"لا، هل يعني هذا أنهما يتركانكما بلا طعام؟"
"ليس الأمر كذلك، بل يقولون لنا أن نتدبر أمر طعامنا بأنفسنا في مثل هذه الأيام."
إذًا، كان بإمكانهما ببساطة أن يطبخا….
وبينما كنتُ أفكر في ذلك وألتزم الصمت، أضاف سونغ جين بلا اكتراث
"لكن إذا حضرنا شيئًا نأكله بأنفسنا، يبدآن لاحقًا بتوبيخنا والتذمر علينا."
لكن من خلال هز كتفيه الخفيف ونظراته الموجهة نحو الأرض، استطعتُ استنتاج أمر واحد؛
قد يبدو كلامه حادًا، لكنه في الحقيقة يشعر بأنه مضطر إلى مراعاة أصحاب المنزل الذي يقيم فيه
"……."
أليسوا يتقاضون المال من والديهم مقابل استضافتهم؟ فلماذا يصعّبون الأمور على الأطفال ويحرجونهم؟ والأسوأ من ذلك أن يكون الأمر متعلقًا بالطعام! لأطفال في مرحلة النمو؟
وبصفتي أباً في عامه الأول يربي طفلين، شعرتُ بألم وغضب شديدين بداخل قلبي. ولكنني رأيتُ أن إظهار هذه المشاعر للأطفال لن يكون أمراً جيداً، فسألتُ بأسلوب عادي وهادئ
"هل جربتما الحديث مع والديكما حول هذا الأمر؟"
"لا داعي لذلك، فسيؤدي هذا لجعل الأمور مزعجة و غير مريحة لكلينا."
"……."
ورغم أنني لا أعرف تفاصيل ظروفهما كاملة لأنني ألتقيت بهما للمرة الأولى اليوم، إلا أنه بدا بوضوح أنهما اختارا التحمل والامتناع عن الأكل تفادياً لإحراج وإزعاج الكبار.
"……ولكن الناس هنا يحافظون على نظافة المنزل، ولا يفتحون غرفتنا فجأة ويدخلون، ولذا فالوضع أفضل نوعاً ما."
وبينما كنتُ أربط حزام الأمان للوكا وليني بهدوء وأرتب عربة الأطفال، أضاف سونغ جين ذلك بصوت منخفض.
لا داعي لأن تتحفظ أو تخفي مشاعرك أمامي.
"فهمت. سيجلس سونغ جون بين ليني ولوكا، وسيركب سونغ جين في المقعد الأمامي."
حددتُ أماكن الأطفال بصوت عادي، ثم اتجهتُ نحو صندوق السيارة الخلفي.
"……."
عجباً، هل يظن الوالدان أن إغداق المال والسلع المادية على الأطفال يكفي؟ وهل من الصواب أن يتركا أطفالهما يعيشان في الغربة، مضطرين إلى مراعاة الآخرين حتى في أبسط أمورهم، كتناول الطعام؟
وبينما كنتُ أكتم الأسئلة التي تتدفق كالنوافير بداخل صدري، وضعتُ عربة الأطفال في صندوق السيارة وأغلقتُ الباب.
"……."
ثم أخذتُ نفساً خفيفاً بهدوء وحاولت التفكير بعقلانية.
فبما أنني لستُ والد سونغ جين وسونغ جون، فلا يحق لي الحكم على ظروفهما من تلقاء نفسي.
وربما لو علم أفراد العائلة المستضيفة بما أكنّه لهم من استياء، لرأوا في ذلك إجحافًا بحقهم؛ فهم ليسوا الوالدين الحقيقيين، ولعلهم يعتقدون أنهم أدّوا ما عليهم مقابل المال الذي تقاضوه.
ولو قيل لهم إن الطفلين لم يجرؤا على إعداد الطعام بأنفسهما خشية إزعاجهم، فقد يرون أن ذلك مجرد طبع خجول في الطفلين، وليس تقصيرًا منهم…
الأمر ليس سهلاً على الإطلاق.
تنهدتُ تنهيدة خفيفة أخيرة وفركتُ يديّ ببعضهما. ثم رسمتُ ابتسامة صغيرة على وجهي ودخلتُ السيارة، وأدرت المحرك وشغلتُ التدفئة. وبينما كنتُ أنتظر تسخين السيارة، سألتُ الأطفال
"ما رأيكم إذن أن تتناولا طعام العشاء في منزلنا اليوم؟"
"نعم!"
صرخ سونغ جون وهو يمد ذراعيه للأعلى بحماس.
"وااو، هل سيأتي أخي سونغ جون لزيارة منزلنا يا بابا؟"
ضحك ليني بفرح وسعادة.
"بالطبع إن كان الأمر يناسبكم. أم هل يتوجب عليكم العودة للمنزل فوراً؟"
وعزمتُ في نفسي على الاتصال بوالديهما إن تطلب الأمر لإطعامهما وجبة عشاء دافئة قبل إرسالهما. فمهما كان الأمر، يجب إطعام الأطفال أولاً.
وبينما كنتُ أفكر في ذلك، أجاب سونغ جين بملامح متوردة خفيفة
"ليس الأمر كذلك…… ولكننا بخير. لسنا جائعين."
"لكنني جائع……"
تمتم سونغ جون بحزن في المقعد الخلفي ثم نظر إلى أخيه بطرف عينه بحذر. وعند ذلك، نظر ليني سريع الفهم بدوره إلى الجميع بحذر.
عجباً، ما هذه الحفلة المليئة بالمداراة والحذر!
ابتسمتُ ابتسامة أكثر إشراقاً وسألتُ مجدداً
"ولكن بما أننا التقينا للمرة الأولى اليوم، أليس من الجميل أن نتناول وجبة معاً لتخليد هذه المناسبة؟"
ولو أصر الصبي على الرفض حتى النهاية لما أمكنني إجباره، لكنني أتذكر قولاً مفاده أن الكوريين يفضلون المحاولة ثلاث مرات.
ورغم ذلك، كان من حسن الحظ أنني لم أضطر لسؤالهم ثلاث مرات.
"إذن…… كل ما أحتاجه هو العودة للمنزل قبل الساعة الثامنة والنصف."
"حقاً؟ هذا جيد إذن. سيكون لدينا الوقت الكافي لتناول الطعام والحلويات بمهل."
وبما أن الأطفال يعيشون في مكان قريب هنا على الأرجح، فسيكون من السهل إيصالهم بالسيارة بعد تناول الطعام.
"أما أنا فوقت عودتي المحدد هو الساعة الخامسة!"
صرخ سونغ جون الذي كان يستمع لحديثنا بقلق بسرعة وحماس.
"لا بأس طالما أنت معي."
"نعم!"
وعندما أجاب سونغ جين بغير اهتمام، صرخ سونغ جون بـ «نعم!» مجدداً، ولما أدرك ليني أن الأمور تسير على مايرام دون أن يفهم التفاصيل، سأل
"أخي سونغ جون، ما هو وقت العودة المحدد؟"
"إنه الوقت الذي يتوجب عليك العودة فيه إلى المنزل!"
ومع تشغيل إشارة الانعطاف والخروج من موقف السيارات، سألني ليني الذي بدا وكأنه يفكر في إجابة سونغ جون
"بابااا، هل لديّ وقت عودة محدد أنا أيضاً؟"
"بما أن ليني مع بابا دائماً، فلا يوجد لديك وقت عودة محدد بعد."
"آه، يا للأسف!"
وقدتُ السيارة الصفراء التي أزهرت فيها الضحكات الصغيرة متجهاً نحو المنزل.
"أهلاً وسهلاً!"
وما إن فتحتُ الباب الأمامي ودخلنا حتى رحب ليني بالضيوف بمهارة وكأنه يقلد ما رآه في مكان ما.
"……."
حدق لوكا بتمعن في البشر الذين رآهم لأول مرة اليوم وهم قادمون إلى منزله، ثم سرعان ما بدا غير مهتم بوجودهم.
بالتأكيد، فقد قلّ خوف ابني من الغرباء كثيراً.
"واااو! هناك خيمة!"
أشار سونغ جون إلى الخيمة بنظرات يملؤها الذهول. أما سونغ جين فكان يتفحص المنزل بأكمله بعينيه بجد، وكأنه يتحقق مما إذا كانوا قد أتوا إلى مكان غريب أو غير آمن.
"حسناً، ليعلق الجميع معاطفهم هنا أولاً، ويضعوا الحقائب، ثم لنغسل أيدينا بعد ذلك."
وجهتُ الأطفال خطوة بخطوة حتى غسلوا أيديهم وأجلستُهم في غرفة المعيشة وقدمتُ لهم ماءً دافئاً.
"انتظروا قليلاً وسأعد لكم طعاماً لذيذاً فوراً. هل يمكنك الاعتناء بالأطفال لبعض الوقت يا سونغ جين؟"
"نعم."
وجلس سونغ جين على الأريكة بتعبير وجه محرج بعض الشيء، وهو ينظر إلى الأطفال، بينما كان سونغ جون منغمساً بالكامل في تأمل خيمة شجرة الميلاد التي يفتخر بها ليني.
"هذا هو المكان السري لي وللوكا!"
"هذا رائع! لكن لوكا ينظر إليّ بحدة."
وعند كلامه التفتُّ للوراء قليلاً، فرأيتُ لوكا يجلس عند مدخل الخيمة وينظر إلى سونغ جون بملامح متجهمة، وكأنه يمنعه من التفكير في الدخول.
"لا بأس! لوكا يفعل هذا في البداية دائماً."
لوكا يفعل هذا في البداية؟ بالتفكير في الأمر، تذكرتُ أن لوكا أظهر بعض التصرفات العدائية عندما جاء ليني للمنزل في البداية بالفعل.
ومع كلامه هذا، سحب ليني صندوقاً ضخماً وأحضره إلى أمام الخيمة. وكان عبارة عن لغز ثلاثي الأبعاد لمركبة فضائية استلمه كهدية في عيد الميلاد.
"يا أخي، العب معي بهذا. إنه صعب قليلاً ولذا أحتاج مساعدتك!"
"حسناً!"
جلس سونغ جون بجانب ليني وبدأ برص قطع اللغز بحماس، بينما كان لوكا الذي يجلس كحارس عند مدخل الخيمة يتلصص وينظر إلى ما يفعله الشقيقان الأكبر منه.
وبعد رؤية الأطفال يستقرون ويلعبون معاً، أسرعتُ لإعداد العشاء.
ماهو الشيء الذي يمكن إعداده بسرعة ويكون دافئاً ولذيذاً وخفيفاً على المعدة؟
وسط هذا التفكير وضعت إبريق الماء على النار أولاً، فالماء يلزم في كل الأحوال على أي حال.
فتحتُ باب الثلاجة وأخذتُ أنظر إلى ما بداخلها وسألتُ سونغ جين
"هل هناك أي طعام لا تستطيعون أكله؟ كأن تكون لديكما حساسية من شيء ما……"
"أصاب بطفح جلدي طفيف إذا أكلتُ الأسماك ذات الظهر الأزرق. أما سونغ جون فيأكل أي شيء دون مشكلة."
"فهمت."
كنتُ أشعر بأنه يتوجب عليّ إعداد طعام كوري للأطفال، لكن المكونات الأساسية للطعام الكوري لم تكن متوفرة بكثرة في المنزل.
ماذا أعد إذن؟ رغم أنني أعدُّ أطباقاً متنوعة ومختلفة منذ فترة طويلة، إلا أن عقلي بدا فارغاً فجأة.
ولكنني أردتُ إعداد مائدة غنية وحافلة، وفجأة تذكرتُ طبق اللازانيا الذي أكلتُه عندما دُعيتُ لمنزل غريغ.
……لقد كان لذيذاً جداً وقتها.
حسناً، عشاء الليلة هو طعام إيطالي منزلي الصنع!
ورغم أن اللازانيا كانت خياراً جيداً، إلا أن إعدادها يستغرق ساعة كاملة على الأقل، ولذا قررتُ إعداد الباستا التي يمكن طبخها في غضون عشرين دقيقة.
وتذكرتُ أنني أردتُ تجربة إعداد باستا اللحم التوسكانية في السابق، ولذا قررتُ تجربتها هذه المرة.
وفور اتخاذ القرار، وضعتُ الملح في الماء الذي بدأت الفقاعات تتصاعد منه، وأخرجتُ خبز الثوم من المجمد ووضعتُه في الفرن. فهو أفضل خبز يتناسب مع الباستا.
وبينما كنتُ أنتظر غليان ماء سلق الباستا، قطعتُ البصل والثوم، وسخنتُ زيت الزيتون في مقلاة واسعة وأخذتُ أقلي لحم البقر.
وعندما بدأ اللحم يتغير إلى اللون البني مع صوت القلي الشهي، أضفتُ البصل والثوم المجهزين، مع معجون الطماطم المصنوع يدوياً والأعشاب والبابريكا وأخذتُ أقلبهم، ثم أضفتُ كمية وفيرة من الباستا إلى الماء المالح المغلي.
وكنتُ أُقلب الباستا بين الحين والآخر وأستكمل إعداد الصلصة. وعندما نضجت المكونات بالكامل، أضفتُ مرق الدجاج وتركتُها تغلي لبضع دقائق إضافية.
وبما أن الصلصة قد تكون حارة بعض الشيء بالنسبة للوكا وليني، وضعتُ مقلاة أخرى على الموقد في المنتصف وقسمتُ الصلصة لمواصلة الطبخ بشكل منفصل.
وعندما تبخرت الصلصة واكتسبت القوام المطلوب، أضفتُ الكريمة الثقيلة ورفعتُ النار لتغلي بقوة مجدداً، ثم خفضتُ النار لتركد بتمهل، وأخرجتُ الباستا شبه الناضجة وأضفتُ السبانخ الصغيرة وضبطتُ التوابل، ثم نقلتُها إلى الأطباق وزيّنتها بالريحان وجبن بارميزان والفلفل الأسود.
دينغ!
وعندما انتهى التوقيت المخصص، انطلق صوت مبهج. أخرجتُ خبز الثوم من الفرن ونقلتُه إلى الطبق. وبالتأكيد، فإن الخبز الخارِج من الفرن للتو يتمتع بمظهر يبعث على الشهية.
ورتبتُ أدوات الطعام على المائدة وناديتُ الأطفال
"يا أطفال، لنأكل الآن!"
"نعم! رائحة شهية جداً!"
ويبدو أنه كان جائعاً جداً، إذ كان سونغ جون أول من ركض نحوي، بينما تردد سونغ جين قليلاً ثم حمل لوكا بين يديه.
ورأيتُ لوكا ينظر إلى سونغ جين بنظرة «من تكون أنت؟»، لكنه سرعان ما أدرك نية الأخ في إجلاسه على مائدة الطعام، فلم يبكِ ولم يتذمر.
وابتسمتُ بخفة ونقلتُ الطعام إلى المائدة بنشاط وسرعة.
وقاد ليني سونغ جين إلى طاولة الطعام.
" مكان لوكا هنا! ومكاني هنا!"
"نعم."
وبعد أن أجلس سونغ جين لوكا على الكرسي الذي أشار إليه ليني، حمل ليني وأجلسه في مكانه أيضاً. بالتأكيد، وجود طفل أكبر حجماً يجعل الأمور أكثر سهولة وراحة.
وبعد إنهاء تقديم الطعام بسرعة تضاهي سرعة النادلين في المطاعم، وضعتُ المشروبات الخاصة بكل منهم أمامهم.
فوضعتُ الحليب في الكوب لكل من لوكا وليني، بينما وضعتُ الماء الفوار مع شريحة ليمون لكل من سونغ جين وسونغ جون.
"حسناً، أتمنى لكم وجبة شهية."
"شكراً على الطعام! سآكل بشهية!"
أجاب سونغ جون بنشاط وأدخل لقمة كبيرة من الباستا في فمه كاشفاً عن ملامح تأثر وهو يكرر «لذيذ جداً!».
أما سونغ جين فكان مشغولاً بالأكل باجتهاد بعد تناوله للقمة الأولى.
في الحقيقة، كنتُ أخشى أن يكون ذوق سونغ جين صعباً في الطعام، ولكن يبدو أنه لا توجد مقاومة أمام مهارات تطبيق مانيتو
فحتى كبرياء المراهقين الحاد والمميز انهار في لحظات أمام الطعام الدافئ واللذيذ بشكل واضح.
وابتسمتُ بخفة وقربتُ الأطباق أمام الأطفال أكثر
"لقد أعددتُ كمية كبيرة، فكلاكما يملك الحرية في الأكل بكثرة. سونغ جون، سيكون الطعم ألذ لو وضعتَه فوق خبز الثوم وأكلتَه. آه، سونغ جين، لديّ بيستو حار، هل تحب أن أضيف لك منه؟"
"……نعم."
ولم يمارس حتى عادة الرفض للمرة الأولى، وهذا أمر رائع جداً.
وبينما كنتُ أتابع تناول الأطفال لطعامهم، أنهيتُ إعداد فطيرة التوت الأحمر التي أعددتُها لتوريدها لمقهى السيد جيمس غداً ووضعتُها في الفرن.
فقد رأيتُ أنه سيكون من الرائع تقديمها للأطفال كحلوى بعد إنهاء وجبتهم.
- - - - - - - - - - - - - -
🌟لوكا وليني مع سونغ جين وسونغ جون🌟