سرعان ما تبعت والدة لوكا البيولوجية إلى الداخل، ولكن عند دخولي المبنى، لم يقابلني ظهر المرأة، بل قابلتني الأم الرئيسة.

سألت دون حتى إلقاء التحية، متجاوزاً البداية والنهاية.

"هل تلك هي..؟"

"نعم."

بسبب موقفها الثابت حتى في هذا الموقف، تحول غضبي الشديد إلى جليد بارد.

"...في ذلك الوقت، عندما عهدت إليّ بلوكا، قلتِ إنك لا تريدين إرسال الطفل بعيدًا، تحسبًا لعودة والديه."

"هذا صحيح."

" هل كنتِ تعلمين حينها أن تلك المرأة... ستعود؟"

"صحيح. لم يبدُ أن تلك الطفلة ستكون قادرة على التغلب على وضعها بمفردها."

شعرت وكأن قلبي قد سقط على الأرض.

تلك الطفلة؟

"هل تلك المرأة أيضاً من الذين نشأوا في دار للأيتام؟"

"صحيح. هي طفلة غادرت دار الأيتام قبل مجيئك إلى هنا."

لسبب ما، كنت أغلي من الغضب، لكن ذلك لم يكن مهماً في الوقت الحالي.

"...إذن، كان عليكِ إخباري حينها. أن والدي لوكا سيعودان، لذلك لا ينبغي أن أتعلق به كثيراً."

كنت أعلم أنه كلام غير منطقي حتى وأنا أقوله.

منذ البداية، طلبت مني الأم أن أعتني بلوكا خلال الأشهر القليلة التي ستُجرى فيها أعمال التجديد.

أنا من تعلقت به برغبتي الخاصة ولم أتصل بهم حتى بعد انتهاء أعمال التجديد.

"...على أي حال سأضطر للتحدث مع تلك المرأة أولاً."

قادت الام الطريق دون أن تجيب.

كان الطابق الثاني من المبنى، حيث انتهت أعمال التجديد، مشرقاً.

كان الممر العاجي يبدو غريباً، على عكس الأرضيات والجدران الخشبية الداكنة التي أتذكرها.

وكانت الأخت غريتا تقف أمام الغرفة في نهاية الممر.

بدا الأمر كما لو أنها صعدت الدرج من الجانب الآخر.

كان صوت المرأة وهي تنتحب مسموعاً حتى من نهاية الممر.

وقفت الأخت غريتا خارج الباب بوجه خالٍ من التعابير، تراقب الشخص الموجود داخل الغرفة، ثم تنحت جانباً عندما اقتربنا.

كانت والدة لوكا البيولوجية تجلس على حافة السرير، تبكي وتصرخ باتجاه مكان ما.

"أرجوكم، كنت مخطئة! أعلم أنني ذاهبة إلى الجحيم. أعلم أنني أم عديمة الفائدة لأطفالي. ليني أيضاً... ربما كان ينبغي لي التخلي عن ليني في وقت أبكر، تماماً مثل لوكا."

هل ليني شقيق لوكا؟ ما الذي تتحدث عنه تلك المرأة؟

"ربما لن يتذكرني لوكا الآن. ماذا عن ليني؟ ماذا أفعل يا أمي؟"

تجولت يدها في الهواء بضياع.

"ما كان ينبغي لي حتى أن أعتقد أنني أستطيع أن أتحسن! آه، كان يجدر بي ألا أحاول على الإطلاق."

ثم التقت أعيننا. صرخت وهي مرعوبة كما لو كانت تعترف بشيء ما.

"أنا مخطئة! أنا، أنا قد فشلتُ مجدداً. أنا هكذا دائماً. لأنني قاصرة وعاجزة، أنا لا أصلح لشيء. هذا ما قاله لي المعلم والأصدقاء."

كان لديّ وهم بأن وجهها ينهار.

لم أرغب في النظر. صوتها، الذي بدا وكأنها ليست في كامل قواها العقلية، أصابني بالقشعريرة.

"كل شيء فوضى! لقد أفسدت كل شيء! أنتِ، لا، أنا!"

صرخت كما لو كانت تعاني من نوبة صرع وبدأت في تمزيق شعرها.

أوقفتها الأخت غريتا دون أن يتغير تعبير وجهها.

بكل سهولة لدرجة أنه كان من الصعب تصديق أن هذه القوة تأتي من هذا الجسم النحيل.

قامت الأخت غريتا بنقل المرأه التي تعاني نوبة صرع من السرير إلى الكرسي الموضوع بجانبها.

لا أعرف ماذا كان يعني ذلك، لكن المرأة توقفت عن إيذاء نفسها، وانكمشت على الكرسي، وانخرطت في البكاء.

كان شكلها يشبه تماماً حيواناً تعرض للضرب المبرح وانكمش على نفسه.

"كايل، كايل... لقد دمرت كل شيء. لا أستطيع فعل أي شيء بمفردي... أرجوك أنقذني يا كايل..."

وقفتُ ساكناً، غير قادر حتى على التنفس بشكل صحيح، وحدقت في كل هذا.

لم تكن تلك المرأة في كامل قواها العقلية. بدت وكأنها مجنونة.

كان الأمر كما لو أن طفلة غير ناضجة قد تقدمت في السن جسدياً.

كان بكاء الطفلة الكبيرة فظيعاً لدرجة أنني أردت أن أغطي أذني.

لقد كرهت ذلك بشدة. أن أفكر في أن امرأة كهذه، ذات مظهر حزين ومرعب إلى هذا الحد، هي والدة لوكا.

وفجأة، شعرت حتى بالاستياء تجاه الأم الرئيسة، التي كانت تحدق في حالة تلك المرأة البائسة بنظرتها المعتادة غير المبالية.

وفجأة، انتابتني مشاعر لا يمكن تفسيرها، مما جعلني أتساءل عما إذا كنت مجنونًا بنفس القدر الآن.

هل أنا وتلك المرأة متماثلان في نظرك؟

لم أطرح السؤال الطفولي بصوت عالٍ.

بالطبع، لم يكن ذلك مهماً في الوقت الراهن.

استدرت وركضت خارج المبنى.

ركضت إلى الجانب المقابل لمكان ركن سيارة جريج، وأنا ألهث لالتقاط أنفاسي.

ما هذا.!!

ما هذا الذي يحدث؟!

أتمنى لو كانت مجرد شخصٍ شريرٍ وحقير. أتمنى لو كانت مجرد شخصٍ طائشٍ وعديم الحياء...!

كتمت رغبتي في الصراخ بصوت عالٍ.

لو صرخت هنا، سيستيقظ لوكا، ولم أكن واثقا من قدرتي على إظهار جانب جيد له الآن.

أمسكت برأسي وسقطت على الأرض. حدقت في السماء، ورفعت عينيّ المحترقتين.

كان الطقس سيئاً للغاية.

غطت السحب التي لم تكن تنثر المطر السماء بأكملها.

كان العالم كله رمادياً. بعد جولة طويلة، عاد عالمي رمادياً مرة أخرى.

أردت أن أصرخ، لكنني لم أستطع، فانحنيت ودفنت رأسي بين ركبتي.

وبصوت يرتجف من الغضب، قمت بحساب الأرقام بهدوء.

"واحد اثنين ثلاثة……."

كانت هذه طريقة لتهدئة الغضب تعلمتها خلال الأيام التي كان يثور فيها هذا الغضب كل يوم.

لم أكن قادراً على السيطرة على الغضب والاستياء. وشعرتُ وكأنني عدتُ إلى فترة مراهقتي مجدداً.

"أربعة، خمسة، ستة..."

لحسن الحظ، كانت هذه الطريقة فعالة للغاية، لذا تمكنت من استعادة رباطة جأشي بما يكفي لإجراء محادثة دون صراخ.

خطوات خطوات.

في الوقت المناسب تماماً، وصلت الأم إلى جانبي. وبصوتها المعتاد غير المبالي، سألتني.

"هل تريد سيجارة؟"

"...لقد عهدت إليّ بلوكا لمجرد أنني لا أدخن."

"حسناً. سأعرضه مرة أخرى."

أعطتني الأم سيجارة.

"هل ستدخن؟"

"……شكرًا لك."

أخذت السيجارة العالقة بين مفاصل أصابعها الخشنة، ووضعتها في فمي، واستعرت ولاعة.

فووووو

أطلقت دخاناً رمادياً كأنه تنهد.

كانت سيجارة اعتدت تدخينها في سن العشرين تقريباً، لكنني أقلعت عنها لأنني شعرت بالشفقة على نفسي وأنا أعمل لأجني المال من أجلها.

انتابني دوار خفيف بسبب دخان السجائر الذي كنت أستنشقه لأول مرة منذ فترة طويلة.

سألت بصوت أجش عندما احترق نصف السيجارة.

"لم تتصلي بي حتى بعد انتهاء أعمال التجديد، فما هو سبب اتصالك بي الآن؟"

هل كان عليك حقاً أن تريني تلك المرأة؟

لم أسأل ما كنت أريد أن أسأله حقاً، لكنني متأكد من أنها فهمت ذلك تماماً.

أطلقت الأم سيلاً طويلاً من دخان السجائر وأجابت.

"لم أتصل بك حينها لأنني ظننت أنك لن ترغب في إحضار الطفل."

"……."

"لو لم يكن الطفل موجوداً، لكنت انتقلت بمفردك إلى مكان مناسب، ولكن عندما رأيتك تأخذ التبرعات وتذهب إلى مكان يمكنكما العيش فيه معاً، شعرتُ أنه لا داعي للتواصل معك مجدداً."

عندما التزمت الصمت دون أن أنطق بكلمة، نظرت الأم حولها للحظة بحثاً عن مكان وجود المرأة ثم تكلمت.

"اسم تلك الطفلة أليسيا."

"نعم."

"وبعض الأطفال لا يكبرون حتى مع مرور الوقت."

"...تلك المرأه. إنها مختلفة قليلاً عن الآخرين، أليس كذلك؟"

"يسمونها الإعاقة الذهنية الحدية،أليس كذلك؟ إنه يقع على خط رمادي غامض . إنها حالة لا يمكنهم فيها الحصول على مساعدة حكومية."

"……."

كان لدي الكثير لأقوله، لكنني بصقت السؤال الأهم. لا، بل الاستياء الأكبر.

"كيف انتهى الأمر بامرأة كهذه بإنجاب طفل؟"

"لأن حتى مثل هذه المرأة تحب، وكان هناك من أحب مثل هذه المرأة."

لم أخفِ الضحكة الجوفاء التي خرجت مني.

هل تعتقدين أنني سأهتم بحب الآخرين الآن؟

"إذا لم تستطع تحمل المسؤولية، ما كان ينبغي لها أن تنجب!"

حتى مع صراخي الخفيف، أجابت الام بهدوء، كما هو الحال دائماً.

"ربما كانت تعتقد أنها تستطيع تحمل المسؤولية."

"……."

"الطفل المسمى كايل الذي كانت تبحث عنه للتو كان أيضاً من هذا المكان. لقد كان زوجها."

"إذن، أين هو ذلك الشخص الآن؟"

"بجانب الرب."

*

قالت إن الاثنان كانا بمثابة عائلة منذ أن التقيا هنا.

"كان الاثنان يحبان بعضهما البعض. لقد كان حباً لا يدع مجالاً للشك. ففي النهاية، كانا عائلة وأصدقاء وعشاق منذ الطفولة."

لكن قبل ولادة لوكا، توفي كايل في حادث مؤسف.

ومنذ ذلك الحين، عانت أليسيا من الاكتئاب واضطراب الهلع، مما جعل من المستحيل عليها تربية طفل حديث الولادة.

"ليست كل الأمهات قويات."

لو كانت جاهلة تماماً، لكان الأمر مختلفاً، لكن أليسيا، التي كانت تعلم أن العالم مكان مخيف، كافحت تحت ضغط الخسارة والواقع.

لم يكن هناك مكان يمكنها اللجوء إليه طلباً للمساعدة.

كانت أليسيا تعلم ذلك أيضاً.

كانت تعلم أنها إذا طلبت المساعدة من العمال الذين يرتدون البدلات، فسوف يرسلون الأطفال إلى الأبد إلى مكان بعيد عن متناولها.

فركضت إلى الكنيسة حيث نشأت.

لم تكن مؤمنة متدينة، لكنها كانت تثق بأن الأم والأب هنا - أي الأم الرئيسة والكاهن - لن يتخلوا عنها.

"ومع ذلك، كان بإمكانها على الأقل أن تفكر في أنه ينبغي عليها إيجاد مكان أفضل للطفل، لذلك أحضرت أليسيا المولود الجديد إلى هنا."

وقالت إن حالة أليسيا كانت أفضل في البداية مما هي عليه الآن.

حيث كانت قلقة على الأطفال بصفتها أماً.

"كانت تقول إنها قلقة وخائفة للغاية بشأن من سيطعم الأطفال ثلاث مرات في اليوم، ويغسلهم، ويواسيهم عندما يبكون، ويعطيهم الدواء عندما يمرضون... ومن سيحبهم حتى لو ماتت هي."

لكن حالتها تدهورت يوماً بعد يوم.

"في مرحلة ما، بدأت تعاني من نوبات هلع كلما رأت طفلها الثاني حديث الولادة. انهارت تحت ضغط الشعور بالعجز عن تحمل مسؤولية الطفل."

استطعت أن أفهم مشاعرها بسهولة. حتى الأشخاص الطبيعيون تماماً غالباً ما يخشون العالم.

ومع ذلك، لم يكن هناك أي سبيل لشخص لا يستطيع حتى إدارة حياته بمفرده أن يتحمل مسؤولية طفلين أيضاً.

"...إذن ماذا سيحدث لتلك المرأة؟ هل ستبقى هنا؟"

"نعم. إذا استطاعت تلك الطفلة تحمل الحياة، فسوف تعيش هنا."

"……."

واصلت الأم الرئيسة حديثها وهي تنظر إلى البعيد.

"لو ان كايل عاش لفترة أطول قليلاً….."

كانت التجاعيد العميقة حول عينيها جافة، كالعادة.

لكن تلك النظرة كانت تشبه نظرة أم تتوق إلى طفلها الذي توفي قبلها.

"لو أنه عاش على الأقل حتى يصبح ليني ولوكا في سن المراهقة ، لكانت عائلتهم متماسكة. ربما شعروا بشيء من الخجل والاستياء عندما أدركوا أن والدتهم مختلفة قليلاً عن الآخرين، لكنها كانت ستظل بالنسبة لهم مصدرًا ثمينًا. حتى لو كان الأمر صعبًا عليهم في تلك السن المبكرة، لكانوا حموا والدتهم نيابة عن والدهم"

لكن لا يوجد شيء اسمه "لو" في هذا العالم.

توفي الأب، الذي كان يحب زوجته وأولاده، أولاً وأصبح أكثر شخص غير مسؤول.

كانت الأم، التي لولا الأطفال لكانت قد استسلمت للحزن، تتجه ببطء نحو الجنون بسبب الشعور بالذنب والضغط الذي لم تستطع تحمل مسؤوليته.

"...ربما لم يعتقد كايل أنه قد يموت أولاً."

لا بد أنه كان مصمماً على حماية أليسيا حتى النهاية لدرجة أنه لم يتخيل أبداً أنه سيموت أولاً.

بعد أن ترك وراءه زوجته وطفليه اللذين كانو بحاجة ماسة إليه، لم يتخيل انه سيرحل اولا.

لماذا تخدع الحياة الناس بهذه الطريقة؟

تمنح الناس الحب والأمل والإيمان، ثم تسلبهم كل ذلك في لحظة؟

2026/07/03 · 70 مشاهدة · 1646 كلمة
Shu❄️
نادي الروايات - 2026