"يا ابتِ، أرجوك نظّف مكانك وعش في ترتيب قليلاً."

"يا إلهي، كنتُ مشغولاً للغاية……. مم؟ آه، كان هذا هنا؟ كنتُ أبحث عنه لفترة طويلة في ذلك الوقت.."

قال الكاهن ذلك وبدأ يستكشف داخل الخزانة.

خرج منها كل أنواع الأشياء الغريبة غير معروفة الاستخدام، بدءًا من هاتف قديم لم يتبقَ منه سوى السماعة، وصولاً إلى ساعة مكتب.

"لا أدري لماذا يوجد كل هذا القدر من الأشياء. يبدو أنه عليّ إقامة معرض بيع مقتنيات منزلية في عطلة نهاية الأسبوع."

"أوافقك الرأي."

ينبغي عليّ أن أهرب الآن قبل أن يطلب مني الكاهن المساعدة في التنظيف.

وفي تلك اللحظة التي وقفت فيها، وقعت عيناي على عدة صناديق حبر سائل لم تُفتح أغلفتها بعد.

صندوق الحبر نفسه كانت قديما وباهت اللون، لكن زجاجة الحبر التي بداخله كانت لا تزال جديدة تماماً.

"سآخذ هذه الأشياء معي."

ربما لأنه اشتراها في صغره للأغراض المكتبية، لم يكن هناك سوى اللون الأسود، لكن شكل زجاجة الحبر العتيق أعجبني.

التفت الكاهن، الذي كان يخرِج هذا وذاك وهو ينقر لسانه حسرة، ونظر إلى زجاجات الحبر التي أحملها.

"مم؟ هذه لا تزال صالحة للاستخدام."

مؤكد أنه يفكر في أنه لو باعها في معرض المقتنيات المنزلية لتحصل على دولارين للقطعة الواحدة.

"أنا آخذها لأنها صالحة للاستخدام. ولا تقل لي إنك تستخدمها الآن؛ فأنك لم تنظر إليها منذ 30 سنة على الأقل."

"هذا صحيح، من يستعمل مثل هذه الأقلام هذه الأيام. يا إلهي، ما كل هذه الأكوام من الإيصالات هنا؟"

بينما كنت أجمع زجاجات الحبر بعناية لأغادر، أخرج الكاهن شيئاً آخر على المكتب لفت انتباهي مرة أخرى.

كانت كاميرا فيلم حقيقية، مع حقيبة جلدية أنيقة.

"أوه، سآخذ هذه أيضاً. هل تعمل؟"

"مم؟ أغلب الظن أنها تعمل. ولكن يا جون، إذا أخذتها أنت، فبماذا سنلتقط صور عائلتنا في الكنيسة؟"

"صحيح. بماذا كنت تصوّر الفعاليات مؤخراً؟"

"كنت أصور بتلك الكاميرا الرقمية التي يعود تاريخها إلى أكثر من 10 سنوات والموجودة هناك."

قال الكاهن مشيراً إلى رف الكتب الموجود بجانب الباب، حيث توضع الأشياء كثيرة الاستخدام، على عكس الخزانة التي تشبه المستودع.

كما توقعت، كان يستخدم كاميرا أخرى، يا له من كاهن!

"لكن هذه طراز قديم جداً. وفي هذه الأيام، كاميرات الهواتف المحمولة ممتازة جداً، لذا فإن التصوير بها سينتج صوراً أفضل بكثير. سأشتري لك هاتفاً جديداً في عيد ميلادك القادم."

"يا إلهي! إن فعلت ذلك فسأكون شاكراً لك. حزامها متواجد هنا في مكان ما أيضاً. انتظر لحظة."

بعد ذلك، استخرجت بضع قطع أخرى أراها جيدة من خزانة الكاهن.

ومع ذلك، كان داخل الخزانة لا يزال فوضوياً، وفي النهاية أغلق الكاهن باب الخزانة قائلاً إنه سيرتبها لاحقاً عندما يحصل على رف كتب جديد.

ويبدو أنه عندما نشتري له رف كتب جديد ونضعه، ستكون مأساة التنظيف هذه من نصيبي أيضاً.

حقاً، إنه شخص بينه وبين التنظيف جدار عازل.

عدتُ إلى دار الرعاية وأنا أحمل ثقلاً في يديّ، لكن قلبي خفيف.

كنت أنوي إعطاء هذه الكاميرا لـ سونغ جين لاحقاً.

لأنني تذكرت أن من بين الكاميرات التي أراني إياها لم تكن هناك كاميرات جديدة فحسب، بل كان هناك مستعملة أيضاً.

حتى لو لم تكن الطراز الذي يبحث عنه، فهي كاميرا على أي حال، ألن تعجبه؟

وإذا لم تعجبه، فسأحتفظ بها لنفسي.

*

حلّ وقت العشاء.

نظرت عبر نافذة غرفة المعيشة فوجدت الأرجاء قد أظلمت بالفعل.

ربما لأن المكان بعيد قليلاً عن وسط المدينة، يراودني شعور بأنه أكثر ظلاماً من المعتاد.

عاد أوليفر وأصدقاؤه، وبالطبع كاساندرا أيضاً، بعد أن قالوا إنهم سيأتون باكراً غداً.

توقف الأطفال الأربعة عما كانوا يفعلونه وبدأوا يصدرون أصواتاً كالكتاكيت الجائعة .

توني، الذي كان يرسم على طاولة القهوة رسومات ليقدمها في مسابقة الكتب المصورة التي لم يتبقَ على موعد تسليمها سوى القليل، رفع رأسه ونظر خارج النافذة

"غريب؟ لماذا لم تنادِنا الراهبة؟"

"نعم، أنا جائع أيضاً!"

وافقه ليني، الذي كان يفكر بموضوع ما بتركيز، وقالت جينيفر أيضاً وهي تضع قلم التلوين بحدة على الطاولة

"وأنا أيضاً! لقد بذلت جهداً كبيراً في رعاية الطفل اليوم، لذلك أحتاج إلى تناول الكثير من الطعام."

في الواقع، كان هناك تناقض في قول جينيفر "اعتنيت بالطفل باجتهاد".

في الأصل، كانت جينيفر تريد دائماً اللعب مع لوكا، لكن لم تكن لديها الفرصة الكافية لأننا لم نبقَ طويلاً.

ولكن هذه المرة، تمكنا من البقاء في الكنيسة لفترة طويلة.

ويبدو أنها ظنت أن هذه هي الفرصة الكامنة للعب مع لوكا قدر ما تشاء، فظلت ملتصقة بجانبه طوال اليوم وتلعب لعبة العرائس التي تحبها كما يروق لها.

مثل تمشيط شعر لوكا بمشط العرائس أو ربط شعره بشريط بلاستيكي كان ملتصقاً بعروستها.

وعندما حذرتها من أن الأشياء الصغيرة مثل الخواتم البلاستيكية قد يبتلعها الطفل وتشكل خطراً، اقتصرت على وضع دبابيس الشعر فقط.

لكنها لم تستسلم تماماً، ففي غفلة من الكبار، قامت بتلوين أظافر قدم لوكا بشكل جميل باستخدام قلم تلوين 'الكرز الجميل'.

ولم تتوقف عند هذا الحد، بل رسمت قلباً بحجم قطعة نقدية على أسفل قدم لوكا.

في النهاية، لم تتوقف إلا بعد أن انفجر لوكا ضاحكاً، غير قادر على تحمل الدغدغة.

بالتفكير في الأمر هكذا، فلا عجب أن يكون الأطفال جائعين.

فقد لعبوا طوال اليوم بلا توقف.

نهضت من الأريكة وأنا أتلقى نظرات الأطفال الذين يشكون جوعهم كلٌ على طريقته.

"تمهلوا قليلاً. سأذهب لألقي نظرة على الراهبة."

أثناء دخولي إلى المطبخ، فكرت في أنه كان يجدر بي المساعدة في إعداد العشاء.

لقد انشغلت بأعمالي وفاتني الوقت.

وكان تخميني صائباً إلى حد ما.

يبدو أن الراهبة كانت مراعية لي بصفتي ‘ضيفاً’ جديداً، فتكبدت العناء وصنعت كمية كبيرة جداً من الطعام أكثر من المعتاد.

اقتربتُ من الراهبة التي كانت تحاول خفض النار عن حساء الخضار الذي كاد يفور، وتستعد لإخراج صينية ثقيلة من الفرن، وساعدتها.

"لماذا أعددتِ كل هذا القدر من الطعام؟"

كدت أقول 'كان يمكنكِ فقط مشاركتنا القليل مما تأكلونه عادة'، لكنني أغلقت فمي متذكراً وجبات الراهبات البسيطة والزهيدة عادةً.

"يا للإحراج. وجبات الأطفال أعدها بدقة وبكميات محددة فلا أواجه مشكلة، لكن يبدو أنني بالغت في تقييم قدراتي اليوم."

قالت الراهبة ذلك وهي تبتسم ابتسامة محرجة.

"لا، بل في الحقيقة كان عليّ مساعدتكِ لكنني سهوتُ وعقلي لم يكن معي."

قلت ذلك وأنا أساعد في تجهيز طاولة الطعام.

الراهبتان، أليسيا، ليني، وجينيفر، وتوني (ستة أفراد)، بالإضافة إليّ وإلى لوكا.

مجموعنا ثمانية أفراد، فنظمتُ الأواني ونقلتُ الطعام.

ظهر الأطفال عند الطاولة واحداً تلو الآخر دون الحاجة لمناداتهم وجلسوا.

"هاه؟ ليني وجينيفر يجلسان على الكراسي العادية أيضاً."

سألتُ وأنا أحمل لوكا الذي كان يخطو خطواته الصغيرة تعثراً خلف إخوته وأخواته الكبار.

لم تفهم جينيفر قصد كلامي فمالت برأسها مستغربة، ثم سُلب عقلها بالطعام الذي أحضرته الراهبة، أما ليني فأجاب سريعاً قبل أن يسأل أحد آخر

"بالطبع! فنحن قد كبرنا الآن."

"آه……."

بالتفكير في الأمر، كان ليني في المنزل لا يزال يستخدم كرسي طعام الأطفال المخصص كـ لوكا.

لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك في دار الرعاية.

ومع ذلك، فإن كرسي الأطفال الموجود في المنزل تم شراؤه بحجم كبير عمداً لاستخدامه لفترة طويلة.

حتى جينيفر، التي هي في نفس عمره، كان سيبدو عليها الكبر قليلاً بالنسبة للجلوس عليه.

"……."

كل ما في الأمر أن ليني كان صغيراً ونحيفاً، ولهذا استخدم كرسي الأطفال حتى الآن دون أي شعور بالإزعاج.

استطعت أن أرى أن ليني كان يتملكه القلق.

يبدو أنه خشي أن أقول إنه يجلس في المنزل على كرسي يشبه كرسي لوكا، فكان يراقب ردة فعلي.

غمزتُ لليني غمزة، ثم أجلستُ لوكا في مقعده. وعندها فقط اطمأن ليني وابتسم ابتسامة عريضة.

بعد نزول الراهبة غريتا وأليسيا من الطابق الثاني، تلت ذلك صلاة قصيرة قبل تناول الطعام..

"من أجل هذا الطعام الذي أنعمت به علينا بنعمتك……."

شبكتُ يديّ وركزت في الصلاة وشعرت بوخز طفيف في ضميري.

لأنني لم أصلِّ صلاة ما قبل تناول الطعام منذ أن غادرت دار الرعاية.

وكانت آخر مرة صليت فيها صلاة ما قبل الأكل هي عندما أكلت العشاء في منزل غريغ.

نظرتُ بطرف عيني إلى ليني بنفس الشعور الذي كان ينتابه منذ قليل، متمنياً ألا أتحدث عن موضوع كرسي الطعام.

ابتسم ليني قليلاً وحاول أن يغمز لي…… لكنه فشل وأغلق عينيه الاثنتين معاً.

ما ألطفك! طفلي الصغير لا يعرف كيف يغمز بعد.

على أي حال، كانت تلك إشارة منه إلى أنه لن يشي بي إلى الراهبات بأن والده لا يصلي صلاة ما قبل الطعام في المنزل.

"……آمين."

"آمين!"

"شكراً على الطعام!"

كانت وجبة بسيطة ولكنها نابعة من القلب.

وبما أنه طعام يأكله الأطفال، لم تكن البهارات قوية، ولكن كان بإمكانك تذوق الطعم الأصلي للمكونات.

شعرت بالارتياح عندما تأكدت أن ليني يأكل جيداً في الكنيسة تماماً كما يفعل في المنزل.

"الطعام لذيذ جداً."

عندما ألقيت مجاملة بسيطة مليئة بالامتنان، ابتسمت الراهبة ماريسا، التي أعدت عشاء اليوم، ابتسامة بسيطة أيضاً.

ابتداءً من الغد، يجب ألا أفوت الوقت وأساعد على الأقل في إعداد الغداء والعشاء.

وبينما أفكر في ذلك، خطرت ببالي حقيقة واحدة.

آه، كان عليّ إحضار أدوات الطهي معي.

"……."

رغم أنني سأحل ضيفاً لمدة أسبوع، ألم أفكر في الطهي؟ عاتبت نفسي، لكنني سرعان ما هززت كتفي بهدوء.

في الحقيقة، حتى بدون أدوات الطهي التي اشتريتها من تطبيق 'مانيتو'، أظن أنني أستطيع إعداد وجبات منزلية الآن دون أي مشكلة.

"يا أخت، منذ قليل……."

"عمي جون، إلى متى ستظل هنا؟"

لم تهدأ الطاولة من أصوات الأطفال وهم يتجاذبون أطراف الحديث.

ولم تظهر الراهبات أي علامة على الانزعاج، بل أجبن على كل الأسئلة بمنتهى العناية والاهتمام.

بعد الانتهاء من تناول العشاء، شمرت عن ساعدي على الأقل لأغسل الصحون اليوم، والمدهش أنه كانت هناك غسالة صحون في دار الرعاية.

وضع الأطفال أوانيهم التي أكلوا فيها داخل غسالة الصحون بمهارة واعتياد شديدين.

بالفعل، لقد تغيرت أشياء كثيرة عما كانت عليه عندما كنت هنا.

*

بعد العشاء، بدأ الجميع في الاستعداد للنوم.

واجتاحتني موجة كبيرة من الصدمة والشعور بالخيانة!

على عكس ما كان عليه في المنزل، أظهر ليني تصرفات راشدة وناضجة جداً في دار الرعاية.

ليس الأمر أنه غير ناضج في المنزل، بل كان يقلد توني ويظهر بمظهر "الطفل الكبير".

كان الحمام المخصص للأولاد فقط يحتوي على حوضين متجاورين، ووقف الطفلان جنباً إلى جنب أمام مرآتيهما لتنظيف أسنانهما.

"……."

عندما نظرت إلى الطفلين بدهشة، رأيت أنهما كانا يتظاهران فقط بتنظيف أسنانهما.

ولكن حتى وإن كان كذلك، فهذا إنجاز بحد ذاته. فأكملت أولاً تنظيف أسنان لوكا.

سرعان ما دخلت الراهبة بعد أن اعتنت بـ جينيفر، وساعدت الأطفال في تنظيف أسنانهم.

توني، وهو في الصف الأول الابتدائي الآن، أنهى تنظيف أسنانه بمهارة مع القليل من المساعدة، وليني أيضاً تلقى المساعدة من الراهبة بكل هدوء وطاعة.

"هيا يا ليني،. افتح فمك وقل: آه."

"آآآآ……."

"……."

وكان ذلك بهدوء وطاعة أكبر بكثير مما يفعل عندما يكون معي في المنزل!

في المنزل، كان يعض على الفرشاة ويهرب، أو يحرك رأسه بمرح ويرفض فتح فمه في بعض الأحيان…….

نظرتُ إلى ليني بذهول وفمي مفتوح قليلاً بسبب الشعور بالخيانه.

بعد أن أنهى غسل وجهه بكل هدوء، ومسح وجهه بالمنشفة التي قدمتها له الراهبة، التقت عينانه بعينيّ، فابتسم بعينيه من خلف المنشفة.

يا لك من خائن صغير…….

"عمي، تصبح على خير! ليني ولوكا، ناما جيداً أيضاً!"

"أجل، يا توني، أتمنى لك أحلاماً سعيدة أيضاً."

عندما أخذت الراهبة توني وخرجت، يبدو أن ليني وجد الموقف السابق مضحكاً حتى بالنسبة له، فبدأ يضحك ضحكة عالية ويقفز في مكانه.

…… طفل خائن.

نظرتُ إلى ليني الذي بدأ يضحك بشكل هستيري، ثم رفعتُ لوكا وحملته، وباليد الأخرى رفعتُ ليني.

لوكا، الذي تحمس عندما تحمس أخوه الأكبر، بدأ هو الآخر يضحك، فصارت الضحكات محيطة بي من كل جانب.

"هيا. حان وقت النوم للجميع، هس، هس!"

فتح ليني عينيه على وسعهما وغطى فمه بكلتا يديه، وسارع لوكا إلى تقليده فوراً.

وسواء فعلا ذلك أم لا، سرعان ما انفجر الطفلان في الضحك مجدداً.

يا لكما من شقيين صغيرين!

أسرعتُ بخطواتي عبر الممر إلى داخل الغرفة وأغلقتُ الباب خلفي.

2026/08/05 · 25 مشاهدة · 1809 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026