لا يزال لوكا مجرد طفل.
وبالتالي، كان من المستحيل تقريباً أن يفهم أصول الأدب والسلوك فضلاً عن الكلام، ومع ذلك فقد قمتُ بتربيته وتأديبه بجدية وتظاهرت بالصرامة.
“لوكا، عندما تحيي أحداً يتوجب عليكَ النظر إلى وجهه.”
“هاه.”
وبالطبع، لم يعر لوكا أي اهتمام لنبرة صوتي الصارمة على الإطلاق.
إذ نظر إليّ ونقر خده الآخر بأصبعه.
وأضحك هذا التصرف الصادر عن طفل ذكي ولطيف في عامه الأول جميع الحاضرين حولنا.
“أنتَ تجيب ببراعة دائماً فحسب. إلى أين كنتَ تنظر هكذا؟”
كان مجرد سؤال عادي، لكن لوكا صاح وهو يشير إلى مكان ما وكأنه كان ينتظر السؤال
"كاكا!"
مهلاً، لماذا تظهر كلمة كاكا هنا؟
“آه، يبدو أنه يتحدث عن هذه العلبة التي تأخذ شكل حلوى الماكارون. هل أحضرها بالقرب منه لأريها له؟”
لم تنتظر أبريل إجابتي، بل مشت بخطوات سريعة.
ثم أحضرت إناءً يشبه حلوى ماكارون وردية.
“إنها علبة كعك تحظى بشعبية كبيرة في ورشتنا.”
“إنها لطيفة جداً.”
كان إناءً جميلاً جداً بلون وردي من درجات الباستيل. لا عجب أن يتوهم لوكا أنها وجبة خفيفة.
أخذتُ علبة الكعك من أبريل وفتحتُ الغطاء لأريها لـ لوكا
“انظر يا لوكا. إنه إناء جميل. يقال إنه إناء لحفظ الكعك. يُفتح هكذا، وعند إغلاقه يبدو كأنه ماكارون تماماً، أليس كذلك؟”
حدق لوكا في علبة الكعك التي تماثل حجم وجهه، ثم مد يده ليلمسها كما لو أنه لا يصدق ما يراه.
وسرعان ما سحب يده أمام الملمس البارد الصلب.
"……."
ويبدو أنه شعر بالخيبة وهو يحرك شفتيه بهدوء.
“لوكا، هل شعرتَ بالخيبة لأنك ظننتها كعكة ضخمة جداً؟”
“هاه.”
وأضحكت الإجابة السريعة الصادرة منه جميع الحاضرين حولنا مجدداً.
“لا تحزن كثيراً يا صغيري. سيصنع لكَ بابا كعكة ضخمة جداً في المنزل.”
“بابا، وماذا عني أنا؟”
سأل ليني وهو يمد يده ويأخذ علبة الماكارون من يدي.
“بالطبع يجب عليّ صنع كعكة لعزيزي ليني أيضاً.”
دغدغتُ خد ليني وأنا أقول ذلك، فضحك ضحكة لطيفة.
ولكن لماذا يحتضن علبة الكعك بشدة هكذا؟
فكرتُ في أنني يتوجب عليّ شرائها له إن كانت قد أعجبته، ثم فردتُ ركبتيّ القائمتين.
وفي هذه الأثناء، أحضرت ماي صندوقاً يحتوي على علب كعك مغلفة بأمان.
“إن كانت قد أعجبتكم، فهل ترغبون في أخذها؟ توجد علب باللونين الأزرق والأصفر معاً هنا أيضاً.”
"نعم!"
سلم ليني علبة الكعك التي كان يحملها إليّ واستلم الهدية من ماي.
“شكراً جزيلاً!”
هذا الصغير، متى أصبح جريئاً ولطيف هكذا؟
واستأثر لوكا وليني بمحبة واهتمام جميع الموجودين في الورشة في لحظات بفضل جاذبيتهما الطريفة ولطافتهما الفائقة.
“الطفلان في غاية اللطافة.”
“جميلان حقاً. كم عمرهما يا ترى؟”
وبدأ الأشخاص الذين كانوا مشغولين بأعمالهم في البداية ويتجاهلون التحية تقريباً يتجمعون واحداً تلو الآخر.
وكان جميع الموجودين هنا فنانين يمتلكون منصاتهم ومساحاتهم الخاصة.
وبفضل ذلك، تراكمت الإكسسوارات والقطع الصغيرة المختلفة في عربة الأطفال التي يجلس فيها الطفلان في وقت قصير.
وبعد مرور بعض الوقت، أخذتنا أبريل وماي إلى مساحة منفصلة تم تفريغها من أجل تجربة اليوم الواحد.
وعندها فقط ساد الهدوء في الجوار.
“هيهي.”
رفعتُ ليني، الذي يحب أن يكون محاطاً بالناس ويحظى بالمحبة والتودد، من عربة الأطفال بين ذراعيّ.
فعندها ضحك مجدداً وحك رأسه بكتفي.
“ليني ، هل أنتَ في حالة مزاجية جيدة؟”
“أجل! لقد تلقيتُ الكثير من الهدايا. توجد قلادة غريبة أيضاً.”
استعرض ليني أوكارينا (آلة موسيقية فخارية) صغيرة كانت معلقة في عنقه دون أن أشعر.
لماذا تستعرض قلادة تصفها بـ ‘الغريبة’؟
أجلستُ ليني على كرسي مخصص للأطفال أعدّته الورشة، وأخرجتُ مسحة كحولية ومسحتُ الأوكارينا. ثم قدمتُ له عرضاً توضيحياً.
في الواقع، أنا لا أتقن العزف على الأوكارينا.
ومع ذلك، أخرجت الآلة صوتاً صافياً ونقياً نوعاً ما عندما نفختُ فيها برفق وغطيتُ الثقوب بأصابعي بالتناوب.
“واااه.”
فتح ليني عينيه على وسعهما، وأدار لوكا رأسه بسرعة متبعاً الصوت.
“هذه آلة موسيقية تُسمى الأوكارينا. بابا لا يتقن العزف عليها جيداً أيضاً، لكنها تشبه آلة الريكوردر نوعاً ما.”
ويبدو أنه يتوجب إغلاق الثقوب الموجودة في الأسفل لإخراج الصوت.
وضعتُ الأوكارينا في يد ليني الذي ينظر إليها بذهول واستغراب، ثم عدلتُ شكل يديه.
“هيا، انفخ الهواء برفق الآن.”
وعندما نفخ ليني بنَفَسِه، تردد في الغرفة صوت نقي وساحر وكأنه زقزقة طائر صغير.
“واااه!”
واندهش ليني من الصوت الذي أخرجه بنفسه فأبعد الآلة عن فمه وأبدى إعجابه.
مسحتُ على رأسه لمرة واحدة، ثم رفعتُ لوكا الذي كان يحاول النهوض من عربة الأطفال وأجلستُه على الكرسي.
ومسحتُ الأوكارينا المعلقة في عنق لوكا أيضاً، ثم أريته كيفية إخراج الصوت.
لكن لوكا كان يجد صعوبة في فهم مفهوم 'النفخ' ، ولذا لم يصدر أي صوت مهما وضع الأوكارينا في فمه باجتهاد.
“طفلي يتكبد الكثير من المشقة اليوم.”
مسحتُ على رأس لوكا الذي يبذل جهوداً عبثية واضعاً الأوكارينا في فمه.
أيتساءل يا ترى عما إذا كانت الكعكة الضخمة ليست كعكة، وأن اللعبة الغريبة تخرج أصواتاً في يدي أخيه ووالده بينما لا تخرج صوتاً في يده هو؟
ولكن بما أنه كان يتوجب علينا البدء في التصوير بشكل جدي الآن، لم يكن بإمكاني اللعب معه طوال الوقت.
ولذا أخرجتُ لعبة جديدة أعددتُها من أجل هذا اليوم من عربة الأطفال ووضعتُها أمام لوكا.
“هيا يا لوكا. هل تلعب بهذه لفترة؟”
ومن المصادفة أن اللعبة التي أعددتُها كانت لعبة تخرج أصواتاً عبر التفاعل أيضاً.
فلا يوجد شيء يماثل الألعاب التي تطلق أضواء وأصواتاً لجذب انتباه الطفل بالكامل في فترة قصيرة.
ضبطتُ الصوت على الحد الأدنى وضغطتُ على اللعبة بضع مرات أمامه.
وبالطبع، انجذب انتباه لوكا إلى اللعبة على الفور.
وبينما كنتُ أعتني بالأطفال، كانت كاساندرا تقوم بتصوير منتجاتنا التي أعدتها الورشة بالفعل.
أما أبريل وماي فـ…….
“سنركب الصوت على الفيديو بشكل منفصل، ولذا يمكنكم التحدث براحة.”
عندما تحدثت إلى الأختين الواقفتين بهدوء خلف كاساندرا، ابتسمت المرأتان وأطلقتا أصوات تنفس خفيفة عندئذ فقط.
“شعرتُ أن الأمر كذلك نوعاً ما، لكنني لم أكن متأكدة.”
…… ألم نكن أنا والأطفال صاخبين جداً كي تقولا ذلك؟
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة فقط وانتهى الأمر.
ثم خلعتُ سترتي ورفعتُ الحقيبة التي تحتوي على معدات التصوير لأريها لهما.
“إذن سأقوم بإعداد الكاميرا أولاً. هل تلك الطاولة هي المكان الذي سنجري فيه تجربة اليوم الواحد برفقة الأطفال؟”
سألتُ وأنا أشير إلى طاولة مرتبة ونظيفة بشكل ملحوظ بين العديد من الطاولات الملونة المخصصة لمساحة تجربة اليوم الواحد لجميع أفراد العائلة.
“نعم، على السيد جون الجلوس هنا، بينما يجلس الأطفال في هذا الجانب وأقف أنا هنا…….”
ووفقاً لتوجيهات ماي التي واصلت الشرح بنبرة متوترة قليلاً وكأن التصوير تجربة أولى بالنسبة لها، سحبتُ كراسي الأطفال وقمتُ بإعداد الكاميرا.
وبينما كنتُ أظبط اللقطة وأربط الكمبيوتر المحمول بالكاميرا لإعدادها، انضمت كاساندرا التي أنهت تصوير المنتجات، فتركتُ بقية الترتيبات لها وجلستُ في مقعدي أولاً.
وعندها جلست الأختان المكلفتان بشرح تجربة اليوم الواحد في الجهة المقابلة بشكل مرتبك.
وفي تلك اللحظة، أخرجت ماي ورقة مجعدة من جيب مريلتها.
بدا وكأنه سيناريو مكتوب بخط اليد، ويبدو أنها كانت تتصفحه بعينيها مجدداً قبل البدء في التصوير بشكل جدي.
“لا داعي للتوتر الشديد. سنضيف التعليق الصوتي أثناء الانتقال بين المشاهد على أي حال. آه، ولا بأس إطلاقاً بقراءة الشرح العام من الورقة.”
“هل لا بأس بذلك حقاً؟”
“نعم. فمن الأفضل تسجيل العبارات المهمة التي نراها ضرورية بشكل منفصل بعد انتهاء التصوير على أي حال. ويكفي أن يُصوّر الدرس برفقة الأطفال بشكل طبيعي.”
وعندها فقط ظهرت على وجهيهما تعابير الارتياح قليلاً.
"……."
شعرتُ بتغير الأزمنة والأحوال نوعاً ما.
إذ يبدو أن تجمدي وارتباكي الشديد أمام الكاميرا هكذا لم يكن منذ زمن بعيد.
والآن أصبحتُ أعد المعدات بمهارة بل وأستطيع القول للآخرين ألا يتوتروا.
علاوة على ذلك، أصبحتُ أعرف بدقة كيفية التقاط المشهد بشكل طبيعي في البيئة المتاحة.
ورغم أن هذا أمر طبيعي بما أن عدد المشتركين تجاوز المليون شخص…….
وبناءً على إشارة كاساندرا التي أنهت إعداد الميكروفون أيضاً، بدأنا التصوير بشكل طبيعي.
بعد افتتاحية بسيطة، تخلصت أبريل وماي من التوتر بسرعة وواصلتا درس تجربة اليوم الواحد بحماس.
وكان بإمكاننا صنع أنواع مختلفة من الفخار في تجربة اليوم الواحد. أكواب، وأطباق، وصناديق إكسسوارات، ومزهريات…….
“وبخلاف هذه الأشياء، فإن ما يحظى بشعبية مستمرة هو الفخار المطبوع عليه بصمات أيدي وأقدام الأطفال. رغم أنه خيار جانبي بالطبع.”
وعرضت ماي لوحاً فخارياً مطبوعاً عليه كف يد صغير ولطيف.
“آه، أظنني عرفتُ سبب شعبيته. يجب علينا صنع ذلك أولاً نحن أيضاً.”
لماذا لم تخطر ببالي هذه الفكرة رغم أنني أعجن الطين يومياً!
بعد فرد الطين الذي تم قطعه حتى أصبح مسطحاً، طبعنا أيدي وأقدام الأطفال الذين كانوا يلعبون بالطين تاركين الألعاب التي جلبوها من المنزل جانباً.
“وطباعة بصمات أيدي جميع أفراد العائلة على لوح واحد تحظى بشعبية أيضاً!”
“هذا جيد أيضاً.”
وأبدت الأختان تعابير مليئة بالفخر والرضا أمام مظهري وأنا أشارك في الدرس بشغف.
لكنها تبدو فكرة جيدة حقاً.
وهذه المرة طبعتُ كف يدي بقوة على الطين المفرود بشكل دائري، وطبعتُ كفيّ لوكا وليني إلى جوارها على التوالي.
ويبدو أن هذه التجربة كانت ممتعة لـ لوكا وليني، إذ استجابا لوالدهما وطبّقا ما يفعله بطاعة.
وبعد ذلك بدأنا في صنع الأكواب بشكل جدي.
ولم تكن طريقة صنع الأكواب في تجربة اليوم الواحد تعتمد على الدوران على عجلة الفخار، بل على التشكيل اليدوي بالتقليب والتشكيل.
وكانت العملية بسيطة جداً، حيث يلف المرء الطين الطويل الذي أعده المشرف بالمقاس المناسب بشكل دائري ويضعه فوق قطعة مسطحة من الطين.
“رغم أنني رأيتُ ذلك في الفيديو، إلا أن السيد جون يصنع ببراعة حقاً. رغم أنك قلتَ إنه ليس تخصصك، إلا أنه من المدهش كيف يمكنك القيام بهذا.”
ورغم أنني شعرتُ ببعض الذهول عند تلقي الثناء على عملية بسيطة جداً، إلا أنها قالت إن الأساسيات واللمسات تظهر بوضوح حتى في هذا لدى الأشخاص الذين يمتلكون المهارة.
ابتسمتُ قليلاً وأبديتُ شكري.
وبعد ذلك، كان صنع المقبض وتثبيته يتطلب درجة من الخبرة والمهارة، لكن يدي تحركت بمهارة أدهشتني أنا نفسي هنا. يظهر أن العمل والجهد طوال الفترة الماضية لم يذهبا سدىً.
أحدثتُ تجويفاً على أحد جانبي الكوب لتحديد الشكل، وثبتُ الطين المفرود على شكل مقبض بقوة باستخدام الماء والفرشاة.
وبما أنه عمل يدوي، فقد ضبطتُ حجم المقبض ليتناسب مع حجم يدي وأيدي الأطفال…….
“والآن هل نختم على الطين لنزين الكوب بشكل جميل؟”
اختار ليني ختماً على شكل نجمة دون الحاجة للتفكير مرتين وطبعه على الطين.
وبينما كان يطبع النجمة الخامسة، صفق ليني بيديه بخفة وقال وكأن فكرة عبقرية قد خطرت له فجأة
“آه! بابا، سأفعل هكذا.”
وطبع ليني كفيّ يديه على لوح الطين بدلاً من الختم.
“بابا، ثبت هذا على الكوب من فضلك.”
قال ليني وهو يحاكي شكل اليدين وكأنه يمسك الكوب بكلتا يديه.
فهمتُ قصده وقطعتُ الطين المطبوع عليه شكل اليدين بعناية وثبتُّه على الكوب.
“نعم، هكذا لن أسقط الكوب!”
قال ليني وهو يضع يده إلى جوار الكوب وكأنه حقق اكتشاف القرن.
يا له من شيء لطيف.
جلبتُ الكوب ونظفتُ المساحة المحيطة بكف اليد مجدداً، وثبتُّ عدة نجوم سميكة ولطيفة حولها وفقاً لطلب ليني.
وبعد الانتهاء من العمل، كانت طباعة كفيّ ليني المثبتة على جانبي الكوب جميلة جداً.
وكانت تشبه جناحي ملاك نوعاً ما، مما جعلها تناسبه جداً.
“إنها جميلة جداً. صغيري ليني يمتلك حس تصميم عبقري، أليس كذلك؟”
وأمام ثنائي الصادق من القلب، أظهر ليني تعابير مليئة بالفخر ووضع يديه على خصره وأبرز بطنه إلى الأمام بقوة.
ورفع رأسه قليلاً حتى كاد أنفه يلمس السماء، وكان لطيفاً لدرجة أخرجت مني ضحكة مكتومة.