"قطع!"
رغم أن المخرج قد اضطر لإطلاق صيحة إيقاف التصوير فور انطلاقه مباشرة، إلا أن نوبات صغيرة من الضحك انتشرت في موقع التصوير.
"لوكااا! كيف لك أن تشد شعر بابا هكذا!"
وضع ليني الذكي، الذي فهم الوضع الحالي، يديه على وركيه وقال شيئاً للوكا.
لكن لوكا لم يلقي نظرة خاطفة على ليني إلا مرة واحدة، ولم يبدُ أنه ينوي ترك شعري.
"آه، لوكا، انتظر لحظة..."
أولئك الذين لم يختبروا ذلك لا يعرفون مدى قوة جذب الأيدي الصغيرة.
أجلست لوكا بأمان على المنضدة، ثم أمسكت بحرص كل إصبع من أصابعه المشدودة بإحكام وفردتها واحدة تلو الأخرى.
كان لوكا يشد شعري أحياناً.
وفي معظم المرات، لم يكن الأمر ينطوي على دافع أو سبب محدد، بل كان تصرفاً عفوياً وغير واعٍ لمجرد أن خصلات شعري برزت أمام ناظريه.
ومع ذلك، كانت هناك أوقات ينطلق فيها هذا السلوك بدافع سبب وجيه.
رحتُ أتفحص ملامح لوكا المستقر فوق الطاولة، والذي كان يجلس في سكون تام هادئاً دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات أو استكشاف الأرجاء كالعادة.
... هل كان متوتراً ياترى؟
هل فزع من الضوء الذي سلط عليه فجأة؟
أو حتى لو بدا أن الأمور قد تحسنت كثيراً، فإن التواجد في مكان غير مألوف مع عدد لا يحصى من الغرباء قد يظل أمراً غير مريح.
حتى عندما صعد ميلو إلى موقع التصوير وقام بتمليس شعري مرة أخرى، ظل لوكا جالساً بلا حراك.
أتساءل إن كان قلقاً أم خائفا. أو لعل مشاعر التوتر والارتباك الخاصة بي قد انتقلت إليه
فلوكا قد يفتقر أحياناً للرغبة في قراءة الأجواء، لكنه لم يكن طفلاً يفتقر للملاحظة والذكاء بأي حال من الأحوال.
عندما فكرت في الأمر، شعرت بالأسى الشديد على طفلي.
أنا آسف يا صغيري ، كان يجب على والدك أن يتصرف بشكل أفضل... لسبب ما، شعرت بالذنب.
وفي تلك اللحظة.
ركز لوكا نظره على نقطة واحدة وبذل قوة.
"...آه."
عندها فقط فهمت تصرفه. في الظلام، تحدثت نحو المكان الذي كان من المحتمل أن يجلس فيه المخرج.
"معذرةً، سأعود حالاً بعد تغيير حفاضة الطفل."
عندما عدت إلى موقع التصوير بعد تغيير حفاضة لوكا، لاحظت أن ليني محاط بالناس وينال منهم قسطاً وافراً من الحب والمديح.
تألقت عينا ليني، ربما لأنه استمتع بشكل غير متوقع بوجوده محاطاً بالناس.
كان من غير المتوقع تماماً رؤية ليني، الذي كان دائماً خجولاً عند مقابلة أشخاص جدد، وهو يُظهر مثل هذا الجانب.
"……."
أما لوكا، الذي بدا في غاية الانتعاش بعد تغيير حفاضه، فقد اتضح لي الآن أنه لم يكن يكترث أو يشغل باله بهذه البيئة الغريبة من الأساس
حدقتُ بتمعن فيه، الذي كان يشعّ هدوءاً وبروداً بوجهٍ خالٍ من التعابير. ثمّ التقت عيناي بعيني لوكا، وأمال رأسه، وضحك ضحكة خفيفة.
أنت…… لقد خدعت والدك وتظاهرت بالخوف والتوتر إذن…
لو كنت في المنزل، لقمتُ بمداعبته ودغدغته وهز بطنه الصغير ولكن لأسباب مختلفة، لم يكن ذلك ممكناً الآن.
بدلاً من ذلك، توجهت إلى المخرج وقدمت اقتراحاً قبل أن يبدأ التصوير مرة أخرى.
"يا مخرج، في الواقع، المشهد الأكثر طبيعية عندما نكون في المنزل هو..."
وصفتُ بإيجاز المشهد اليومي لمنزلي للمخرج. فأومأ المخرج برأسه، وكان يستمع بانتباه إلى كلماتي.
"أوه، هذا جيد أيضاً. هل نجرب القيام بذلك بهذه الطريقة؟"
لقد طرحت الأمر تحسباً لأي طارئ، وقد قبل المخرج اقتراحي على الفور وقام بتغيير ديكور المسرح.
نعم، هذا ما يحدث بشكل طبيعي في منزلي.
أجلست لوكا وليني على كراسي مرتفعة وجعلتهما ينظران إليّ بدلاً من الكاميرا.
"يبدو الأطفال مرتاحين للغاية."
"هذه هي الطريقة التي أتبعها عادةً في المنزل. إنه روتين يومي أن أخبز أو أطبخ أمام الأطفال أثناء تناولهم الطعام، وأقدم لهم عرضاً."
وبما أن الوقت الحالي يتطابق مع موعد وجبتهما الخفيفة , فقد بدا التوقيت مثالياً.
تغير المكان، لكن المشهد كان مألوفاً. عندما أعطيت الأطفال الوجبات الخفيفة المألوفة التي أحضرتها من المنزل، بدا وكأنهم نسوا الأشخاص من حولهم وانشغلوا بالإمساك بالوجبات الخفيفة بكلتا يديهم ووضعها في أفواههم.
هل هو مجرد خيالي، أم أن الصغيرين باتا أكثر راحة لكونهما يجلسان بظهريهما مواجهين للناس والإضاءة الساطعة ؟
لم يدم تأملي بوضعهما المريح طويلاً؛ إذ رحتُ أقف خلف الطاولة مستغرقاً في التفكير بشأن نوع المخبوزات التي يتوجب عليّ البدء بها لصالح التصوير، لتتقدم كيلي وتقدم لي نصيحة ذكية
بما أنني أستحوذ على المساحة بالكامل حالياً، فمن الأفضل البدء بإعداد القطع التي تستلزم وقتاً للتبريد أو الراحة , مثل طبقات الكعك وما شابهها؛
لأنه حتى لو اضطررنا إلى إعادة تصوير اللقطات المقربة، يمكننا تخطي الخطوات الوسيطة المتمثلة في انتظار تصلب الجيلي أو تبريد ألواح الكعك، والانتقال مباشرة إلى التصوير التالي.
أومأت برأسي على الفور، معتقداً أنها بالفعل طريقة لتوفير الوقت.
كنتُ متلهفا جداً لإنهاء التصوير بسرعة والسماح للأطفال بالراحة لدرجة أنني لم أعد أشعر بالتوتر.
أعطى المخرج الإشارة مرة أخرى، وبدأت عرضًا فرديًا مع الأطفال كجمهور، كالعادة.
"الآن، سيقوم بابا بصنع كعكة"
"نعم!"
"هاه."
أجاب الأطفال بابتسامات عريضة.
خطرت لي فكرة مفاجِأه هل يعود سبب ابتسامتهما الحالية إلى أن وجه والدهم بدا مشرقاً تحت تأثير الإضاءة والمكياج؟
ويبدو أن تخميني كان صحيحاً جزئياً. مضغ ليني الكعكة التي أخذ منها قضمة ببطء، وابتلعها، ثم سأل فجأة.
"بابا، لماذا ارتديت ملابس جميلة كهذه اليوم؟"
"ممم؟ اه، لقد ارتدى بابا ملابس أنيقة لأننا نصوّر بكاميرا كبيرة اليوم."
أجبته وأنا أقوم بكسر البيض وسكبه داخل وعاء الخفق بمهارة وسلاسة. ولحسن الحظ، فإن جهود التدريب المكثف طوال الأيام الماضية قد آتت ثمارها؛ فلم أكن بحاجة لمقاطعة العمل والتفوه بتلك الجملة المحرجة التي تفتقر للأناقة: "المعذرة، دعوني أراجع تفاصيل الوصفة لبرهة".
ومع ذلك لم يكن ليني راضياً عن إجابتي، فأمال رأسه وسأل مرة أخرى.
"ولكننا نملك كاميرات في المنزل طوال الوقت أيضاً، اليس كذلك؟"
هممم؟ هل هذا سؤال يسأل عن سبب عدم اهتمامي بارتداء ملابس أنيقة في المنزل؟
أبعدت نظري عن الوعاء الذي كنت أخفق فيه ونظرت إلى ليني. كان يبدو عليه الفضول الخالص.
فجأة شعرت برغبة في المزاح معه، فابتسمت قليلاً وسألته.
"لماذا؟ هل يرى ليني أن بابا لا يبدو أنيقاً في المنزل؟"
ضحك ليني وراح يحرك بجسده الصغير يميناً ويساراً برقة
"هممم... ليس الأمر أنك لا تبدو أنيقا… ولكن…"
إذن أنت تقول أنني لا أبدو كذلك بالفعل في المنزل ، رحتُ أحاصره ممازحا، كما لو كنت استجوبه.
"ولكن……؟"
"بابا، أنت ترتدي دائماً نفس الملابس كل يوم."
يا بني، إذا قلتها بهذه الطريقة، فقد يسيء الناس فهمها.
كنت مرتبكًا بعض الشيء وكدت أتلعثم، لكنني تمكنت من تجاوز الأمر وقدمت عذرًا لم يكن عذرًا في الحقيقة.
"لا، بابا يغير ملابسه كل يوم."
"مممم... لكن بابا دائماً، يرتدي أبيض، أسود، أبيض، أسود..."
أنا عاجز عن الكلام. لم أجد ما أقوله، فحركت يديّ بعصبية للحظة. مع ذلك، أظن أن من دواعي الارتياح أن يديّ تحركتا بسلاسة ودون أن أغفل أي شيء.
لكن…… في الحقيقة، أنا أعتمد بالفعل داخل المنزل على ارتداء قمصان بيضاء وسوداء فضفاضة ومريحة بالتناوب، وكأنها زي رسمي وموحد لي جراء اعتياد الأمر.
ومع ذلك، حتى في حيرتي، تذكرت أنني أحاول أن أهتم بمظهري وأرتدي قطعاً أنيقة ومميزة عندما أتوجه لتقديم العروض الموسيقية في حانة "ليمون سوب" كل سبت
"ولكن، في المقابل، يرتدي بابا ملابس أنيقة أيام السبت.أليس كذلك؟ لذا فالأمر ليس كل يوم."
لكن ليني كان ينشر الحقائق بشكل مفرط.
"أجل، لكنها ليست جميلة كما هي اليوم!"
"بففت!"
"ههههه!"
انفجرت موجة من الضحكات بين أفراد طاقم العمل والمساعدين جراء كلمات الصغير وصراحته المطلقة.
لا، حتى لو لم يتم التقاط الصوت، أليس من الخطأ الضحك بهذه العلنية؟
شعرتُ باحمرار طفيف في وجهي، فتجاهلت الأمر بشكل مبهم.
"لأن اليوم…. اليوم يوم مميز."
"أوه، فهمت."
أومأ ليني برأسه كما لو كان يقول إنه سيتفهم الأمر، ثم أضاف ملاحظة.
"أتمنى حينها أن يكون كل يوم يوماً مميزاً."
فهمت. هل كان ليني يحاول أن يقول إنه يحب عندما يرتدي والده ملابس أنيقة؟
سألتُ بابتسامة عريضة.
"هل يعجبك عندما يرتدي بابا ملابس أنيقة؟"
"نعم!"
"حسنًا. من الآن فصاعدًا..."
لكن بصراحة، لا أستطيع أن أعدك بشيء. ففي النهاية، هذه الإطلالة تم ابتكارها تحت أيدي خبراء ومحترفي التجميل منذ الصباح الباكر.
"همم. من الآن فصاعدًا..."
كنت على وشك التغاضي عن الأمر، لكن ليني انتظر إجابتي وهو يضع مصاصة عصير في فمه ورأسه مائل.
"سيبذل بابا قصارى جهده......."
"نعم!"
أجاب ليني بسعادة. ظننت أن كل ما عليّ فعله هو تزيين ملابس الأطفال وإلباسهم إياها، لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك.
"جون، من فضلك ابتسم بشكل أكثر إشراقاً! بفرح! بنشاط!"
لا، لقد قلتَ أن نلتقط مظهراً طبيعياً.
لو كنت مكاني يا مدير، هل كنت ستتمكن من الابتسام الآن في هذا الموقف؟
بعد العديد من التقلبات والمنعطفات، انتهينا من التصوير في المطبخ.
بعد أن ذهبت لفترة وجيزة إلى الحمام وقمت بتعديل مكياجي، خططت للانتقال إلى موقع التصوير المجاور مباشرة، والذي كان مزينًا مثل غرفة المعيشة، لمواصلة التصوير.
اقتربت كيلي منا بابتسامة مشرقة، كما لو أنها أعجبت بالتصوير حتى الآن.
"حسنًا، مارأيك أن يستخدم أطفالنا هذا الآن؟"
ما سلمته كيلي كان عبارة عن نظارات شمسية على شكل نجمة وأخرى على شكل قلب للأطفال.
"يا إلهي! يا إلهي!"
قبل أن يتمكن لوكا من الاختيار، كانت النظارات الشمسية على شكل نجمة من نصيب ليني.
بسبب النظارات الشمسية الكبيرة بعض الشيء، لم أستطع رؤية أعين الأطفال على الإطلاق. هذا جيد بما فيه الكفاية.
"بابا، هل يمكنني الحصول على هذه؟"
ربتت على رأس الطفل المتحمس للغاية وأشرت إلى كيلي.
"ليس بابا، عليك أن تسأل السيدة كيلي هنا من قدمت لك النظارات الشمسية، أليس كذلك؟"
أمسك ليني نظارته الشمسية بكلتا يديه، وسحبها للأسفل قليلاً، ونظر إلى كيلي بعيون متألقة، غير قادر على أن يطلبها منه.
والغريب أنه بدا خجولاً عند التحدث على انفراد هكذا.
ربما وجدت كيلي المنظر لطيفًا، فضحكت من أعماق قلبها وأجابت بأنه بالطبع يمكنه الحصول عليها.
وبحماس، عدّل ليني نظارته الشمسية مرة أخرى.
وضعت النظارة الشمسية على شكل قلب على لوكا، الذي كان يحدق في ليني بنظرة فارغة.
تجمد لوكا في تلك الهيئة بالضبط.
كتمت ضحكتي، ثم أنزلت النظارة قليلاً وسألت.
"لوكا، أليس هذا رائعاً؟ العالم وردي!"
"……."
اتسعت عينا لوكا بذهول ، وعندما أعدتُ وضع النظارة وتثبيتها فوق عينيه مجدداً، بدا وكأنه استوعب سر التبدل، فانطلق في ضحكة ناعمة
"ما رأيك بهذا يا جون ؟ إذا فعلنا هذا، فسيتم حماية خصوصية الأطفال في صورتهم حتى لو التقطنا صورًا من الأمام، أليس كذلك؟"
كانت تلك فكرة كيلي البارعة، حيث كانت تتساءل عما يجب فعله، فبينما اقتصرت لقطات المطبخ السابقة على زوايا جانبية وخلفية للصغار، فإن المقاطع المصورة المقررة للمقابلة تفرض مواجهة الكاميرات، كان مأزق نجحت كيلي في تجاوزه عبر هذا المقترح الذكي.
"نعم، أعتقد أنها فكرة جيدة."
أما الآن، فكانت المرحلة المتبقية من التصوير مع الأطفال هي تصوير فيديو يعتمد على المقابلات التي أجريناها حتى الآن.
"حسنًا إذًا، هل ننتقل إلى مكان مختلف ونصور المقابلة؟"
أشارت كيلي إلى مجموعة أدوات تعيد تمثيل غرفة معيشة أمريكية نموذجية.
قام ليني، الذي ركض إلى هناك، بخلع حذائه بشكل طبيعي للغاية على حافة موقع التصوير.
"آه، ليني، ليس هنا..."
لكن قبل أن أتمكن من قول أي شيء، التقط ليني لعبة من المجموعة، وجلس على الأرض، واتكأ على الأريكة.
وقبل أن يصدر أي تعليق أو ملحوظة من طاقم العمل، سارعتُ بحمل لوكا ووضعه فوق الأريكة، ثم رفعتُ ليني برفق ونقلته ليجلس بجوار شقيقه فوق الأريكة متداركاً الأمر.
"اليوم، سنقضي وقتنا في اللعب والتحدث ونحن نجلس فوق الأريكة معاً، ما رأيك؟"
"هاه؟ لماذا؟"
ابتسمت وأنا أنظر بتوتر إلى الناس من حولي.
"لا، لقد جلس ليني على الأريكة بشكل جيد في المنزل أيضًا، أليس كذلك؟"
نظر ليني بيني وبين الموظفين للحظة، ثم همس لي.
"لا، هذا غير صحيح"
يا صغيري، ألا يمكنك تمرير الأمر و التغاضي عنه هذه المرة؟ وبينما كنت ابتسم ابتسامة محرجة،همس ليني مرة أخرى
"بابا يجلس دائماً على الأرض. سأجلس معه."
مع ذلك، بما أنك تهمس لي، فربما يكون ذلك أفضل على الأقل…
وهمستُ بهدوء في أذنه كما لو كنتُ أشاركه سراً.
"بابا سيجلس على الأريكة اليوم."
"أوه، إذن سأكون أنا أيضاً على الأريكة."