اتسعت عيناي وأنا أراقب ما يفعله لوكا.

فمنذ اليوم الأول الذي أريتُه فيه أنه يجب عليه إلقاء القمامة في سلة المهملات، أخذتُ أكرر الحركة أمامه بين الحين والآخر معتقدًا أنه سيتعلم يومًا ما.

وكان في كل مرة ينظر إليّ وكأنني شخص غريب الأطوار. كيف يمكن أن يحدث هذا؟

فاضت بي المشاعر وعجزتُ عن الكلام من شدة التأثر، بينما أخذ غريغ وكاساندرا يصفقان ويمطران لوكا بسيل من الثناء والمديح.

"يا إلهي، لوكا! يبدو أنك ذكي جداً! عندما رأيتُك للمرة الأولى لم تكن تستطيع حتى تثبيت رأسك……"

توقف غريغ عن الكلام ولم يكمل جملته، فقد كان يعرف لوكا منذ فترة طويلة مما جعل موجة عارمة من التأثر العميق تغمره.

أما كاساندرا التي كانت تصوره دون أن نشعر، فقد واصلت الثناء بنبرة مليئة بالفخر

"أظن أن تشارلي بدأ يقوم ببعض المهام البسيطة في مثل هذا العمر أيضاً، لكن لوكا يبدو أسرع منه حقاً. يا له من طفل مجتهد وذكي."

"أليس ذلك بسبب نموه الجسدي السريع؟ ألم يقيسوا محيط رأسه ليروا مدى نمو دماغه؟"

ربما كان الأمر كذلك، لكن هذا لم يكن مهماً بالنسبة لي في الوقت الحالي.

حملتُ لوكا بين ذراعيّ وأخذتُ أقبّل رأسه وخديه بقبلات متتالية.

"أحسنت يا لوكا! ابني عبقري حقاً. أنت الأفضل والأروع في العالم كله."

في كل مرة أشهد فيها نمو طفلي، كانت تغمرني موجة من التأثر وكأنني أغوص في مياه دافئة؛

عندما ناداني بابا للمرة الأولى، وعندما انقلب على ظهره، وعندما خطا خطوته الأولى، وعندما ظهر سنه الأول، واليوم أيضاً……

" صغيري لوكا ، لقد أصبحتَ الآن أقرب إلى أن تكون إنساناً مكتملاً!"

"جون، أنت تجيد تخريب اللحظات العاطفية ببراعة دون أن تشعر……"

"عليّ أن أبدأ بتعليمه كيفية ترتيب ألعابه بدءاً من اليوم. كنتُ أنوي تعليمه شيئاً واحداً في كل مرة، لكن يبدو أن ابني قادر على فعل كل شيء."

"لوكا، اهرب!"

ومهما قال غريغ، كان لوكا يعلم أنه يتلقى الثناء، فابتسم ابتسامة تفيض بالفخر.

وكانت ابتسامته اللطيفة وهو في أحضاني تصيب قلبي بالدفء.

حقاً، متى كبرت إلى هذا الحد؟

قبّلتُ طفلي المتميز مجدداً عدة مرات وربتُ على ظهره.

وعندما رأت كاساندرا تصرفي هذا، ارتسمت على وجهها تعابير خفيفة نوعاً ما وغير مفهومة، ثم قالت بصوت هادئ

"يدفعني هذا للتأمل مجدداً. لقد مرت بي أيام كنتُ أتأثر فيها بكل ما يفعله طفلي. لكن يبدو أنني أنسى تلك الذكريات مع نموه. أجدني أشعر بالأسف تجاه تشارلي دون سبب."

وأضافت أن الأيام التي كان يكفي فيها أن يكون بصحة جيدة وكثير الابتسام تبدو وكأنها كانت بالأمس، لكنها مع ذلك تخاصمت معه بالأمس لأنه لم يكن يريد الذهاب إلى المدرسة.

"هذا غريب، لم أكن أظن أن تشارلي يكره الذهاب إلى المدرسة. كنتُ أظن أنه يملك الكثير من الأصدقاء ويحب الدراسة."

"نعم، هذا صحيح. في الحقيقة هو لا يكره الذهاب حقاً، بل كان يلمح برغبته في اللعب لفترة أطول قليلاً، لكني عاتبتُه متسائلة متى سيجد وقتاً للدراسة إذن. لا أعلم لماذا تصرفتُ هكذا."

ترددتُ للحظة في كيفية الرد المناسب على كلامها، لكن غريغ كان أسرع مني فلوّح بيده معترضاً.

وطمأن كاساندرا قائلاً إنه لا داعي للقلق

"وماذا في ذلك؟ أمي كانت تفعل ذلك معي دائماً، والأطفال يعرفون جيداً أن الآباء يفعلون ذلك حرصاً عليهم وقلقاً بشأنهم."

ابتسمت كاساندرا قليلاً ونظرت إلى غريغ،

لكن غريغ أضاف كلاماً لم يكن بحاجة لقوله، مما جعله يتلقى صفعة على ظهره في النهاية

"رغم أنهم يعلمون ذلك إلا أنهم لا يستمعون إلى الكلام طبعاً."

*

ولشدة لطافة لوكا، لم أضعه من أحضاني بعد ذلك الوقت، فأطعمته الغداء ولعبتُ معه ثم وضعتُه لينام قيلولته.

وبينما كنتُ أدلك خد طفلي الناعم بأصبعي وأربت على بطنه، فتح غريغ نافذة غرفة الألعاب ووجه لي عتاباً بصوت هادئ

"سوف تفسد الطفل بدلالك. يا رئيس، ألن تعمل اليوم؟"

"أجل، لن أعمل اليوم."

بالطبع كانت هناك مهام تراكمت كالمعتاد، لكن طفلي حقق تطوراً كبيراً اليوم!

وكان ينبغي عليّ البقاء بجانبه طوال اليوم للاحتفال.

"حسناً. سأصوّر هذه اللحظة إذن لأصنع منها فيديو مجمعاً بعنوان «الأب المفرط في دلال طفله». فالفيديوهات المتراكمة لدي كثيرة على كل حال."

"يبدو كلامك وكأنك تسعى لتجميع اللحظات التي أبدو فيها كسولاً وتعديلها؟"

"هل تعترف بأنك تظهر بمظهر الكسول الآن؟"

"لا طبعاً، هل تعلم كم أعيش حياتي بجد واجتهاد في المعتاد؟"

وبينما كنا نتجادل بمزاح، فتح لوكا عينيه فجأة.

"هل نام عزيزي لوكا جيداً؟"

أدار لوكا رأسه ونظر إليّ ثم ابتسم ابتسامة مشرقة وأخذ يحرك يديه ورجليه لأعلى ولأسفل.

وبدا في هذه اللحظة وكأنه لوكا عندما كان في شهره الثالث أو الرابع.

"لقد كبر جسدك فقط، أما وجهك فما زال كما هو."

احتضنتُ الطفل الذي تثاءب تثاؤباً خفيفاً وقبّلتُه بحرارة،

فأصدر لوكا ضحكة لطيفة تشبه صوت الدلفين رغم أنه استيقظ للتو.

"بما أن لوكا استيقظ، هل نذهب لإحضار أخيك الأكبر الآن؟"

"هاه."

"حسناً، لقد ذهب أخوك إلى الروضة اليوم بعد فترة طويلة، وربما كان يشتاق إلى بابا ولوكا. لنذهب لإحضاره سريعاً."

وبما أن هواء شهر يناير كان بارداً نوعاً ما، ألبستُه طبقات متعددة من الملابس. وهكذا ذهبتُ لإحضار طفلي الأول برفقة طفلي الثاني الذي أصبح حجمه ضعف حجمه الطبيعي بسبب الملابس.

"بابااا! لوكااا!"

وعلى عكس ما قلقت بشأنه، ركض ليني نحونا بابتهاج وفرح فور انتهاء الحصة.

ويبدو أن ليني حصل على الكثير من التجارب في الروضة بعد غياب، فأخذ يسرد عليّ ما حدث معه اليوم طوال طريق العودة دون توقف.

ومع كثرة الأحداث التي حكاها، إلا أن ما لفت انتباهي هو التقاؤه بـ «الرفيق الدراسي» من مرحلة الابتدائية ليكون مرافقه طوال هذا الفصل الدراسي.

"إنه أخ في الصف الرابع! وكنتُ سعيداً لأن اسمه يشبه اسم بابا."

"يشبه اسم بابا؟"

"أجل! اسم بابا هو جون، أما اسمه هو سونغ جون!"

إنه طفل من كوريا إذن. لا أعلم إن كان الأمر مجرد مصادفة أم ترتيباً من معلمات الروضة.

كان برنامج «الرفيق الدراسي» يهدف إلى إقران طلاب الصفوف العليا في الابتدائية أو المتوسطة مع أطفال الروضة حتى الصف الأول الابتدائي.

ويُقال إن هذا البرنامج يساعد الأطفال اجتماعياً وعاطفياً، ولا شك أن هناك أموراً يمكن تعلمها عبر التفاعل مع مختلف الأعمار.

وفي الوقت الذي بدأ فيه لوكا الذي تجاوز عامه الأول يستوعب ذاته ويكتشف ما يمكنه فعله، كان ليني يتقدم خطوة أبعد ويتعلم المهارات الاجتماعية.

"وماذا فعلتَ مع رفيقك اليوم إذن؟"

"صنعنا رجل ثلج معاً ولعبنا! واتفقنا أن أذهب في المرة القادمة إلى المكتبة في المدرسة الابتدائية."

أشرقت عينا ليني وهو يتحدث عن ذهابه إلى المدرسة الابتدائية، حتى أنه قال إن قلبه يخفق بحماس وانتظار.

"حسنا، إذن عليك أن تتدرب بجد على قراءة الكتب حتى موعد لقائك القادم مع رفيقك."

"نعم!"

وفور وصول ليني المتحمس إلى المكتب، أمسك بكتاب يحتوي على كلمات أكثر من كتب الصور التي يقرؤها عادة، وأخذ يقرأه بصوت عالٍ.

ولأن لوكا يقلد تصرفات أخيه الأكبر في الغالب، فقد جلس هو الآخر على الطاولة وأمسك بكتاب ليقرأه مع أخيه.

"……لوكا، الكتاب مقلوب!"

ورغم أن تصرفه كان مجرد تقليد فقط، إلا أن ليني ضحك بلطافة وأظهر الكتاب الذي كان يقرأه للوكا، وقرأه معًا.

"سأقرأ لك يا لوكا. هيا، الـ……ـيـوم، أيضاً! كلارا…… مـ……ـمـتلئة! مـمتلئة! أخطبوط ممتلئ……"

أخذ ليني يقرأ الكتاب باجتهاد،

لكن لوكا كان ينظر إلى ليني بنظرة تشكك ثم ينظر إلى الكتاب بالتناوب، وكان منظره مضحكاً للغاية.

أنت الذي تحمل الكتاب مقلوباً من الأساس، لماذا تشك فيه؟

وبينما كنتُ ألتقط هذه اللحظات الدافئة بالكاميرا وأنا أشعر بالرضا، نادتني كاساندرا وأخبرتني بوصول بريد إلكتروني من إيفان.

"هل وصلت مواد الفيديو الذي سينشر هذا الشهر بالفعل؟"

سألتُها لأن موعد البريد كان أسرع من المعتاد مقارنة بما ترقبه دار النشر أو مكتبة الكتب، لكن كاساندرا هزت رأسها.

"ليس الأمر كذلك، بل يقول إن مكتبة «ببليوفايل» ستقيم مسابقة بالتعاون مع دار نشر «كوتن كاندي بوكس»؟"

"ماذا؟"

كانت دار نشر «كوتن كاندي بوكس» هي الدار التي أصدرت كتاب 'مغامرات الأخطبوط الممتلئ وكلارا' الذي كان ليني يقرأه قبل قليل، إلى جانب كتب أطفال أخرى.

وهي دار معروفة بين الكبار بتقديم قصص غريبة ومثيرة لا تشبه القصص الخيالية التقليدية.

إقامة مسابقة بالتعاون مع دار نشر كهذه!

"دعنا نرى، إنها مسابقة إبداعية مخصصة لأطفال الروضة وحتى الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية. تبدو فكرة ممتعة! آه، من المؤسف أن تشارلي لا يحق له المشاركة."

وكان إيفان يسأل عن رغبة ليني في المشاركة.

*

وللحديث عن المسابقة ولمقابلة إيفان الذي لم نره منذ بداية العام الجديد، اتفقتُ معه على اللقاء في إحدى المقاهي بوسط المدينة.

خرجتُ إلى المدينة بعد فترة، وركنتُ السيارة ثم وضعتُ الطفلين في عربة الأطفال.

"بابااا، هناك الكثير من الناس!"

نظر ليني حوله بوجه يفيض بالحماس والذهول أمام مناظر المدينة الكبيرة التي لم يرَها منذ فترة.

وبما أننا التقينا بإيفان بعد انتهاء عمله، كانت الشمس قد بدأت بالغروب.

وكان وقت الغروب في المدينة هو أجمل أوقات اليوم، حيث تبدأ المباني العالية وأشجار الشوارع بإطلاق أضواء متألقة.

"هل يحب ليني المدن الكبيرة؟"

"نعم! إنها متألقة، وفيها الكثير من الناس، والمنازل ضخمة جداً!"

"فهمت."

أما لوكا، فقد بدا سعيداً هو الآخر، حيث كان يدير رأسه بقوة ويتأمل ما حوله بابتسامة خفيفة.

لم يكن المقهى بعيداً عن مكان ركن السيارة، لكنني تعمدتُ دفع العربة ببطء من أجل الطفلين.

"تساقط الكثير من الثلج بالأمس كما يبدو. لا تزال هناك كميات كبيرة من الثلج متراكمة على جانب الطريق."

"صحيح. ولكن يا بابا، يبدو أن الكبار مشغولون ولا يملكون وقتاً لصنع رجل ثلج!"

قال ليني ذلك وهو ينظر إلى الثلج المتراكم على جانبي الرصيف، ثم أطلق صرخة إعجاب قصيرة

"بابا! هناك بطة! بطة صغيرة!"

"بطة؟"

وفي المكان الذي أشار إليه، كانت هناك مجموعة من بط الثلج الصغير المصنوع بمهارة تصطف في خط واحد.

لا، ما هذا؟ إنها لطيفة جداً.

أوقفتُ العربة أمام مجموعة البط وأخذتُ ألتقط صوراً تجمع الطفلين مع البط باجتهاد.

"بابااا، ألا يمكننا أخذ البطة معنا؟"

أمسكتُ بيد لوكا الذي كان قد مد يده بالفعل نحو البطة

"في المرة القادمة عندما يسقط الثلج، سنصنع مثلها في شرفة منزلنا. فهذه قد يكون لها مالك، كما أننا ذاهبون إلى المقهى الآن، وإن أدخلناها المقهى فسوف تذوب وتتلاشى."

"نعم!"

وعلى عكس ليني الذي اقتنع سريعاً عند الشرح المنطقي، كنتُ قلقاً قليلاً بشأن لوكا.

لكن لحسن الحظ، لم يكن لوكا مهتماً جداً بالأمر، وحول نظره إلى مكان آخر فور أن دفعتُ العربة.

ورغم مشينا البطيء، وصلنا إلى المقهى سريعاً.

"وااااو!"

وكان المقهى المخصص للقاء يحتفظ بزينة نهاية العام وبداية العام الجديد، مما جعل الطفلين يستمتعان برؤية ما حولهما مع بعض الحماس.

أخذنا مكاناً بعيداً عن حركة الزبائن وأجلستُ الطفلين بحيث يمكنهما رؤية الخارج.

وبينما كنتُ أرتب ملابسهما في العربة وهما يجلسان أمام النافذة الواسعة ويشاهدان الخارج، ظهر إيفان.

"لم نلتقِ منذ فترة. كيف حالك؟"

نهضتُ من مقعدي وسلمتُ عليه بحرارة، فرد إيفان بنبرة أكثر راحة واسترخاء مقارنة بالمرة السابقة

"أنا بخير، شكراً لك. وقد تابعتُ البث المباشر في عيد الميلاد ورأس السنة وكان جيداً."

"آه، نعم. شكراً لك."

ما زلتُ أشعر ببعض الحرج عندما يتحدث شخص من خارج موظفي المكتب عن الفيديوهات.

وبعد طلب القهوة والكعك، قدمتُ للطفلين الوجبات الخفيفة والمشروبات والألعاب التي أحضرتُها من المنزل.

وبعد الانتهاء من التحضيرات، أخرج إيفان جهازه اللوحي وبدأ يشرح لي تفاصيل المسابقة مجدداً

"هل تعرف دار نشر «كوتن كاندي بوكس»؟ إنها دار معروفة بنشر كتب الأطفال الشهيرة."

"نعم، أذكرها لأن القصص التي تصدرها غريبة ومميزة جداً."

ابتسم إيفان ابتسامة خفيفة وكأنه يتفهم الأمر

"من منظور الكبار، هناك جانب من هذا بالفعل."

"وكيف اتفقت معهم على إقامة هذه المسابقة؟ ألم تعترض دار نشر «براون هاوس»؟"

"لا. أَقنعتُهم بإقامة هذه المسابقة هنا أولاً، وإن كان التفاعل جيداً فسنقيم مسابقة للكبار لاحقاً."

شرح إيفان ذلك وهو يلوح بيده وكأن الأمر بسيط

"والسبب في إقامة المسابقة هو الترويج والتعريف طبعاً. فعندما تُقام مسابقة للأطفال، يشارك فيها الآباء بحماس كبير."

"كنتُ أظن أن إدارة هذه المكتبة تقوم على الشغف والأحلام أكثر من المال بناءً على كلامك السابق."

مازحته بابتسامة خفيفة، فرد إيفان بمزحة مماثلة

"المال ليس كل شيء طبعاً، لكن إذا تعرف الأطفال على مكتبة «ببليوفايل» منذ صغرهم، فربما يصبحون زبائن لنا عندما يكبرون. أريد أن أكون مكتبة العمر التي ترافق الأطفال طوال حياتهم."

"……"

ورغم كلامه المنمق، إلا أنه يعني في النهاية كسب زبائن لمدى الحياة.

2026/08/01 · 25 مشاهدة · 1861 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026