فكرة «صغيري لوكا يغار، كم هذا لطيف!» لم تستمر في رأسي سوى ثانية واحدة فقط.
"وعاااااع!"
بدأ لوكا بالبكاء بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
ورؤية طفلي يبكي فجأة بهذا الحزن جعلت قلبي يخفق قلقاً.
أعني، أنا أدرك خطئي الآن بالطبع، ولكن هل يدعو الأمر لكل هذا البكاء؟
وأسرعتُ بنقل سابرينا إلى راشيل التي اقتربت بسرعة، ولعل بكاء لوكا كان السبب في جعل سابرينا تبدأ بالبكاء بدورها.
وفجأة، مع بدء الاطفال بالبكاء محيطين بنا من كل جانب طار عقلي بعيداً.
" يا إلهي، لنفصل الأطفال عن بعضهم أولاً."
وقررتُ اتباع نصيحة كاساندرا التي عادت بعد تجهيز الكاميرا.
وتفرقنا سريعاً في غرف مختلفة لتهدئة الأطفال.
فحملتُ لوكا اتجاهاً نحو غرفة الألعاب، بينما اتجه غريغ وراشيل برفقة سابرينا نحو غرفة التسجيل.
واعتنت كاساندرا بليني الذي تُرك بيننا في المنتصف.
"كيااااع!"
"يا إلهي، عزيزي لوكا كان حزيناً ومستاءً……"
وأخذتُ أربت بمهل على ظهر الطفل الذي يبكي ويلتوي بحزن، وأنا أدور في غرفة الألعاب جيئة وذهاباً.
كان لوكا طفلاً لا يكثر البكاء عادةً؛
فحتى لو بكى جراء الألم والتذمر كما يحدث عند ظهور الأسنان، كان يكفي احتضانه وتهدئته ليتوقف عن البكاء سريعاً.
ولكن لوكا الآن كان يبكي بحزن شديد لا ينتهي دون أن أعرف السبب بالتحديد.
"هييييي، هق، هعععع……"
"هل كان حمل بابا لسابرينا للحظة يحزنك لهذه الدرجة؟ بابا أسف جداً."
وبينما كنتُ أستمر في تهدئته، ركض ليني للداخل ملاحقاً إيانا
"لا بأس، لوكا. بابا لنا نحن، ولذا لا تحزن كثيراً."
وتعلق ليني بساقي ينظر نحو لوكا للأعلى وممسكاً بقدِمه وهازاً إياها.
وفكرتُ في أن الجلوس بسكون بدلاً من الاستمرار في الحركة قد يكون أفضل، فجلستُ في منتصف غرفة الألعاب مباشرة.
وما إن نزل لوكا لمستوى عينيه، حتى أدى ليني لعبة الاختباء أمامه
بدا وكأنه دخل الغرفة بعد سماع الشرح والتوضيح من كاساندرا.
"لوكا، لوكاا! بيكااا بوو!"
"……هييييينغ."
إلا أن هذا لم يجدِ نفعاً كبيراً؛ إذ توقف لوكا عن البكاء للحظة ثم أخذ ينتحب مجدداً.
وتمتم ليني بملامح تعبر عن الشعور بالظلم قليلاً
"لوكا لم يعد يجد لعبة الاختباء ممتعة……"
"لا بأس يا ليني. لوكا ما زال طفلاً، ولذا فهو مرتبك ومندهش بسبب ظهور طفلة جديدة."
"نعم."
وهز ليني رأسه وجلس على الأرض بجانب لوكا يربت على ساقيه
"لا بأس يا لوكا! أنت صغير وسابرينا صغيرة أيضاً، ولذا يمكنكما أن تصبحا أصدقاء."
يا ليني، فارق الطول بينك وبين لوكا ليس كبيراً……
ولكن إن كان يقصد العقل لا الجسد، فالفارق بين 3 أشهر و15 شهراً يجعلهما متقاربين بالفعل.
ومع ملاطفة والده وشقيقه الأكبر وتكاتفهما حوله، أخذ بكاء لوكا يهدأ تدريجياً.
وعندما قفز ليني من مكانه وبدأ بغناء أغنية الأطفال التي تعلمها من سونغ جون أمس مع أداء الحركات، أخذ وركا لوكا يهتزان خفيفاً حتى.
"هيهي."
وفي تلك اللحظة التي ابتسم فيها ليني بفخر لنجاح جهوده،
تخطى غريغ عتبة الباب بحذر. وما إن رأى لوكا غريغ، حتى انقلبت شفتاه للتذمر مجدداً.
"هل الأمير الصغير بخير الآن؟"
ولكن بدلاً من البكاء مجدداً أو إظهار الانزعاج تجاه غريغ، تمسك لوكا بكتفي وقفز واقفاً، ثم مشى نحو أبعد زاوية في الغرفة.
"لا……."
ودون الاستناد على شيء أو دفعه، مشى ببراعة فائقة هكذا.
ومشى لوكا جيداً لدرجة تجعل المرء يتعجب من سبب دفعه لمشاية الأطفال طوال الفترة الماضية، ثم جلس مواجهاً الجدار.
"……."
"……."
لقد دهشت من تصرف هذا الطفل ذي الـ 15 شهراً وهو يعبر بجسده الكامل عن عبارة «أنا متضايق منك».
……وبصراحة، كان الأمر لطيفاً جداً.
وشغلتُ الكاميرا كوالد مفتون بالتقاط صور لرأس الطفل العنيد من الخلف، بينما اتجه غريغ نحو لوكا بملامح يملؤها الذهول والارتباك.
ثم ربت بمهل على ظهر لوكا الصغير بحذر
"لوكا، أنا آسف."
ولكن لوكا حافظ على وضعية ثابتة وكأنه يرفض تماماً التقاء عينيه بعيني غريغ.
"يا الهي……"
أمر لطيف ومحزن ومذهل في وقت واحد.
ورغم أن هذا أفضل من البكاء، إلا أن غريغ كان يبدو وكأنه يفضل أن يصفعه لوكا على وجهه كالمعتاد بدلاً من هذا الجفاء.
وفي المقابل، عقد ليني ذراعيه إلى صدره وهز رأسه بفهم
"هذا خطأ العم غريغ. يتوجب عليك الاستمرار في التربيت عليه بمهل."
"……"
في الحقيقة لم يرتكب غريغ أي خطأ، لكنه وجد نفسه فجأة في موقف المذنب الكبير.
واتباعاً لكلام ليني، استمر غريغ في التربيت على ظهر لوكا بمهل.
حتى غلب النعاس لوكا وأخذ يهز رأسه وهو جالس في مكانه.
"يا إلهي، اللقاء الأول لم يكن سهلاً مطلقاً."
وما إن استغرق لوكا في نومه حتى استلقى غريغ على الطاولة بجهد وكأنه شخص نجا من الموت بأعجوبة، وأخذ يتنهد بعمق.
"يبدو أن تقارب الأطفال سيستغرق بعض الوقت على أي حال."
وصبت كاساندرا القهوة للجميع تقديراً لجهودهم
"شكرًا لك."
ورشفتُ رشفة من القهوة الدافئة لاستعادة النشاط والهدوء لجسدي وروحي المتعبين قليلاً.
"لقد سمعتُ أن الأطفال الأكبر يشعرون بالحرمان والضياع الشديد عند قدوم مولود ثانٍ."
في الحقيقة، لهذا السبب توخيتُ الحذر الشديد عند إحضار ليني في البداية.
ولكن هذه المرة لم تكن الطفلة طفلتي بالطبع، ولذا لم يخطر ببالي الأمر مطلقاً……
لكن لوكا بدا وكأنه شعر بأن هذه الطفلة التي ظهرت فجأة قد سلبته كل شيء.
ولم أتوقع مطلقاً أن يظهر رد الفعل هذا في تلك اللحظة القصيرة……
"هل تصرف لوكا هكذا عند إحضار ليني أيضاً؟"
وسألت راشيل وكأنها تفكر في الأمر نفسه مثلي.
"لقد تعرض لبعض الضغط والتوتر بالطبع؛ فقد كان بمفرده طوال الوقت ثم ظهر له أخ أكبر فجأة. ولكن ليني كان لطيفاً ويلعب معه جيداً، ولذا تحسن الوضع سريعاً."
ورغم أنني حرصتُ على عدم إشعار لوكا بالحزن او الاقصاء، إلا أن ليني لعب معه كثيراً كأخ أكبر وتنازل له، مما جعل لوكا يتقبل وجود الأخ سريعاً.
وأصبح لوكا الآن يقلد شقيقه في كل شيء إن لم يكن متعلقاً به بالكامل.
ولكن الآن، كل من سابرينا ولوكا طفلين يريان أنفسهما أولاً دائماً.
ولذا يتوجب على الكبار التعامل معهم جيدا وبدقة.
"مع ذلك، أعتقد أن الأمور ستكون على ما يرام، أليس كذلك؟"
في الحقيقة، لم أكن قلقاً إلى هذا الحد.
فعلى أي حال، بما أن والدي سابرينا موجودان بوضوح لتحمل مسؤولية رعايتها، ألا يجب عليّ أن أعتني بطفليّ كالمعتاد؟
"نعم. بما أن سابرينا تستطيع البقاء في استوديو التسجيل لفترة من الوقت، أعتقد أنه من الجيد أن ندعهما يتقاربون تدريجياً قبل السماح لها بالذهاب إلى غرفة اللعب."
"على أي حال، لنحرص على عدم التقائهما مجدداً اليوم."
ووافق الجميع بهز رؤوسهم تماشياً مع رأي كاساندرا، بينما اقترب ليني بخطوات سريعة وهادئة وتمسك بي
"بابااا، وماذا عني؟ ألا يمكنني رؤية سابرينا سراً؟ دون أن يعلم لوكا؟"
بعد أن أخفى أسراراً عن والده، يبدو أنه ينوي إخفاء أسرار عن لوكا أيضاً.
وابتسمت راشيل برفق أمام سؤال ليني اللطيف.
ثم أخذت بيد ليني ودخلت به إلى غرفة التسجيل حيث تنام سابرينا.
بقيتُ بجانب لوكا حتى استيقظ وتعامَلتُ معه كالمعتاد، وتصرف ليني كالمعتاد تلبية لطلبي أيضاً.
"……"
وبدا لوكا وكأنه يفكر بجد للحظة، ولحسن الحظ اتجه نحو ليني ولعب معه كالمعتاد.
وكان ينظر إليّ بين الحين والآخر فيلتقي بصري ببصره وأبتسم له ابتسامة مشرقة لعدة مرات.
وأخيراً عندما أطلق لوكا ضحكة خفيفة، رأى غريغ الذي كان يراقب الموقف سراً أن الوقت مناسب، فدخل وحمل لوكا بسرعة.
كما يفعل عادةً.
"يا إلهي، هل نام أميرنا الطاغية جيداً؟"
"……."
ونظر لوكا بوجهٍ عابس نحو غريغ. وبعد لحظات من الصمت.
صفعة! صفعة!
ونفذ لوكا «هجوماً بكف اليد» بقسوة وشدة. وأنزَل غريغ الذي قدم خديه بترحيب، الطفل إلى الأرض بسعادة.
ثم استلقى بجانبه، وتصرف بلطف شديد مثل جرو صغير.
"هل زال غضب الأمير الآن؟ يبدو أنك ابتسمتَ قليلاً للتو؟"
ودفع لوكا وجه غريغ بأسفل قدمه وكأنه ما زال غاضباً، ولكنه انهار أخيراً أمام هجوم الدغدغة وأطلق ضحكات مبهجة.
مرّ اليوم الأول على هذا النحو.
وبعد ذلك، قضى الآباء والأمهات في المكتب بضعة أيام وهم يحرصون قدر الإمكان على عدم تقاطع مسارات الاطفال.
وكان ليني يخرج سراً بين الحين والآخر ممسكاً بيد راشيل لرؤية سابرينا، وحين يتسرب صوت بكاء سابرينا عبر فتحة الباب، كان لوكا يرفع رأسه، وكأنه لم يعد قادرًا على تجاهلها تمامًا
وعلى أي حال، لم تحدث مشاكل لحسن الحظ.
وبعد مرور أسبوع تقريباً على ظهور سابرينا للمرة الأولى في المكتب؛
وأخيراً، حدث التغيير.
"وااااه!"
وعندما بدأت سابرينا بالبكاء، أسرعت راشيل -التي كانت تعمل بجوار الباب المفتوح لغرفة التسجيل- بإغلاق الباب والدخول.
وقالت كاساندرا وهي تبتسم بخفة وبأسف
"يبدو أن سابرينا تبكي بكثرة اليوم بالذات."
أومأت رأسي موافقاً إياها.
ولسبب ما، كانت تبكي مرة كل عشر دقائق اليوم.
وبينما كان الزوجان يتحركان بقلق لتهدئتها دون معرفة السبب، خرج لوكا من غرفة الألعاب بكل هدوء.
"نعم يا لوكا، لمَ خرجت؟"
ووضعت العجين الذي كنتُ أعجنه على الطاولة ومسحتُ يديّ واقتربتُ منه.
نظر لوكا إليّ مرة، ثم نظر نحو غرفة التسجيل التي يتسرب منها صوت بكاء خافت مرة أخرى، وبدأ بالمشي نحوها فوراً.
وخلعتُ المئزر وتبعتُه.
ورؤيته يمشي بمفرده جيداً هكذا تصيبني بالقلق والانبهار في وقت واحد.
ولكن الشخص الذي كان يبدو أكثر توتراً مني الآن هو غريغ.
فقد تبع غريغ لوكا بدوره، وفتح باب غرفة التسجيل تلبية لإشارة يد لوكا.
"وعاااااع!"
ولما أدركت راشيل وجود لوكا وهو ينظر لسابرينا التي تبكي بحرقة بين ذراعيها، انحنت على ركبتيها
"لوكا، هل جئتَ لرؤية سابرينا؟"
ورغم سؤال راشيل اللطيف، لم يجب لوكا بشيء.
وحبس الجميع أنفاسهم وهم ينظرون إلى لوكا الذي يتأمل سابرينا بتمعن.
وسابرينا -التي كانت تبكي بكل قوتها- توقفت عن البكاء قليلاً أمام ظهور وجه جديد فجأة.
في تلك اللحظة، رفعت يد لوكا بملامح متجهمة اللهاية الساقطة بجانب خد سابرينا ووضعها في فمها.
مص، مص.
وعندما مصت سابرينا اللهاية عدة مرات وهي لا تعرف ما الذي يحدث، استدار لوكا بهدوء.
ثم مشى بخطوات سريعة بنشاط نحوي مجدداً.
"عجباً، ما هذا! لوكا لطيف للغاية، تماماً مثل أخيه."
وابتسمت كاساندرا بابتسامة عريضة وكأنها شاهدت ألطف موقف.
ولكنني فكرتُ في أمر مختلف قليلاً بالنظر لملامح لوكا قبل قليل؛
فقد بدا وكأنه يقول في سرّه: «أنتِ مزعجة، خذي هذه واصمتي»……
وعلى أي حال، كان مدح الطفل أكثر أهمية من ذلك بكثير.
فرفعتُ لوكا بين ذراعيّ فوراً وأمطرتُه بالقبلات دون توقف
"صغيري لوكا طيب جيداً. هل كنت قلقاً على أختك الصغيرة؟"
"……"
ورغم أنه لم يجب بشيء، إلا أن رؤيته يبتسم بفخر عند سماع المديح أدفأت قلبي بالكامل.
أجل، هكذا ستتحسن الأمور شيئاً فشيئاً.
ومع بدء حضور راشيل وسابرينا للمكتب، دبت حيوية من نوع مختلف في الاستوديو.
بصراحة، كنت قلقاً من أن يصبح الجو خانقاً.
ولكن سواء أكان ذلك بفضل حضور سابرينا، أم بفضل سعادة راشيل البالغة بالعودة لبيئة العمل بعد عدة أشهر، فقد تحول الجو العام إلى الإشراق والبهجة على أي حال.
وكان الجو ممتازاً جداً.
وبالتأكيد ارتفعت كفاءة العمل مقارنة بفترة عمل راشيل من المنزل.
فالتواصل مع الجهات الخارجية أصبح من اختصاص راشيل بالكامل الآن؛
لأنها كانت الشخص القادر على التعامل مع مهام مثل توقيع العقود مع الشركات الخارجية وإجراء المدفوعات بشكل موثوق للغاية.
وبفضل ذلك، أمكن لكاساندرا التركيز بكثافة أكبر على التسويق.
بينما يتولى غريغ غالبية عمليات التعديل والتحرير وإعداد قوائم التشغيل.
وكان اللعب مع الأطفال واستخراج المحتوى مجرد فائدة إضافية بالطبع.
وبينما كنتُ أوصل ليني للروضة وأحضر للمكتب مع لوكا وسط الرياح التي تشعرنا بنهاية فصل الشتاء، نقلت راشيل خبراً ساراً بنبرة مبهجة
"لقد وردنا عرض إعلاني جديد من طرف روزافينيت!"
وكان صوتها مبهجاً جداً لدرجة جعلت غريغ يبتسم بخفة ويسأل مازحاً
"عزيزتي، هل تحبين الإعلانات لهذه الدرجة؟"
"بالطبع، فهذا تواصل من المعلنين الذين يدفعون رواتبنا!"
موظفة تقلق بشأن رواتب الموظفين بقدر ما يقلق صاحب العمل، أمر يجعل الدموع تمتلئ بعيني.