[والآن، طالما أن الفائز قد ظهر، فهل ننتقل للاستمتاع واللعب باحترافية؟]
ورفع المنسق الموسيقي (DJ) -الذي تلقى إشارة البداية من غريغ- صوت الموسيقى مجدداً.
وتحرك الساقي والنوادل والنادلات بنظام ودقة لإعادة ترتيب الطاولات وملء كؤوس الناس الفارغة.
وما زاد الطين بلة، هو أن ريكس ملأ كأسي الكريستالي الفائز بالشامبانيا حتى آخره.
لحظة، هل غسلوا هذا الكأس قبل استخدامه أصلاً؟
وعاد من يريد الرقص ومن يريد استكمال الألعاب إلى أماكنهم، لتزداد صالة الحفلة صخباً وضجيجاً أكثر من أي وقت مضى.
ووقفتُ بمفردي في المنتصف متأملاً ذلك المنظر.
وضع غريغ الميكروفون جانباً واقترب مني، ثم ربت على كتفي
"يا إلهي، يا جون! لقد أشعلتَ الأجواء بروعة! الآن تبدأ المتعة الحقيقية!"
……لماذا تتكرر كلمة البداية دائماً! متى يحل المنتصف ومتى تأتي النهاية!
والجميع -بل حتى من استسلموا وسقطوا من الشرب في هذه الجولة- بدا أنهم يفيضون بالحيوية والحماس أكثر من قبل.
وأخذت أنظاري تقع على من يستسلمون للموسيقى بجسدهم ومن يرفعون كؤوسهم.
لا بد أن هذا يعود لتأثير المشروبات عليهم جميعاً……؟
"……."
وبعد أن أنكرتُ الواقع للحظة، أطلقتُ تنهيدة عميقة وأبديتُ ابتسامة يعلوها الاستسلام.
ألم يقل أحدهم إن القادر على الابتسام في الأوقات الصعبة هو الأفضل؟
لنبتسم إذن. فهذا الوضع سيمضي بدوره.
لا يعقل أن هؤلاء الناس سيشربون حتى طلوع الفجر، أليس كذلك؟
"……"
حاولتُ ألا أفكر في ذلك، وبذلتُ جهدي في أداء دور النادل. فطالما أنني المضيف، فالمسؤولية تقع على عاتقي على أي حال.
كنت أحمل الطعام والشراب بشكل آلي، تماماً كما كنت أفعل عندما كنت أعمل بدوام جزئي في مطعم عندما كنت في العشرين من عمري.
ثم قدمتُ لإيفان بعض المقبلات الصغيرة، لكنه رفع نظره إليّ معتذرًا قليلًا
"جون. هل تعلم أن هذا هو الطبق الثالث الذي تحضره لي؟"
أومأت برأسي.
"إنها لذيذة"
ثم أشرتُ إليه أن يسرع ويأكل، فضحك ميلو، الذي كان يجلس على الطاولة نفسها، وهو يدفن وجهه في أوراق اللعب التي كان يمسكها
"انظر، حتى ميلو يضحك. لا بد أنها لذيذة إلى هذا الحد."
وما إن أشرتُ إلى ميلو وأنا أقول ذلك، حتى انفجرت كيلي، الجالسة إلى جوار إيفان، ضاحكة، بينما حاول إيفان إيقاف جيسيكا، التي كانت منهمكة في تصويري بالكاميرا
…ومع ذلك، فهي تبذل جهدًا كبيرًا في تصويري، وهو يمنع ابنة أخيه من ذلك. يا له من عم قاسٍ.
فتجنبت يد إيفان، وابتسمتُ للكاميرا التي كانت تحملها جيسيكا، لكن أحدهم أمسك بكتفي من الخلف، كانت كاساندرا.
"جون، أنت ثمل."
"لا. أنا لستُ ثملاً~."
ولوّحتُ بيدي مبتسمًا ابتسامة خفيفة، لكنها هزت رأسها.
"بل أنت ثمل تمامًا الآن. ومن اللطيف أن تكون ابتسامتك هي ما يظهر عليك عندما تثمل."
اكتفت كاساندرا بإيماءة رأس لتحية الجالسين على الطاولة، ثم أخذتني معها مبتعدة
"لقد قمت بما يكفي اليوم بصفتك مضيف الحفل، لذا دع الباقي علينا………"
ثم قطعت كلامها، وألقت نظرة سريعة نحو غريغ، قبل أن تهز رأسها بخفة
"اترك الأمر لي واصعد للأعلى لتنام."
"ولكن……. ألن يكون الأمر شاقاً عليكِ بمفردكِ؟"
"خلافاً لشخص ما، أنا أستمتع بالحفلات. ثم إن ديميتري سيأتي بعد قليل ليتولى المهمة بدلًا مني."
هل هذا صحيح؟ إذن هذا أمر مريح.
قبل أن أصعد، فكرت أن أتجول قليلًا وأشكر الحاضرين على حضورهم اليوم، لكن كاساندرا منعتني من ذلك.
وقالت إن الحفل ما يزال في أوجه، وإن توديعي للناس بهذه الطريقة لن يكون تصرفًا مناسبًا.
ثم لم أستطع إلا أن أطرح السؤال الذي كان يشغلني حقًا
"كاساندرا، لماذا تكون الحفلات دائماً في بدايتها؟ متى تنتهي تحديداً؟"
"حسنًا، إذا سأل أحد عنك، فسأخبره أنك ثملت وغلبك النعاس. ولن يعترض أحد على ذلك."
"ولكنني لستُ ثملاً"
توقفت كاساندرا للحظة ووضعت كأس الفوز في يدي.
لم يبق فيه قطرة واحدة من الشمبانيا؛ فقد أفرغه أحدهم تمامًا
" يبدو أن أحدهم غسل الكأس. يا له من شخص لطيف."
ولسببٍ ما، أسعدني ذلك، فوجدت نفسي أبتسم ابتسامة مشرقه، فضحكت كاساندرا ضحكة خافتة
ثم أدارت كتفي ودفعتني نحو المخرج.
"اغسل يديك على الأقل قبل الدخول للغرفة التي يتواجد فيها الأطفال. هيا، سأوصلك إلى الحمام."
"نعم. شكراً لكِ."
رغم أن بضع ساعات فقط قد مضت، إلا أنني اشتقتُ للأطفال.
"ولكنني أستطيع الصعود وحدي.”
"لأنني لا أريد نهايةً يسقط فيها الرئيس عن الدرج ويفقد وظيفته. لكنك تمشي بثبات أكثر مما توقعت.."
"نعم، أنا أمشي جيداً. و صغيري لوكا يمشي جيداً أيضا."
أمسكت كأس الفوز بإحكام وصعدتُ إلى الطابق الثالث مع كاساندرا.
دفعتني كاساندرا إلى داخل الحمام قائلة إنه يتوجب عليّ غسل يدي ووجهي.
وعندما دخلتُ الحمام، تأملتُ كأس الفوز في يدي بتمعن.
إنها تبدو أجمل بكثير بعدما أصبحت نظيفة.
بما أنها نظيفة… هل أستخدمها كأسًا لفرشاة الأسنان؟ تبدو مناسبة، فهي تتسع لكمية كبيرة من الماء. كما أنها نظيفة… والماء أيضًا سيكون نظيفًا
ولكن عندما رأيتُ كأس تنظيف الأسنان المرفق مع فرشاة الأسنان داخل حقيبة ملابسي، استخدمتُ المعتاد أولاً.
وبعد أن غسلت أسناني ووجهي، حملت كأس الفوز وفتحت باب الغرفة التي كان الأطفال نائمين فيها
تك.
كان هناك ضوءان أصفران يضيئان الغرفة بخفوت من كلا الجدارين.
وباستثناء شخصين بالغين يجلسان عند طاولة في إحدى الزوايا، كان الجميع داخل الغرفة نايمين.
قبل قليل كان الأطفال الأكبر سنًا يلعبون وكأنهم سيبقون مستيقظين طوال الليل… لكن مهما كبروا، يظلون أطفالًا في النهاية.
"وصلت؟ لقد أعددنا أكياس نوم للكبار، ولذا يمكنك النوم مباشرة."
وأشار ديمتري إلى كيس النوم الموضوع عند رأس لوكا وليني.
أومأت رأسي تعبيراً عن الشكر، وجلستُ بجانب الأطفال.
وكان مظهر الأطفال وهما نائمان بعمق جميلاً جداً.
وعرضتُ الكأس أمام الأطفال الجميلين وهمستُ
"أبنائي، لقد حصل بابا على هذا. هذا هو كأس تنظيف الأسنان الجديد لمنزلنا……"
"نم يا جون."
وما إن قال ديميتري ذلك حتى دحرجني برفق إلى داخل كيس النوم، ثم أغلق السحّاب حتى النهاية
وشعرتُ بأن الأمر مضحك جداً لسبب ما، فضحكت
"هذه هي المرة الأولى التي أنام فيها داخل كيس نوم كهذا."
"حسنا، حفاظًا على كرامة الرئيس، سأقدم لك اقتراحاً. جون، عدّ البالونات الموجودة على السقف في عقلك بدءاً من الآن."
"نعم. سأعدها……"
بالون واحد، اثنان، ثلاثة…
"بابااا، استيقظ."
لمست كف مبللة أجزاء مختلفة من وجهي ثم ابتعدت.
وسمعتُ صوت تشارلي فوق رأسي
"ليني، لماذا تمسح يدك في وجه والدك؟"
"نعم، أنا أغسل وجه بابا."
"ليني، هذا ليس غسلاً للوجه، بل……"
خفتت أصوات الأطفال قليلاً.
وتحركت أشعة الشمس فوق جفنيّ المغلقين، فعبست ملامحي دون أن أدرك.
كان رأسي ينبض وأذناي تطنان.
"……"
شعرتُ بخمولٍ شديدٍ في جسدي كله، ولم أستطع التفكير في أي شيء. ليتني أستطيع النوم لفترة أطول قليلاً هكذا…
وبينما كنتُ أفكر في ذلك، طارت صفعة كف حادة نحو وجهي.
يصفع!
"بابا!"
"أوه……"
ولتفادي هجوم الصفعات الحاد من لوكا، دفنت وجهي بين كفيّ.
وسواء فعلتُ ذلك أم لا، واصل لوكا هجماته المتتالية.
ولكن رغم استمرار هجمات الصفعات المتتالية، فإن الشيء الذي جعلني أفتح عيني فجأة وأنا أصمد بصلابة هي الكلمات التي أطلقها لوكا
"قم!"
يا طفلي، ماذا قلتَ قبل قليل……
ولكن خلافاً لرغبتي في الاستيقاظ، لم يتحرك جسدي بسرعة، ولم ينتظرني لوكا.
يصفع!
"بابااا! قم!"
"نعم……. بابا يستيقظ……"
وعندما نهضتُ ببطء متكئاً على الأرض، كان لوكا يجلس أمامي ويبتسم بفخر.
"……لوكا، هل قلتَ لبابا: قم؟"
"هاه."
قلد لوكا الكلمات التي كنتُ أرددها كل صباح لإيقاظهم.
ورغم أن النطق كان غير متقن، إلا أن النبرة كانت مماثلة تماماً.
"أحسنت. طفلي الصغير أصبح يتحدث جيداً الآن."
ومع الثناء، دغدغتُ ذقنه بمهل، لترتسم على وجه لوكا ملامح فخورة.
"هل استيقظت؟ ألا تشعر بالغثيان؟"
سألتني كاساندرا التي بدا أنها استيقظت وبدأت يومها منذ فترة وهي تنظر إليّ من الأعلى
"……نعم، أنا بخير."
أطلقت كاساندرا ضحكة خفيفة، ثم ثنت ركبتيها ومسحت على رأس لوكا
"الأمير الصغير أيقظ والده؟ أحسنت صنعاً!"
سمعتُ صوت ضحكات لوكا المبهجة، فخفضت رأسي إلى الأسفل بحدة.
لأن ذكريات الليلة الماضية كانت تتدفق إلى عقلي واحدة تلو الأخرى.
"……انسي ما حدث البارحة من فضلكِ."
"هل تتذكر ما حدث؟"
"نعم……"
لو لم أتذكر لكان أفضل بكثير.
أن تكون تصرفاتي عند الثمل هي التحول إلى أحمق.
لم يكن يجدر بي قبول تلك المشروبات التي لا أعرف أساميها وشربها بسذاجة. كم كانت نسبة الكحول فيها بالتحديد؟
ولهذا السبب فإن الحفلات وما شابهها……
نعم، الحفلات.
ورفعتُ رأسي الذي بدأ يعمل مجدداً رغم بطئه، وسألتُ
"هل انتهت حفلة الأمس على خير؟"
"نعم، انتهت الحفلة في حدود الساعة الثانية فجراً. ومع ذلك تُعتبر قد انتهت مبكراً."
"هل هذا صحيح."
ولكنني لم أسألها عن سبب ظهورها بكامل لياقتها ونشاطها هكذا. من الواضح أن الحفلات تناسب طبيعة كاساندرا الجسدية.
"……."
كان من حسن الحظ أنه لا يوجد عرض في الحانة اليوم.
كان قرار تحويل جدول العروض إلى مرة كل أسبوعين صائباً.
"سيحضر ديمتري الطعام للأعلى الآن، فهل يمكنك تناوله؟"
"لا، في الحقيقة أنا أفضِّل شيئاً آخر على الطعام حالياً……"
كان كيس النوم الذي أعده الزوجان من الطراز الفاخر.
ولكن يبدو أن النوم على الأرض، أو الشرب بكثرة قبل النوم جعل جسدي يؤلمني كلياً.
كنتُ أتوق بشدة للاستحمام بالماء الدافيء .
ولحسن الحظ، كان الحمام الواقع في نهاية الطابق الثالث يحتوي على كابينة استحمام مؤقتة تتيح الاغتسال.
لكن المشكلة كانت أن لوكا كان مستيقظاً تماماً الآن.
كان ينبغي عليّ الاستيقاظ في الفجر قبل استيقاظ لوكا للاغتسال.
"وصل طعام الصباح! أوه، بابا استيقظ أيضاً!"
عاد ليني الذي خرج من الغرفة مع تشارلي قبل قليل برفقة ديمتري.
وعندما رآني جالساً، ركض نحوي بسعادة وضغط بكفه على خدي مرتين متتاليتين، ثم أطلق ضحكة خفيفة
"بابااا، رائحتك كريهة بسبب الكحول!"
"أسف……"
وعندما اعتذرتُ، أطلق ليني ضحكة مجدداً وركض نحو المكان الذي يتواجد فيه تشارلي وديمتري.
ودخل ديمتري وهو يدفع عربة تقديم الطعام.
كيف صعد بهذه العربة على الدرج بالتحديد؟ هل ساعده الموظفون؟
واتجهت أنظار لوكا نحو جبل الطعام المكدس في ثلاثة طبقات، وبدأ يقوم من مكانه ويمشي بخطوات سريعة.
سارعتُ بالإمساك به من الخلف وقلتُ له
"لوكا، بابا سيذهب للاستحمام. هل ستأكل طعامك في هذه الأثناء؟"
"هاه."
وعندما أفلتُّ لوكا، مشى بخطوات سريعة دون أن يلتفت خلفه نحو كاساندرا التي كانت تناديه.
"لا تقلق واذهب للاغتسال يا جون. سأعتني بطعام الأطفال."
……هل سيكون الأمر بخير حقاً؟
جلس ليني بجانب تشارلي وبدأ يستخدم شوكته بمهارة، بينما جلس لوكا على ركبتي كاساندرا وأخذ يفتح فمه كالعصفور الصغير ليلتقط الطعام الذي تطعمه إياه.
حتى عندما قمتُ من مكاني بارتباك واقتربتُ من باب الغرفة، اكتفى لوكا بالنظر إليّ مرّة واحدة ولم يُبدِ أي اهتمام.
"لوكا، تناول طعامك بهدوء مع أخيك. بابا سيذهب للاستحمام."
"هاه."
وتركتُ إجابة لوكا خلفي وأغلقتُ الباب وغادرت.
ووضعتُ أذني على الباب وأصغيت باهتمام لأرى ما إذا كان سيبكي أو يبحث عني، لكنني لم أسمع أي صوت.
لا، هل هو بخير حقاً؟
هل السبب هو وجود ليني معه؟ أم أن الإفطار أهم من والده؟
تسلل شعور طفيف بخيبة الأمل إلى السطح.
ولكن طالما أنني كنتُ أتوق للاستحمام بصدق، فقد أخذتُ حقيبة الملابس المجهزة أمام الغرفة بسرعة، وذهبتُ إلى الحمام الواقع في نهاية الممر لاغتسال جسدي.
فشششش……
"……"
ولم أستمتع بشعور استرخاء جسدي تحت تدفق المياه الساخنة سوى لحظة قصيرة.
دفنت وجهي بين يدي وأنا أفكر أنه سيتم تخليد مظهري بالأمس على الإنترنت.
لا، ولكنني لم أظهر بتلك الحماقة…… أيعقل أنني لم أظهر بها حقاً!
وضربتُ زجاج كابينة الاستحمام بيدي محاولاً طرد الذكريات المؤلمة، لكن دون جدوى.
فكلما أغمضتُ عيني وفتحتُهما، تداعت أحداث الليلة الماضية إلى عقلي.
"آه……"
صورتي…… سمعتي……
ماذا أفعل……