وبعد أن قضى الأطفال على فطيرة التوت الأحمر كحلوى بمهارة، استلقوا على البساط المفروش أمام الأريكة.

وبوجه غلب عليه النعاس قليلاً من شدة الشبع، تمتم سونغ جون

"أنا شبعان جداً. كان الطعام لذيذاً حقاً. أنا سعيد……"

"يااا سونغ جون، انهض! إن الاستلقاء فور الأكل يجعلك تتحول إلى بقرة."

وجه سونغ جين توبيخاً باللغة الكورية نحو سونغ جون المستلقي بملامح راضية جداً.

ولكن يبدو أن سونغ جون يملك مناعة ضد توبيخ سونغ جين ، إذ أجاب بملامح هادئة لم تتأثر مطلقاً

"سأصبح إذن بقرة ممتلئة وسعيده. مممـووو."

فهز سونغ جين رأسه يميناً وشمالاً وساعد في ترتيب المكان.

في تلك اللحظة، سأل ليني المستلقي بجانب سونغ جون عن سبب إصداره لصوت البقرة.

وعند توضيح سونغ جون بأن الاستلقاء مباشرة بعد تناول الطعام يحولك إلى بقرة، قفز ليني وجلس مستوياً.

ثم جعل لوكا الذي كان مستلقياً يقلد شقيقه يجلس مستوياً هو الآخر.

"لوكااا، قم."

وضحك سونغ جون وساعد ليني في إجلاس لوكا.

وبينما كان لوكا ينظر إخوته الأكبر سناً دون فهم السبب، صفق سونغ جون بكفيه معاً

"ما رأيكم إذن أن نمارس بعض التمارين بعد تناول الطعام؟ أنا أعرف أمراً ممتعاً جداً!"

وركض الصبي بنشاط إلى حيث تقع حقيبته المدرسية متحمساً لفكرة إظهار شيء ما.

وأخرج الجهاز اللوحي من الحقيبة وثبته على طاولة القهوة، ثم شغل مقطع فيديو يظهر فيه شخصية بيبي شارك.

وسرعان ما ملأت الألحان المفعمة بالحيوية والغناء الواضح غرفة المعيشة.

ونظر لوكا وليني إلى الشاشة وكأنهما مسحوران، ثم سرعان ما بدآ في تحريك وركيهما مع سونغ جون.

راقبت بهدوء، لأن الحركة بقوة بعد تناول الطعام ليست جيدة، لكنها لم تكن حقاً شيئاً أحتاج إلى القلق بشأنه.

وبفضل لعب سونغ جون مع الأطفال بهذه الطريقة، أتيحت لي الفرصة للاستمتاع بفنجان من القهوة لأول مرة منذ فترة بعد الانتهاء من التنظيف.

وسألتُ سونغ جين الذي عاد للجلوس على مائدة الطعام بدلاً من العودة إلى جوار الأطفال

"هل تحب شرب القهوة يا سونغ جين؟"

"نعم. لقد كنت أشرب القهوة سريعة التحضير منذ المدرسة الابتدائية."

وبناءً على قوله، أعددتُ كوبين من القهوة؛ شربتُ أنا القهوة السوداء، ووضعتُ السكر والحليب أمام سونغ جين.

"سونغ جون يلعب جيداً مع الصغيرين. هل هو مهذب ويستمع للحديث في المنزل أيضاً؟"

"لا."

لم أتمالك نفسي من الضحك بخفة أمام إجابة النفي السريعة والمباشرة.

وتذوق سونغ جين رشفة من القهوة، ثم سكب السكر والحليب، وكاد أن يسكبهما بالكامل.

ألا يتحول هذا إلى حليب بالقهوة بدلاً من القهوة؟

"يو سونغ جون يقلد كل ما أفعله، وهذا يثير حنقي وغضبي."

تذمر سونغ جين وهو يشرب شيئًا حلوًا جدًا يشبه الحليب بالقهوة.

ورغم أنه يحمل الكثير من الاستياء بداخل نفسه، إلا أنني شعرتُ بفخر لا يمكن تفسيره لأن تعامله معي أصبح أكثر أريحية من ذي قبل.

"هذا يرجع إلى أنك تبدو الشخص الأكثر روعة في عينيه، ولذا يقلد كل ما يفعله شقيقه الأكبر."

حتى لو لم يقل ذلك بصراحة، فمن المرجح أن يكون سونغ جين شخصًا موثوقًا به يمكن لسونغ جون الاعتماد عليه في الوقت الحالي.

"ورغم ذلك فالأمر مزعج، إذ يتوجب عليّ الاعتناء به طوال الوقت."

ورغم حديثه هذا، إلا أن سونغ جين خفض صوته كي لا يسمع سونغ جون. إنه أخ أكبر جيد حقاً.

"تارا تارا تا! يمين، يسار!"

وبالنظر إلى غناء سونغ جون بحماس مع الأغنية، كان من الواضح أنه لا يسمع أصواتنا هنا مطلقاً.

وعند النظر إلى رد فعل لوكا عندما جاء ليني لمنزلنا للمرة الأولى، فقد كان سونغ جون بالنسبة لسونغ جين مجرد منافس جديد ظهر فجأة لا أكثر.

وحين يقلد الأخ الأصغر تصرفاته ويحظى بالثناء من الكبار، فقد يشعر بأنه حُرم من فرصة الحصول على الثناء بنفسه.

وفوق هذا، فإن بقاءهما بمفردهما في الغربة هكذا يلقي على عاتقه عبء المسؤولية تجاه شقيقه الأصغر على الأرجح.

ولم يكن لديّ الكثير لأقوله بحكم أنني لا أملك أشقاء.

ولكنني تحدثتُ وأنا أفكر في المسار الذي أتمنى أن ينمو لوكا وليني وفقاً له في المستقبل

"لا أعتقد أنه يتوجب على الأشقاء الوفاق القسري والمطلق لمجرد كونهم أشقاء، ولكن سونغ جون سيكون الصديق الذي يرافقك لأطول فترة ويشاركك نفس الذكريات."

"نحن لا نفعل شيئاً مميز في الحقيقة."

"حتى وإن لم تكن أموراً عظيمة؛ تماماً كما التقينا وتناولنا العشاء معاً اليوم. وهذا أمر بسيط بالنظر إليه، لكنه سيتحول إلى ذكرى مع مرور الوقت."

"……."

"وعندما تعودان إلى كوريا لاحقاً، يمكنكما الحديث عن الباستا أو فطيرة التوت الأحمر التي أكلناها معاً اليوم، وإعدادها مجدداً."

وحتى وإن كانت أموراً بسيطة جداً، أليس من النعم أن تجد شخصاً تتذكر معه وتستحضر الذكريات بدلاً من استحضارها بمفردك؟

فالزمن يمضي أحياناً بأسرع مما ندرك ونشعر.

ولذا، إن لم يوجد من يمسك بالذكريات معنا، فقد تتلاشى وتختفي دون أن تترك أثراً.

"على أي حال، حاول مصادقة شقيقك والتقرب إليه إن أمكن. فلو هجم الفضائيون فجأة الليلة أو اجتاح حشد الزومبي المكان، ألن تأخذ شقيقك وتفر هرباً أولاً من المنزل؟"

ونظر إليّ سونغ جين الذي كان يعبث بالكوب بين يديه فقط بملامح تعبر عن استغرابه من هذا الحديث المفاجئ الغريب

"ما دخل الفضائيين والزومبي فجأة؟"

"أقصد لو حدث ذلك في موقف كهذا، كما في الأفلام. ألن تأخذ شقيقك وتفر هرباً؟"

"بالطبع سأفعل."

"أجل، ولذا اعتَنِ به جيداً حتى وإن لم يطاردكم الفضائيون والزومبي. فإذا اعتنيتَ بشقيقك أولاً ، فسيعتني بك سونغ جون دون تردد عندما تواجه أشخاصاً أشد قسوة من الفضائيين أو الزومبي لاحقاً."

ولم يُجب سونغ جين بشيء، لكن حركة عينيه الدائرية أظهرت بوضوح أنه يستمع لحديثي بانتباه.

"حسناً، أرى أنك تبذل جهداً رائعاً يستحق الثناء دون الحاجة لسماع مثل هذا الكلام، وهذا أمر رائع."

"……ليس الأمر كذلك."

"بل أراه كذلك على ما يبدو؟"

ونظر سونغ جين إلى الكوب بين يديه مجدداً بشيء من الخجل، ورغم ذلك لم يبدُ متضايقاً أو مستاءً.

ورأيتُ أنها الفرصة المناسبة لسؤاله عما يشغل بالي

"كم ستستمر فترة إقامتك مع العائلة المستضيفة؟"

"لا أعلم، ربما أستمر هكذا حتى الالتحاق بالجامعة."

أجاب سونغ جين ببرود، ثم تردد للحظة قبل أن يضيف.

"أنا أرغب في العودة إلى كوريا، ولكن يبدو أن والديّ يفكران في الهجرة أيضاً. ورغم أنهما لا يخبرانني بالتفاصيل……"

"فهمت."

لا يمكنني التدخل في الشؤون العائلية للآخرين بالطبع.

ولكنني لم أشعر بالارتياح وأنا أرى طفلاً يبدو التواصل بينه وبين والديه مقطوعاً هكذا. فلا بد أنه يشعر بوحدة ووحشة شديدة.

واستمر صوت الغناء المبهج وضحكات الأطفال في ملء الصمت القائم بيننا.

وبينما كنتُ أفكر في الكلمات المناسبة لمواساته، غير سونغ جين الموضوع هذه المرة

"هل عشتَ في أمريكا طوال الوقت يا هيونغ؟ وهل ستستمر بالعيش هنا في المستقبل؟"

"ممم……"

كيف أتعامل مع لقب «الهيونغ» هذا؟

لكن مع ذلك، إجباره على مناداتي بـ «يا عم» بدا غريباً بعض الشيء أيضاً…

وربما لا بأس بالأمر طالما أنني لن ألتقي بكوريين آخرين يعيشون في هذا الحي.

"على الأغلب نعم. فغالبية ذكرياتي التي نشأتُ وعشتُ فيها تتركز هنا، وفوق هذا لا أملك معارف أو أقارب في كوريا."

"فهمت. ولكنك تتحدث الإنجليزية جيداً يا هيونغ، ولذا فلن تشكل لك مشكلة على أي حال."

"أنت تتحدث الإنجليزية جيداً أيضاً، أليس كذلك؟ ونطقك جيد أيضاً."

فتنهد سونغ جين تنهيدة عميقة.

"المحادثات اليومية لا بأس بها، ولكن الدراسة صعبة."

يا إلهي كنتُ أفكر في كيفية مواساته، واصل سونغ جين كلامه فوراً

"أحصل على تقدير ممتاز (A) في جميع المواد الأخرى، ولكنني أحصل على تقدير جيد جداً مرتفع (B+) في اللغة الإنجليزية فقط."

"……."

هذا الصغير يخدع الآخرين!

"……حسناً، على أي حال. بغض النظر عما سيحدث في المستقبل، تعال لزيارتنا إن رغبت في أكل شيء ما. فقط أخبرني بالقائمة مسبقاً، ويمكنني تحضير غالبية الأطباق."

فاتسعت عينا سونغ جين بدهشة

"هل يمكنني ذلك حقاً؟"

"بالتأكيد، تعال برفقة شقيقك الأصغر. تعال لتناول الطعام واللعب مع الأطفال قليلاً، وسيكون ذلك جيداً."

وسواء استمر في البقاء بأمريكا أو عاد إلى كوريا، فمن الممكن التواصل والعيش بمرونة في أي مكان في العالم هذه الأيام. ولذا فلا بأس من التقارب مع الأطفال أكثر قليلاً.

ولن يكون سيئاً أن أكون بمثابة أخ يمكنه الحديث معه لصبي يمر بمرحلة مراهقة مليئة بالوحدة والوحشة.

وبعد أن بدا وكأنه يفكر في كلامي للحظة، سأل سونغ جين سؤالاً جديداً بنبرة أكثر إشراقاً

"بالمناسبة يا هيونغ، ما هي وظيفتك؟"

"همم……."

وفكرتُ قليلاً ثم أجبتُ

"أعمل في أعمال متنوعة ومختلفة؛ أورد الحلويات للمقهى في الطابق الأول هنا، وأغني في الحانة في عطلة نهاية الأسبوع……"

ولم يكن هذا كذباً.

وإلا إذا كان يعلم بالأمر مسبقاً، فلم أعد أرى حاجة لذكر أنني صانع محتوى على يوتيوب أملك قناة تتجاوز 700 ألف مشترك.

ليس سونغ جون فقط، بل أيضاً سونغ جين، الذي يبدو ناضجاً جداً، لا يزال في الصف الثامن.

وخشيتُ من وقوع إحراج أو إزعاج لو أخذ يتحدث في المدرسة بأن «والد طفل الروضة ليني هو يوتيوبر شهير».

ولكن سونغ جين قال كلاماً وكأنه كشف كذبي فوراً

"يا هيونغ، قم بإنشاء قناة على يوتيوب."

"……هاه؟"

"أعتقد أن القناة ستنجح حتى لو نشرتَ مقاطع فلوج (Vlog) لليوميات العادية فقط. وجهك سيبدو رائعاً أمام الكاميرا أيضاً. وفوق هذا فالأطفال أذكياء ولطفاء، ولذا أعتقد أنك ستحظى بشعبية كبيرة."

"آه……"

ظننتُ الأمر شيئاً آخر، لقد أخطأتُ للحظة!

ولتجنب الحديث عن اليوتيوب، سألتُه في المقابل.

"وماذا عنك أنت، ماذا تحب أن تعمل؟"

"لا أعلم بالتأكيد بعد. والدي يطلب مني الدراسة بجد والالتحاق بكلية إدارة الأعمال في جامعة مرموقة……"

وكان من الواضح جداً أن سونغ جين لا يملك أدنى اهتمام بهذا المجال.

ورؤية كتفي الصبي تهبطان قليلاً عند الحديث عن أحلام المستقبل جعلتني أغير الموضوع

"تحديد المهنة أمر يمكنك التفكير فيه بمهل. ولكن ماذا عن الأشياء التي تحبها؟ ألا تملك هواية معينة؟"

ولو كان سونغ جين يعيش حياة مملة دون هوايات حتى، لكُنتُ أود اقتراح أمور متنوعة ومختلفة عليه.

فمن الممكن اكتشاف مواهبك عبر ممارسة الهوايات وتحويلها إلى مهنة لاحقاً.

وفوق كل شيء، فإن امتلاك هواية يمثل مواساة وراحة للنفس بحد ذاته.

لقد شعرتُ بسعادة كبيرة للغاية عندما لمستُ مجالات إبداعية متنوعة بفضل تطبيق مانيتو .

ولذا كنتُ واثقاً من أن هذا سيساعد طفلاً يمر بمرحلة مضطربة.

ولكن لحسن الحظ، بدا أن لدى سونغ جين الكثير ليقوله بمجرد فتح موضوع الهوايات

"في الحقيقة، أنا أجمع مصروفي لشراء كاميرا فيلم."

"كاميرا فيلم؟"

"نعم، أنا أحب التقاط الصور. هل ترغب بمشاهدتها؟"

وبوجه يملؤه الحماس والشغف أكثر من أي وقت مضى، فتح تطبيق الصور في هاتفه الذكي وعرضه عليّ.

وانبهرتُ حقاً عند رؤية الشاشة الممدودة أمام عيني

"واو، أنت تلتقط الصور ببراعة فائقة حقاً"

فالمشاهد اليومية العادية صورها سونغ جين بأسلوب فني و حسّاس يجبر أي شخص على الرغبة في حفظها.

وبصراحة، كُنتُ أنوي مدحه حتى لو كانت الصور عادية، لكنها فاقت توقعاتي.

"ولكن ما السبب في رغبتك الشديدة لشراء كاميرا فيلم بالذات؟ في الحقيقة كُنتُ أظن أن أطفال هذه الأيام لا يعرفون ما هو الفيلم حتى."

وكان هاتف سونغ جين من أحدث الطرازات وأغلاها بين الهواتف الرائدة.

وهو مزود بخصائص كاميرا تتجاوز حاجة طفل بكثير، فضلاً عن وجود العديد من التطبيقات المتعلقة بها.

"لأنني أرغب في تجربة الأساسيات؛ فبهذا أعتقد أنني سأستوعب وأدرك أموراً أكثر……"

"يبدو أنك مخلص وصادق جداً تجاه التقاط الصور."

وكان الأمر يدعو للثناء. وعندما سألتُه لمَ لا يطلب ذلك من والديه، هز سونغ جين كتفيه

"هما يشتريان لي غالبية الأشياء التي أطلبها، لكنهما رفضا شراء كاميرا الفيلم. وأعتقد أنهما يخشيان أن أطلب التخصص في هذا المجال لاحقاً."

ولكن سحب مبلغ نقدي كبير دفعة واحدة سيجعل والديه يستجوبانه، ولذا فهو يجمع المبلغ قليلاً فقليلاً.

"وكم يبلغ سعر كاميرا الفيلم؟"

وسألتُ بدافع الفضول، فعرض عليّ سونغ جين بضعة طرازات نالت إعجابه.

"……بجدية، لمَ كل هذه الأسعار المرتفعة جداً؟"

وبحكم جهلي التام بمجال كاميرات الأفلام، كان من المذهل جداً رؤية كاميرات تبدأ أسعارها من بضع مئات من الدولارات وتصل لعدة آلاف من الدولارات بسهولة.

وبينما كان سونغ جين على وشك قول شيء ما بنبرة متحمسة، سُمِع صوت طرق على الباب الأمامي.

كان غريغ.

وعند فتح الباب ودخول غريغ، سمعت صوت تمتمة سونغ جين بانبهار

"إنه وسيم جداً. كيف يمكن لشخص أن يكون بهذا القدر من الوسامة!"

2026/08/03 · 25 مشاهدة · 1840 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026