ما إن فتحتُ الباب لغريغ حتى خطى إلى الداخل بجرأة وسرعة.
"جئتُ لأدغدغ لوكا دغدغة سريعة قبل أن أعود لمنزلي."
"من الأفضل أن تقول إنك جئتَ لإلقاء التحية على الأطفال قبل المغادرة، وانتظر أولاً حتى يدعوك صاحب المنزل للدخول."
وعاتبته، لكن هذا لم يُجدِ نفعاً مع ذلك الأحمق.
وأشار غريغ إلى سونغ جون الذي كان يلعب مع لوكا وليني، وإلى سونغ جين الجالس على الطاولة، وسأل
"وجوه جديدة لم أَرها من قبل، من هؤلاء؟"
"هذا سونغ جون، وهو الرفيق الدراسي لليني. وهذا سونغ جين، الأخ الأكبر لسونغ جون."
"فهمت. أهلاً! أنا غريغ."
ابتسم غريغ ابتسامة عريضة ولوّح بيده وألقى تحية خفيفة.
ولوّح سونغ جون بيده بالمقابل، ثم انحنى بخفض رأسه محيياً.
"لا بأس يا سونغ جون، عد للعب مع الصغار."
"نعم!"
ودرس الرقص الذي توقف لفترة وجيزة بسبب ظهور شخصية جديدة عاد للعمل مجدداً.
وبخلاف سونغ جون الذي لم يولي اهتماماً كبيراً لظهور غريغ، كان سونغ جين يفتح عينيه على وسعهما بذهول
"واو، صوته رائع أيضاً. هذا لايصدق حقاً."
ولأن تفوه سونغ جين بهذه الانبهارات النقية باللغة الكورية كان مضحكاً قليلاً، قررتُ إطلاعه على الواقع القاسي.
"يبدو وسيماً بعض الشيء، أليس كذلك؟ ولكنه أحمق."
"حقاً؟ يبدو أن الرب عادل إذن."
"ماذا هناك، هل تتحدثان عني بسوء بالصدفة؟"
وسأل غريغ -الذي يملك حس فطن رغم حماقته- وهو يجلس على الطاولة. ألم تقل إنك ذاهب لمنزلك، لمَ تجلس إذن؟
وبدا أن سونغ جين أصبح يجد المكان مريحاً إلى حد ما في هذه الأثناء، إذ رفع طرف شفته للأعلى مازحاً
ورؤيته يبتسم هكذا تجعله يبدو كمراهق شقي ومشاكس.
"كنا نتحدث عن المكان الذي اشتريت منه هذه السترة بالتحديد، فهي تبدو كأنها مما ترتديه الجدات قبل ستين عاماً……"
"هذه أهدتني إياها زوجتي في عيد الحب."
"……إنه أسلوب يعيد تفسير التصميم الكلاسيكي برؤية عصريه رائعة."
وانخفض صوت سونغ جين تدريجياً.
وفشلت محاولة الصبي الطموحة للمزاح مع الكبار، بينما قهقه غريغ بنبرة «لقد كُشفت».
"ما هذا، إنه يبدو وسيماً عندما يبتسم. لا بد أن هذا الشخص يحظى بشعبية كبيرة."
وتحدث سونغ جين باللغة الكورية وكأنه يشكو وهو ينظر إلى غريغ بملامح يملؤها الشعور بالظلم.
"صحيح. وبحكم طباعه الجيدة، فلا بد أن لديه أصدقاء كثيرين."
وسحب غريغ ما تبقى من فطيرة التوت الأحمر على الطاولة إلى أمامه، وتمتم بتذمر متصنع
"تحدثا بالإنجليزية، بالإنجليزية! هل أتحدث بالإيطالية أنا أيضاً؟"
"يقول إنك وسيم."
وقدمتُ له كوباً من القهوة مع شوكة جديدة وترجمتُ له بإيجاز، فابتسم غريغ
"وما الحاجة لقول أمر بديهي كهذا؟"
ومع كلماته تلك، أمال كوب القهوة متخذاً وضعية متصنعة، فنظر إليه سونغ جين بملامح تعبر عن الاستغراب.
"من الواضح أنه يمزح، إلا أن وسامته تجعل الأمر مزعجا أكثر."
وانفجر غريغ ضاحكاً بصوت عالٍ وأكل الفطيرة.
"يا رجل، هذه الفطيرة لذيذة جداً. هل لديك صينية أخرى؟"
"لديّ. هل تريد أخذها لراشيل؟"
"نعم، سأشتريها منك."
"أي شراء هذا؟ سأخبزها لك خَبزاً أوليّاً لتكمل خبزها في المنزل. سأرسل لك مدة الخبز في رسالة نصية."
"شكرًا لك."
وأخرجتُ الفطيرة من الثلاجة ووضعتُها في الفرن، وكانت ملامح سونغ جين غريبة؛
فقد كان وجهه يتوق لسؤال شيء ما بوضوح. وكما توقعتُ تماماً
" كم فتاة واعدتَ في حياتك حتى الآن؟"
وعند سؤال سونغ جين، نظر غريغ إلى الأعلى للحظة.
ودار بعينيه وكأنه يقرأ عقارب الساعة، ثم سأل مجدداً
"أبدأ من الحب الأول؟ أم من السنوات الأخيرة؟"
"…هذا يكفي."
وهز سونغ جين رأسه بضجر، بينما ضحك غريغ بخفة
"في الحقيقة، الماضي لا يهم؛ فليس لديّ الآن سوى ملكتي وأميرتي."
"واو، تبدو شاباً ولكنك أب بالفعل؟ كما قالت أمي تماماً، الوسامة الزائدة تجعل المرء يدفع ثمن وجهه……"
"توقف، إلى هنا وكفى. وبالتفكير في الأمر، فهذا جيد، بما أنك ذاهب لمنزلك يا غريغ، هل يمكنك توصيل الأطفال إلى منزلهم في طريقك. سونغ جين وسونغ جون يعيشان في هذا الحي."
ورأيتُ أنه يتوجب إرسال الأطفال لمنزلهم بتمهل قبل أن يفوت الوقت كثيراً.
"لا بأس، سأفعل."
"شكراً جزيلاً."
أجاب غريغ على الفور، وانحنى سونغ جين برأسه شاكراً.
وفي هذه الأثناء، وضعتُ مع الفطيرة أنواعاً مختلفة من الكعك في علبة بلاستيكية.
وبينما كنتُ أجهز ما سأرسله مع غريغ، أعددتُ أيضاً كعكاً ومأكولات خفيفة متنوعة لسونغ جين وسونغ جون.
"تشارَك هذا مع شقيقك. وأكرر لك، إن رغبتَ في أكل شيء ما أو شعرتَ بالملل، تعال لزيارتنا."
"……نعم، شكرًا لك."
أجاب سونغ جين بملامح أصبحت أكثر رقة ولين بوضوح مقارنة بلقائنا الأول اليوم.
إنه مجرد طفل يفتح قلبه هكذا لمجرد تقديم وجبة طعام دافئة له.
أتمنى لو أستطيع نصحه بالحديث مع والديه لاحقاً عندما تزداد علاقتنا قرباً.
ويمكنه استشارتي في أموره الأخرى إن أراد؛
فمجرد التحدث بصراحة عمّا يشعر به بين الحين والآخر سيكون مفيدًا له.
وبينما كنتُ أتحرك بنشاط، تبادل غريغ وسونغ جين أطراف الحديث المتنوعة.
"يا فتى، هل جربتَ هذه اللعبة التي صدرت مؤخراً؟"
"أوه! هل تعرف تلك اللعبة؟"
……تلك الألفة والتقارب التي لم أحققها إلا بعد إقناعه بالحضور للمنزل وإطعامه العشاء، حققها هذا الأحمق غريغ في لحظات!
وشعرتُ بشيء من الانزعاج الخفيف، لكنني استرددتُ مزاجي عندما فكرت في أن هذا ممكن بحكم حماقته فقط.
وسلمتُ لغريغ الوعاء الثقيل الممتلئ، فابتسم ابتسامة مشرقة ثم أغمض إحدى عينيه فجأة
"آه، يبدو أن رمشاً دخل في عيني."
"انتظر قليلاً، لديّ مرآة."
وأحضرتُ المرآة الموضوعة على رف الكتب.
وكانت مرآة كبيرة قابلة للطي أهدتني إياها كاساندرا كهدية في عيد الميلاد.
ورغم احتفاظه بإمساك إحدى عينيه، إلا أن غريغ انفجر ضاحكاً في تلك الأثناء
"يا رجل، هذه هي تلك المرآة إذن! رؤيتها على الواقع أشد إبهاراً."
مرآة زاهية وبراقة للغاية، خلفيتها وردية مصنوعة من الخرز البراق، ونمط من الكرز الأحمر اللطيف.
وفزع سونغ جين من هذا اللطف والجاذبية المفرطة، ثم التفت إليّ بتمهل
"هيونغ، هل أنت بالصدفة……؟"
"لا. لا أدري في ماذا تفكر، لكن الأمر ليس كذلك."
"همم. أنت أنيق ومرتب للغاية، لذلك في الواقع، كنت متشككًا بعض الشيء."
"الأمر ليس كما تظن!."
فالمنزل نظيف بفضل أمرائي الصغار، وأرتدي ملابس أنيقة بفضل ليني.
ونظر إليّ سونغ جين بملامح يملؤها الشك، ثم اتجه نحو المكان الذي أحضرتُ منه المرآة وسحب كتاباً سميكاً وضخماً يتميز بغلافه الزاهي
«كيف تصبحين أميرة حياتك»……
"هذا كتاب يُقرأ لتعزيز الثقة بالنفس والتقدير الذاتي."
وانفجر غريغ ضاحكاً حتى كاد يغص بأنفاسه.
أحتاج حقاً إلى الانتقام من كاساندرا يوماً ما.
في اليوم التالي.
وبما أنه كان يوم الأربعاء الذي لا يذهب فيه ليني إلى الروضة، حضرتُ للمكتب مبكراً قليلاً، وأنزلتُ الأطفال في غرفة الألعاب، وقمتُ بتنظيف خفيف وتهوية المكان.
وعند فتح النوافذ هبت رياح باردة، لكن التهوية كانت مهمة رغم ذلك.
ولا سيما في هذا اليوم بالذات.
وبينما كنتُ أتحرك بنشاط، كانت كاساندرا تتجول بجانبي بملامح يعلوها التوتر الخفيف والارتباك
"أشعر بالتوتر."
"وأنا كذلك."
وكنّا كلينا مبتهجين ومتحمسين لرؤية سابرينا للمرة الأولى اليوم.
"ألم تقل إن سابرينا بلغت شهرها الثالث الآن؟"
"صحيح، الوقت يمضي بسرعة."
بالتفكير في الأمر، فإن لوكا انقلب على بطنه عندما كان في شهره الثالث.
يبدو أن سابرينا لن تستطيع استخدام سرير عربة الزهور.
وبينما كنتُ أبتسم بخفة متذكراً لوكا وهو يتقلب بجسده بكثره، خرج ليني من غرفة الألعاب
"بابااا! الجو بارد!"
"أجل، حسناً. لننهِ التهوية الآن. لمَ خرج ليني؟"
وبينما كنتُ أغلق النوافذ لأعيد ليني للغرفة، خرج لوكا خلف ليني وهو يدفع مشاية الأطفال.
"حسناً يا أبنائي، لنعد للغرفة مجدداً."
"لا أريد! آه، إنه منعش!"
"ألم تقل للتو إن الجو بارد؟"
وقرصتُ خد ابن الأربع سنوات الشبيه بالضفدع الضاحك (الذي يفعل عكس ما يُطلب منه) بخفة، فالتصق ليني بساقي اليسرى بقوة.
"هيهي."
ولما رأى لوكا ذلك، ترك مشاية الأطفال والتصق بساقي اليمنى بقوة هو الآخر.
"يا إلهي، كم انتما ثقيلان!"
"كياااك!"
وبينما كنت أسير جيئة وذهاباً ألعب مع ولديّ اللذين كانا يتشبثان بي من الجانبين فُتح باب المكتب الأمامي.
"يا إلهي، أهلاً وسهلاً!"
صاحت كاساندرا بابتهاج وهي تضم كفيها معاً بفرح.
"رايتشل، مضى وقت طويل! كيف حالك؟"
"بخير. شكراً لك على السماح لي بالحضور للمكتب بهذه الطريقة."
تحدثت راشيل بسعادة واضحة، فاكتفيتُ بالابتسام أمام كلام يصعب الرد عليه بوضوح.
وأتت اللحظة التي ينتظرها الجميع.
"تفضلوا، هذه هي أميرة منزلنا، الآنسة سابرينا."
وعرض غريغ الطفلة الرضيعة التي يحتضنها بفخر أمام كاساندرا وأمامي.
"أليست جميلة؟"
تحدث غريغ وهو يرينا ابنته بملامح لا يمكن أن تكون أكثر فخراً.
"أجل، إنها جميلة جداً."
طفلة تنظر إلينا بعينين صافيتين.
وكانت سابرينا ذات الثلاثة أشهر تبدو وكأنها تتلألأ بنور أبيض نقي وبراق.
"أبسبب كونها فتاة؟ تبدو أصغر حجماً مما كان عليه لوكا في شهره الثالث نوعاً ما."
"أليس هذا لمجرد أنك ربيتَ لوكا ليكون طفلاً ضخم البنية؟"
ربما كان الأمر كذلك.
وتأملتُ لبرهة هذه الطفلة الصغيرة التي أدفأت جو الغرفة البارد بوجودها فقط.
وبالنظر إليها الآن، كانت سابرينا تملك نظرة عينين تذكر براشيل نوعاً ما.
ورغم أنها رضيعة لا تستطيع الحديث بعد، إلا أنها تشبه غريغ من الخارج ، وداخلها يشبه راشيل.
وعندما قلتُ هذا، ضحك غريغ وراشيل في نفس الوقت.
وكأنهما كانا يفكران في الأمر نفسه بدورهما.
"إنه مزيج مناسب جداً."
وضحكت كاساندرا بخفة وهي تمسك قدم سابرينا اللطيفة بحذر وتهزها برفق.
"هل تريدين حملها؟"
وسلم غريغ سابرينا لكاساندرا.
ونظرت كاساندرا لسابرينا بنظرات يملؤها الحب والوداد
"أعتقد أنها ستصبح بعد عشر سنوات ابنة ذكية وحازمة تتفوق على والدها."
"ياإلهي، ما بال الجميع يتنمرون عليّ هكذا؟"
وتذمر غريغ وهو يخلع معطفه ويبدأ بترتيب مستلزمات الطفلة.
ولكن بما أن الخلاصة كانت مدحاً لسابرينا، فقد كانت الابتسامة ترتسم على شفتيه.
وراشيل بدورها جلست في مقعدها الذي لم تجلس عليه منذ فترة، وبدأت بترتيب الأشياء بحماس غير خفي مطلقاً.
"يبدو أنه يتوجب علينا الاعتناء بالطفلة لبعض الوقت حتى يتفرغ الوالدان لعملهما."
وضحكت كاساندرا بهدوء وهي تلعب لعبة الاختباء مع سابرينا.
"أنا أيضاً، أنا أيضاً أريد أن ألعب لعبة الاختباء!"
تحدث ليني، الذي كان لا يزال متشبثاً بساقي ويراقب بهدوء وصول الطفلة، كما لو كان يتوسل.
"حسناً، حسناً. هل يحب ليني تجربة لعبة الاختباء أيضاً؟"
وانحنت كاساندرا قليلاً لتعرض سابرينا بالقرب من وجه ليني.
وابتسم ليني ابتسامة عريضة عند رؤية سابرينا المبتسمة.
ثم أدى ألطف لعبة اختباء في العالم كما فعل مع لوكا في السابق
"بيكااا بوو!"
وأمام ملاطفة ليني، انفتح فم سابرينا الأصغر قليلاً وابتسمت بصفاء.
"علينا تصوير هذا! جون، احمل سابرينا."
"نعم."
وسلمتني كاساندرا سابرينا لكي تحضر الكاميرا.
وشعرتُ بدفء الطفلة ينفذ إلى أعماق صدري حتى عبر الملابس الشتوية الملتفة.
وتأملتُ سابرينا اللطيفة ومداعباً إياها متذكراً تلك اللحظة التي احتضنتُ فيها لوكا للمرة الأولى
"كم أنتِ جميلة يا سابرينا."
"بابا، أريد أن ألعب لعبة الاختباء مرة أخرى!"
ورغم حماس ليني الشديد إلا أنه كان يهمس بهدوء، وفجأة سُمِع صوت خفيف شبيه بهدير المحرك الصغير «أنننن».
والتفتُّ للأسفل، فالتقت عيناي بعينيّ لوكا الذي يمسك بساقي وينظر إليّ بنظرات يملؤها الشعور بالظلم والأسى.
ورؤية لوكا بوجهه المحمر خفيفاً وعينيه المليئتين بالدموع جعلت العد التنازلي يبدأ تلقائياً في رأسي.
ثلاثة، اثنان، واحد...