأخرجتُ عربة الأطفال ووضعتُه فيها مع لوكا.

"أوراداديا!"

"هيهي."

وبينما أخذ الأخوان يتمازحان معاً، دخلتُ بهما إلى الداخل، فاستقبلنا الأطفال الذين يبدو أنهم كسبوا بعض الوزن خلال هذين اليومين.

"مرحباً يا عمي!"

تحدث توني وهو يرفع صدره بتباهٍ دون سبب واضح.

وبما أن دبوس البطريق كان معلقاً على صدره، يبدو أنه أراد التفاخر به.

أما جينيفر، فبدلاً من إلقاء التحية، قدمت لي دفتر الرسم الخاص بها مباشرة

"عمي، هل تريد رؤية هذا؟ إنها ملكة الأميرة الوردية الشريرة!"

مدحتُ كلاً منهما بما يرضيه بالتناوب، ثم قدمتُ لهما الهدايا التي أحضرتُها من المنزل.

"وااو، إنها جميلة جداً!"

ابتسمت جينيفر ابتسامة عريضة وهي تنظر إلى الحلوى التي تشبه الجواهر داخل العلبة الزجاجية، بينما أمسك توني بعلبة الحلوى فوراً وتشبث بطرف ثوب الراهبة.

"هل يمكنني أكل الحلوى؟"

وبما أنه لم يأكلها فوراً بل استأذن قبل الأكل، يبدو أن الراهبة قد أحسنت تربيتهم وتوجيههم.

أخبرتُ الراهبة أن الحلوى المقدمة للأطفال خالية من السكر، ثم جمعتُ أغراض ليني وخرجتُ معه.

بمجرد أن أجلسه في مقعد السيارة وربطت حزام الأمان، بدأ ليني بالغناء، ويبدو أنه كان متحمسًا للغاية.

"لنذهب إلى المنزل، هيا بنا إلى المنزل، دو دو دو......."

"أوه، رويا..."

وعندما أخذ ليني يدندن بأغنية لا أعلم من أين تعلمها، حاول لوكا تقليده باجتهاد.

وكما هو متوقع، فهو يقلد أخاه الأكبر بشكل أفضل من والده.

ولم يفوت ليني هذه الفرصة، فأخذ يعلم لوكا

"لوكا، حاول أن تردد ورائي؟ منزل! منزل!"

"ايزا!"

"أجل، إلى المنزل!"

"إيازا!"

"حسنا، جيد. غداً سنؤدي بشكل أفضل اتفقنا؟"

"هاه."

وأمام استسلام ليني السريع وإجابة لوكا الواثقة، لم يسعني إلا أن أضحك بصوت عالٍ.

*

قضى ليني عطلته الشتوية القصيرة الأولى بشكل ممتع ومثمر للغاية.

وبسبب أن الجو كان بارداً وصغر سن الأطفال مما جعلنا نقضي معظم الوقت في المنزل، إلا أنه لم يتذمر مرة واحدة.

وكان ليني يقوم بحل الواجبات التي حددتها له الروضة، أو يتولى تعليم أخيه الأصغر بين الحين والآخر.

"تعال يا لوكا! كرر معي اتفقنا؟ أآ إي إو !"

ورغم أنها «أو» وليست «إو»، ولكن دعونا نتغاضى عن هذه التفاصيل البسيطة.

"أجل، أاإي أاووا!"

"كياااك!"

وبينما كان لوكا يضحك بصوت عالٍ كصوت الدلفين من شدة الفرح وليني يشاركه الضحك اللطيف، أخذتُ الأغراض المخصصة لوقت اللعب اليوم وجلستُ بجانبهما.

"آه، هذه هدية عيد ميلاد لوكا!"

صاح ليني بفرح وهو يتعرف على مسدس فقاعات الصابون على شكل وحيد القرن الذي أهداه غريغ للوكا في عيد ميلاده.

"أجل، صحيح. سنلعب بهذا اليوم."

"ولكننا لعبنا به كل يوم؟"

سأل ليني وهو يميل رأسه من جانب إلى آخر، باستغراب، فاكتفيتُ بأبتسامة ذات مغزى.

"سأريك شيئاً ممتعاً يا ليني. أمسك يد لوكا جيداً وشاهد اتفقنا؟"

"نعم!"

أجاب ليني بابتسامة مشرقة وأمسك بيد لوكا بإحكام.

وفكرتُ في كيفية جعل الفقاعات تلتقط ضوء الشمس بشكل أفضل وتتألق، فذهبتُ أمام نافذة الشرفة وأطلقتُ مسدس الفقاعات.

بوبوبوبوبونغ… … !

ارتفعت أعداد لا تحصى من فقاعات الصابون المتألقة بألوان قوس قزح أمام النافذة، ثم أخذت تهبط بنعومة وخفة.

"……وااااو!"

"……كياااك!"

بوبوبوبونغ! بوبوبوبونغ!

مد كلا الطفلين يديهما محاولين الإمساك بالفقاعات.

"كيااك!"

"أهاها!"

وبالطبع، كانت الفقاعات تبدو في متناول اليد ولكن كان من الصعب الإمساك بها، إلا أن ذلك لم يكن يهم أحداً على الإطلاق.

فقاعات تتألق تحت أشعة الشمس الباهرة مع أضواء عيد الميلاد الدافئة.

والأهم من كل ذلك، أعيُن الأطفال التي كانت تلمع ببريق أشد وأجمل.

ظهيرة شتوية صافية وجميلة ومشرقة.

ذكريات ستظل دافئة ومحفورة في ذاكرتي وذاكرة طفليّ دائماً.

*

"بابا، لقد كان اليوم يوماً جميلاً حقاً."

وبينما كنتُ أربت على رأس كل من الطفلين المستلقيين داخل خيمة عيد الميلاد وأغطيهما بالبطانيات، قال ليني بوجه سعيد للغاية.

"أجل، وبابا أيضاً يرى أنه كان يوماً جميلاً جداً."

في الحقيقة، بالنسبة لي، كل يوم أقضيه معكما هو يوم جميل.

ومع شدة اللعب والنشاط، كان لوكا قد بدأ يغرق في النوم بالفعل.

قبّلتُ جبين كل منهما بالتناوب وخرجتُ من الخيمة.

ثم أخذتُ أتنقل في غرفة المعيشة لأرتب المنزل.

ومنذ أن بدأ الطفلان النوم في الخيمة، أصبحا ينامان غالباً على أصوات قيامي بالأعمال المنزلية وكأنها معزوفة لتهدئتهما.

غسلتُ الأطباق التي أكلنا فيها العشاء، ووضعتُ قصص الأطفال في الرفوف ورتبت الألعاب.

وقمت بفصل ملابس اليوم ووضعتها في سلة الغسيل، وبعد التأكد من نوم الطفلين ذهبتُ للاستحمام.

وبعد أن تأكدتُ من أنهما ما يزالان يغطان في نوم عميق، جلستُ على الأريكة وأخذتُ أجفف شعري بالضغط عليه بقوة بمنشفة.

وهكذا أنهيتُ يوماً آخر.

ورغم أن الطفلين اللذين لا يستوعبان مفهوم التواريخ بعد لم يدركا الأمر، إلا أن اليوم كان اليوم الأول من العام الجديد.

وبما أن كل يوم هو يوم ثمين، لم أرَ حاجة لتوضيح طريقة تفكير الكبار للأطفال الآن، والتي تقسم اليوم إلى العام الماضي والعام الجديد.

ومع ذلك، فإن قلوب الكبار التي تتمنى أمنيات جديدة وترجو الخير والسعادة لبعضهم البعض في العام الجديد ليست بالشيء السيئ……

ترددتُ لبرهة، ثم أعددتُ ورق الرسائل والحبر وقلم الغمس الفضي التي حصلتُ عليها كهدية مؤخراً، وشغلتُ الكاميرا.

وبعد التأكد من الزاوية المناسبة عبر شاشة الكمبيوتر المحمول، قمت بتشغيل البث المباشر.

ورغم أنه بث مباشر دون إعلان سابق، إلا أن الكثيرين دخلوا البث فوراً.

لوحتُ لهم بيدي من فوق ورق الرسائل كتحية، ثم أخذتُ أكتب أمنيات العام الجديد

«مرحباً جميعاً.

لقد أشرق العام الجديد، وها هو يومه الأول يشارف على الانتهاء.

أتمنى أن تكونوا جميعاً قد قضيتم اليوم الأول من هذا العام بسعادة وراحة.

ربما هناك من قضاها هكذا، وربما هناك من لم يحالفه الحظ في ذلك.

فهناك من قضى يوماً يفيض بالفرح والبهجة، وهناك من يمر بأيام حزينة يدرك فيها بعمق كم أن اليوم العادي الهادئ ثمين.

في الحقيقة، لقد قضيتُ اليوم يوماً سعيداً للغاية، لكنني أذكر جيداً تلك الأيام التي لم تكن كذلك.

ولهذا أرى أن سعادة اليوم أثمن من أي وقت مضى.

ولهذا أكتب إليكم هذه الرسالة اليوم. لعلها تمنح بعض المواساة لمن يمرون بيوم عصيب، وإن كان السعداء في غنى عنها.

في مثل هذا الوقت من الأعوام الماضية، كنتُ أعيش بؤساً شديداً.

كانت الأضواء المتلألئة والكلمات المفعمة بالأمل تبدو لي مجرد أكاذيب. وكأن العالم يستهزئ بي ويخدعني.

فلا شيء كان بخير على الإطلاق، لكنه كان وقتاً يُفترض فيه أن نتظاهر بأننا بخير وسعداء رغماً عنا.

ففي عيد الميلاد وفي ليلة رأس السنة، يصلي الناس جميعاً من أجل حياة آمنة وسعيدة، أليس كذلك؟

لكنني كنتُ أرفض بشدة أداء الصلوات التي كان يطلبها مني أولئك الذين لم يختلفوا عن والديّ في شيء.

لأنني كنتُ أرى أن الصلاة لا جدوى منها ولا تأثير لها مطلقاً.

فقد كنتُ قبل ذلك أصلي باجتهاد وسراً كل يوم.

وكنتُ أضم كفيّ بقوة كل ليلة قبل النوم متمنياً معجزة لا أستطيع الإفصاح عنها لأحد، ثم أستغرق في النوم.

ولكن لزمن طويل جداً، لم تتحقق أية صلاة من تلك الصلوات التي رفعتها.

ولهذا توقفت عن الصلاة.

ولا أعلم إن كنتُ قد ذكرتُ هذا سابقاً أم لا، لكنني توقفتُ عن كتابة الرسائل أيضاً.

صلوات بلا إجابة، ورسائل بلا رد. لقد سئمتُ من كل ذلك. وأصبحتُ أكره كل شيء.

لأنني صليتُ بصدق ورجاء شديدين في ذلك الوقت.

لكنني في هذه الأيام أعدتُ ممارسة هذين الأمرين مجدداً.

فلعل الأجوبة التي كنتُ أنتظرها لم تكن تتأخر إلا لتصل إليّ في النهاية بطريقة أخرى.

وفكرتُ في أن إجابة الصلوات التي رفعتها برجاء قد تأتي في أوقات مختلفة وبأشكال متنوعة لم أكن أتوقعها.

قد يكون القول بأن عليك "الصمود فقط" كلاماً غير مسؤول.

لكنني رغم ذلك أؤمن في هذه الأيام بأننا حين نصمد ونستمر، فسنحصل على الإجابات بطريقة ما.

كما أنه في أحد الأيام، وأنا أقرأ إجابة صامتة وصلتني، شعرتُ بأني ربما كنتُ أطرح الأسئلة الخاطئة من الأساس.

وعندما أبتعد قليلاً عن الطريق الذي أسلكه وألتفتُ إلى الخلف، أشعر أحياناً بأنه كان عليّ فقط أن أمشي هذه المسافة ولا شيء غير ذلك.

ولعل كل تلك الجهود التي خيل إليّ أنها ذهبت سدى، كانت أموراً ضرورية ولا بد منها.

هذا ما خطر ببالي.

وقد يكون من الصعب الحكم على صحة هذه الأفكار أو خطئها حتى تنتهي هذه الرحلة بالكامل.

ما لم تكتمل قطع الصورة كلها، فلن نستطيع رؤية الصورة كاملة

لكنني أرى أن التقاط قطعة واحدة من الصورة اليوم لرؤية تلك الصورة المكتملة هو أمر كافٍ ومجزٍ.

إن كانت القطعة التي بين يديك اليوم ثقيلة وحزينة، فلا تحزن كثيراً.

وإن كانت القطعة التي بين يديك اليوم مؤلمة وموجعة، فلا تطرحها بعيداً وتتخلّى عنها.

فلكل منا صورة خاصة يتوجب عليه إكمالها. ومع مرور الوقت، قد نكتشف أن كل تلك القطع كانت ضرورية للغاية.

ورغم أنه قد يبدو أمراً غير منطقي……

إلا أننا نحتاج أحياناً إلى لحظات نؤمن فيها دون سبب بأننا سنحصل على الإجابة وسنعثر عليها في نهاية المطاف.

فقد تأتينا محبة لم نكن نتوقعها، وقد نصل إلى أماكن لم يخطر ببالنا الوصول إليها.

وإن كان المكان الذي نقف فيه الآن ليس هو المكان الذي أملناه، فإن المكان الذي سنكون فيه في المستقبل قد لا يكون المكان الذي توقعناه.

أعتقد أن عدم فقدان الأمل في بعض الأحيان هو أشجع تصرف يمكن للإنسان أن يقوم به.

لأنه يعني الوقوف من جديد رغم الحزن والخوف والألم

أتمنى أن يكون هذا العام عاماً نصبح فيه جميعاً في غاية الشجاعة.

وأرجو من كل قلبي أن تكون هذه بداية عام سعيد ومليء بالشجاعة لكم جميعاً.»

2026/07/31 · 30 مشاهدة · 1711 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026