الفصل 43
ما إن فرغتُ من قراءة المقالة حتى قفز إلى ذهني سؤال واحد ألحّ عليّ بشدة:
’كيف السبيل إلى العودة إذن؟‘
في كل النهايات التي عرفتُها للعبة سامكل، كان الأبطال يغادرون القصر دائمًا على متن سفينة فضائية.
وكنتُ أعتاد إنهاء اللعبة وأنا أستمع إلى موسيقى النهاية، متأملًا القصر وهو يتوارى في الأفق ويبقى خلف الظهور.
بينا كنتُ واقفًا مذهولاً وأنا أطالع الصحيفة، قطع كبير الخدم القط حبل صمتي قائلًا:
"لا تقلق كثيرًا يا غونبام. سأتدبر أمر السفينة بنفسي. إن إعادة شخص واحد مثلك إلى دياره لهو أمر في غاية السهولة بالنسبة لي!"
بينما كنتُ أنصت إلى كلماته الواثقة التي تدعوني للاطمئنان، تناهى إلى مسامعي فجأة صدى صوت جي هيون وو وهو يهمس متهكمًا:
—"وأنت صدّقت ذلك؟"
ولكن... بدا للجميع في هذه اللحظة أن الرجل يحاول مساعدتي مخلصًا.
تابع كبير الخدم القط حديثه قائلاً:
"بيد أنك تعلم يا غونبام أننا لا نبرح هذا المكان ولا نخرج إلى العالم الخارجي قط، لذا فإن تأمين سفينة نقل قد يستغرق بعض الوقت. ويبدوأن الأمر سيتأخر قليلًا عن الأسبوع الذي اتفقنا عليه سلفًا لإقامتك هنا."
وأضاف كبير الخدم الأرنب وهو ينظر إليّ:
"ابقَ معنا، يا غونبام."
ظللتُ واقفا في مكاني، ممسكًا بالصحيفة دون حراك، ثم رفعتُ بصري إليهما وسألتُ بنبرة هادئة:
"وهل هذا... لن يزعجكما؟"
أجاب كبير الخدم القط على الفور:
"بالطبع لا! ما الذي قد يزعجنا في هذا؟ إن بقاءك معنا يملأ قلوبنا بالبهجة والسرور فحسب."
طويتُ الصحيفة بعناية وأعدتها إلى كبير الخدم القط قائلًا:
"إذن، أرجو أن تعذرا تطفلي، وسأبقى في ضيافتكما لبضعة أيام أخرى."
هتف كبير الخدم القط ممتنًا، وربت على رأسي بحنو كأنه يثني على طفل مطيع:
"أي تطفل هذا؟ بل عليك أن تعمل بجد واجتهاد! فأنت الآن خادم مبتدئ يُعتمد عليه."
ولكنه سرعان ما سحب يده فجأة وكأنه جفل من تصرفه، وقال معتذرًا:
"عذرًا، لقد عاملتُك كطفل صغير."
"لا بأس في ذلك أبدًا."
لم أكن أعلم كم تبلغ أعمار كبار الخدم، لكن المؤكد أنهم عاشوا أكثر مني بكثير.
لذا لم يكن هذا التصرف العفوي ليزعجني بأي حال.
وفي تلك الأثناء، تقدم كبير الخدم الأرنب قائلًا:
"غونبام. أنا أيضًا أريد ذلك."
ثم وضع يده فوق رأسي، وراح يملّس خصلات شعري برفق شديد، مصلحًا ما أفسدته يد كبير الخدم القط دون أن يبعثره.
شعرتُ في تلك اللحظة وكأنني حيوان أليف يخضع لجلسة تنظيف وتهذيب لفرائه.
وبينما كان كبير الخدم الأرنب يمشط شعري بأصابعه، رحتُ أفكر:
’كم يا ترى من الوقت سيستغرقون لتأمين تلك السفينة؟‘
مهما يكن الأمر، فإن كبار الخدم سيبذلون قصارى جهدهم لإحضارها في أقرب وقت، ولن يتأخر الأمر كثيرًا.
ورغم أن هذا سيؤخر موعد إنهاء المحنة، إلا أن الانتظار لبضعة أيام لم يكن ليشكل أزمة كبيرة.
وبمجرد وصول السفينة، سأصحب معي جي هيون وو والنقيبين ونغادر معًا.
قررتُ أن يكون هذا أول ما أنقله إلى جي هيون وو حين يأتيني الليلة.
قاطع كبير الخدم القط حبل أفكاري قائلًا:
"لقد أطلعناك على الأخبار العاجلة، فهل لك أن تنتظرنا قليلًا؟ سأنهي بعض المعاملات والمهام الرسمية أولًا، ثم سأعد لك الشاي الإنجليزيالفاخر باستخدام أوراق الشاي الجديدة التي وصلت إلينا."
لكن كان يتعين عليّ العمل...
بدا لي الأمر مخجلاً بعض الشيء أن أُدعى خادمًا مبتدئًا وأنا أقضي وقتي في اللعب وتناول الطعام دون عناء.
وبينما كنتُ أتردد في إخباره بأننا يمكننا تأجيل شرب الشاي إلى وقت لاحق حتى يفرغ من عمله، شعرتُ فجأة ببرودة قاسية تسري فيالهواء من حولي.
لمحتُ كبير الخدم القط وهو يضم ذراعيه إلى صدره بملامح يكسوها الاستياء الشديد، ويوجه نظرات حادة ونارية نحو الخدم المساعدين.
وفي المقابل، كان الخدم المساعدون يطأطئون رؤوسهم إلى الأرض وأجسادهم تنتفض رعبًا.
تذكرتُ حينها أنه حشد جميع الخدم المساعدين منذ الصباح الباكر، ومما لا شك فيه أن خطبًا جللًا قد وقع في القصر.
رحتُ أراقب المشهد بصمت، متسائلًا بقلق عما إذا كانت هناك مشكلة كبيرة قد أصابت المكان.
وفجأة، تناهى إلينا صوت كبير الخدم القط هادرًا بنبرة تمتزج بالحنق والغيظ:
"أربعة فقط! لم يمت من عمال التنظيف الليلة الماضية سوى أربعة بائسين!"
'ماذا؟!'
اتسعت عيناي من شدة الصدمة، لكنني سرعان ما تداركتُ نفسي وضبطتُ تعابير وجهي خشية أن يلاحظني كبير الخدم الأرنب الواقفبجواري مباشرة.
’هذا مستحيل! كيف يعقل هذا؟‘
لو أن جي هيون وو نقل كلامي الليلة الماضية إلى النقيبين وتحركوا بناءً عليه، لكان من المفترض أن يقع عمال التنظيف ضحايا لمجزرةجماعية على أيدي الوحوش.
هذا يعني أن جي هيون وو قد فعل العكس تمامًا؛ لقد تفرغ لإنقاذ عمال التنظيف وإبادة الوحوش!
كادت الشتائم تقفز من فمي رغماً عني، لكني كتمتها بصعوبة بالغة.
’تبًا له، لِمَ فعل هذا؟!‘
تزاحمت علامات الاستفهام في عقلي.
نحن لا ندري إن كنا سنصل إلى النهاية الحقيقية حتى لو تضافرت جهودنا جميعًا، فكيف له أن يعرقل الخطة بهذا الشكل؟
يبدو أنه لم يكلف نفسه عناء نقل الرسالة إلى النقيبين من الأساس؛ إذ لو فعل، لما كانت الحصيلة أربعة قتلى فقط من عمال التنظيف.
لو كان جي هيون وو ماثلاً أمامي في تلك اللحظة، لكنتُ استغللتُ منصبي كخادم مبتدئ وهويتُ على رأسه بضربة تأديبية قاسية.
وبينما كنتُ أغلي من الغيظ في داخلي وأنا ألعن جي هيون وو سرًا، تابع كبير الخدم القط حديثه بنبرة جليدية:
"يا لأسفي! كيف لي أن أقبل بهؤلاء العاجزين كخدم مساعدين في هذا القصر؟ إنها غلطتي أنا."
لكنها لم تكن غلطتك أيها السيد؛ بل كان الذنب ذنب جي هيون وو وحده.
وفي اللحظة ذاتها التي فكرتُ فيها بذلك...
انطلق شعاع ليزر خاطف.
وفي لمح البصر، ذاب خادمان مساعدان بعد أن حفر الشعاع فجوة في رأسيهما، وتحولا إلى معدن سائل يشبه الزئبق، شكّل بركة راكدة علىالأرض.
وبحركات روتينية غاية في السلاسة والسرعة، سارع بقية الخدم المساعدين بإخراج الدلاء والمقشات وجرفوا السائل كأن شيئًا لم يكن، ممايشي بأن هذا المشهد قد تكرر أمامهم مرات لا تحصى.
تمتم كبير الخدم القط ممتعضًا:
"كنتُ أود أن يكتمل عددهم إلى ثلاثة عشر... يبدو أنه يتحتم عليّ البحث عن خدم مساعدين جدد."
ثم التفت إلى مساعدين الخدم العشرة المتبقين وأصدر أمره الصارم:
"الليلة، ستطوفون جميعًا أرجاء القصر لتفقد عمال التنظيف ومراقبة الوحوش! انصرفوا."
انحنى الخدم المساعدون في وقت واحد، واختفوا من المكان في ومضة خاطفة صحبتها شرارات متطايرة.
هز كبير الخدم القط رأسه يائسًا، ثم أمسك بيدي واقتادني لتناول الشاي.
ومن أجل تلطيف الأجواء ومواساته، رافقته في تلك الجلسة.
أخذ كبير الخدم القط يبثني شكواه وتذمره من طيش الجيل الجديد وقلة أدبهم، بينما اكتفى كبير الخدم الأرنب بالإنصات في صمت.
كنتُ أومئ برأسي موافقًا بين الحين والآخر، وأتحين الفرصة السانحة حتى اغتنمتُ اللحظة المناسبة تمامًا وطرحتُ سؤالي:
"هل تسمح لي بأن أطوف أنا الآخر في أرجاء القصر الليلة؟"
وضع كبير الخدم القط فنجانه ببطء، ونظر إليّ مندهشًا وسأل:
"هل تعني يا غونبام أنك تريد تفقد عمال التنظيف والوحوش بنفسك؟"
"نعم. فرغم أنني خادم مبتدئ، إلا أنني لا أقوم بأي عمل يذكر هنا... وأود أن أكون عونًا لكما ولو في مثل هذه الأمور. كما أنني أشعر بالقلقعلى سلامة القصر."
وما إن أتممتُ كلماتي حتى بسط كبير الخدم القط ذراعيه على وسعهما وهتف متأثرًا:
"آه! ليت كل هؤلاء الخدم المساعدين يملكون ربع إخلاصك يا غونبام!"
بدا متأثرًا للغاية لدرجة أنه كال لي المديح والثناء بغير حساب، ثم وافق على طلبي دون تردد، مشددًا عليّ ألا أجهد نفسي أو أعرضهاللمخاطر.
أجبتُه بابتسامة يملؤها التواضع، مؤكدًا له أنني سأتصرف بحذر شديد.
وأخيرًا، نلتُ الإذن الرسمي والشرعي للتجول بحرية في عتمة الليل.
فلو أنني اتكلتُ على جي هيون وو وحده، لكنتُ على شفا كارثة محققة.
لقد حان وقت التدخل المباشر.
’يجب أن ألتقي بالنقيبين أولاً.‘
عزمتُ في طريقي إلى قطاعي غواك هان موك ومو هاي إن أن ألقي ببعض عمال التنظيف في طريقي كوليمة شهية للوحوش.
كما خططتُ لتفتيش الطابق الثالث من المبنى الرئيسي؛ فهناك تقع غرفة نوم السيد ومكتبته الخاصة، ولربما عثرتُ في أرجائها على خيطيقودني إلى معلومات قيمة.
رحتُ أرتشف الشاي الأحمر القاني وأنا أرسم تفاصيل خطتي الليلة.
هتف كبير الخدم القط وهو يلح عليّ بالكرم:
"اشرب المزيد يا غونبام! وتناول بعض الحلوى أيضًا."
وعلى الرغم من أنني كنتُ أشعر بالشبع تمامًا قبل قليل، إلا أنني وجدتُ معدتي تتسع للمزيد بمجرد أن بدأتُ بالأكل.
فلم أرفض دعوته واستسلمتُ لكرمه وضيافته.
لم تكن مهام الخادم المبتدئ تنطوي على تعقيد كبير؛ إذ كان من الصعب إسناد مسؤوليات جسيمة لشخص في طَور التدريب.
لذا اقتصرت واجباتي على أعمال خفيفة وبسيطة لدرجة جعلتني أشعر بالحرج من تلقي أجري مقابلها.
تمثلت مهمتي النهارية اليوم في التفتيش على قطاعات عمال التنظيف في الجناح الشرقي، والتحقق مما إذا كانوا قد أتموا عملهم علىالوجه الأكمل.
في لعبة سامكل، يتم تحديد مهام التنظيف يوميًا عن طريق تدوير عجلة الحظ.
وبناءً على ما تستقر عليه العجلة، تتحدد نسبة التلوث في القطاع الموكل للاعب.
وإذا حالف أحدهم الحظ السيئ واستقرت العجلة على نسبة تلوث تبلغ 100%، فإن قطاعه عبارة عن مستنقع من القاذورات والقمامة، وهووضع يستحيل تنظيفه وإتمامه قبل موعد التفتيش ما لم يكن اللاعب يملك أدوات ومعدات من تصنيف عالٍ ومتقدم.
وكان الإخفاق في هذا التفتيش يعني الموت المحتم بلا هوادة.
ولكن بالنظر إلى ما يملكه النقيبان من أدوات استثنائية، فلا شك أنهما قادران على إتمام المهمة بنجاح، حتى وإن واجهتهما نسبة تلوثكاملة.
’أما المقدم جيه فلا خوف عليه إطلاقًا.‘
كان غواك هان موك مسؤولاً عن تنظيف أرضية ممر الطابق الثاني من الجناح الشرقي، بينما تولى جي هيون وو العناية بأشجار الزينة فيحديقة الجناح ذاته.
ورغم زيارتي لقطاعاتهما، إلا أنني لم أتمكن من رؤيتهما؛ ويعزى ذلك إلى القاعدة الذهبية والأساسية في إستراتيجية النجاة في هذه اللعبة:
[نظّف قطاعك الموكل إليك بعناية فائقة في وضح النهار، واحذر كل الحذر من مواجهة كبار الخدم.]
كان عليهم تجنب كبار الخدم لتفادي التعرض لأشعة الليزر الفتاكة؛ ولذا فمن المؤكد أنهما كانا يلوذان بالفرار ويختبئان في زاوية منزويةبمجرد استشعار قدوم أي من الخدم.
ولكن وسط كل هذا، انتابني غيظ طفيف حين رأيتُ كيف هذّب جي هيون وو الأشجار بدقة متناهية وبراعة فائقة...
أبدى كبير الخدم القط إعجابه الشديد عندما وقع نظره على شجيرات البقس المستديرة والمنسقة بعناية، وأخذ يثني على مهارة العاملالمسؤول عنها، مما زاد من نقاط رصيده لديه.
كما نال قطاع غواك هان موك رضاه واستحسانه أيضًا، فغمرني شعور بالاعتزاز والفخر في داخلي لأجلهما.
وأخيرًا، سدل الليل ستاره الظلامي.
بعد أن تناولتُ عشاءً مبكرًا وأخذتُ قسطًا من الراحة في غرفتي، مددتُ يدي وأشعلتُ الفانوس إيذانًا ببدء الحركة.
كان الفانوس الذي جهزه لي كبير الخدم الأرنب مسبقًا مناسبًا لحجمي تمامًا.
وعلى الرغم من أنه صُمم ليحاكي فوانيس الغاز القديمة، إلا أنه كان يعمل باللمس؛ إذ كان يضيء بوقود غامض لا علم لي بكنهه.
كنتُ على وشك الخروج بالفانوس، لكنني تيبّستُ في مكاني فجأة.
’أشعر أنني نسيت شيئًا ما؟‘
أخذتُ أفكر مليًا حتى تذكرتُ الأداة التي منحني إياها سامرا؛ كانت تلك الشارة ذات الألوان الهولوغرامية تقبع بسلام داخل قائمةمقتنياتي.
ومع ذلك، لم يكن هناك سبب ملحّ لتفقدها الآن، فمهامي كخادم لها الأولوية القصوى.
قررتُ إرجاء أمرها إلى وقت لاحق أكون فيه متفرغًا، وخطوتُ خارجًا نحو الممر.
وما إن دلفتُ إلى الممر الذي يلفه ظلام دامس حتى تناهت إلى مسامعي صرخة مدوية:
"آآآغغ!"
لمحتُ أحد عمال التنظيف يركض هاربًا بذعر هائل، فلوّحتُ له بالفانوس وهتفتُ:
"تعال إلى هنا! أسرع!"
اندفع العامل نحوي هلعًا، وقال والأنفاس تتقطع في صدره:
"لـ... لقد نجو ت، ههـ...!"
لكنه جفل مصدومًا ما إن لمحزي خادم القصر الذي أرتديه، فأشرتُ إليه بسبسيابتي على شفتي آمراً إياه بالصمت.
في تلك اللحظة، ترسّب صوتٌ واهن من بعيد:
"■■، أين أنت؟ المكان مظلم جدًا ولا أرى شيئًا... ■■، أنت لم تتخلَّ عني وتتركني وحدي، أليس كذلك...؟"
بدا أنه صوت رفيقه الذي كان يهرب معه، إذ اضطربت نظرات العامل وتردد.
فما كان مني إلا أن مددتُ يدي وناولته الفانوس.
رمقني بنظرة ملؤها الريبة والقلق، ثم اختطف الفانوس من يدي بلهفة وهرع عائدًا نحو الاتجاه الذي يأتي منه صوت زميله؛ يبدو أنه ظن أنطرد هذا الظلام الدامس سيمنحه فرصة لمواجهة الوحوش والنجاة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى تلا ذلك تضرع بائس واستغاثة مريرة:
"آآآه! أرجوك أنقذني!"
مشيتُ نحو الصوت بخطى وئيدة هادئة.
وحين وصلتُ إلى مصدر الضوء، لم أجد أي أثر لعامل التنظيف؛ بل كان هناك رجل أنيق يرتدي حلة الفرَك الرسمية، يتبختر في الممر ويفتحأبواب الغرف واحدًا تلو الآخر تفقدًا.
كان يضع قناعًا أبيض ثُبتت عليه ابتسامة ساخرة، ويا للغرابة، فقد كان ينبعث من جوفه صوت العامل الهارب ذاته وهو يصرخ مرارًا وبتكرارببغائي:
"آآآه! أرجوك أنقذني! آآآه! أرجوك أنقذني! آآآه! أرجوك أنقذني!"
التفت هذا الساحر الأنيق ونحا نحوي، وفيما كانت أذيال حلته الطويلة تتطاير خلفه، انحنى أمامي بأدب جمّ ومدّ يده ليعيد إليّ الفانوسالذي أخذه العامل.
أثنيتُ عليه قائلًا:
"شكرا لك، لقد أبليت بلاءً حسنًا."
وما إن سمع كلماتي المشجعة حتى انتفض جسده اهتزازًا من فرط البهجة والسرور، ثم انطلق مفعمًا بالحماس والنشاط يبحث عن قرابينأخرى.
أخذتُ الفانوس منه مجددًا وتابعتُ مسيري.
نزلتُ إلى الطابق الثاني من الجناح الشرقي، ورحتُ أتفحص الممر أولًا.
لم يكن هناك أي أثر لـ غواك هان موك الذي كنتُ أبحث عنه، ولكن فجأة، اندفعت مجموعة من عمال التنظيف من خلف المنعطف بضوضاءوجلبة شديدة.
كانوا يهربون هلعًا، فسارعتُ بالتلويح لهم بالفانوس مناديًا:
"إلى هنا! هذا الطريق آمن!"
وما إن أبصروا الضوء حتى اندفعوا نحوي كفراشات تتهافت على اللهب. كان عددهم خمسة أفراد.
’يا للروعة، إنهم صيد ثمين.‘
فكرتُ أن قاعة تدريب الرقص ستكون المكان الأمثل لهم.
خطوتُ بضع خطوات وفتحتُ باب القاعة ودخلتُ، فتبعني العمال الخمسة هاربين يجرون أنفاسهم، وكانت وجوههم شاحبة كالموتى، مما يدلعلى أن وحشًا كاسرًا كان يطارد حثيثاً إثرهم.
تفرّس أحدهم في وجهي وهتف بصدمة:
"تبًا... أنت...!"
ثم تابع بحنق وعصبية:
"اللعنة، لقد جئت إلى هنا كعامل تنظيف مثلنا، فما بالُك ترتدي حلة الخدم الفاخرة هذه بمفردك دونًا عنا؟!"
غير أن البقية آثروا استعطافي ومحاولة كسبي بدلاً من الغضب، فقال أحدهم بمداهنة:
"يا صاح، لقد كنت عامل تنظيف معنا على أي حال."
وأضاف آخر وعيناه تترقبان حركاتي:
"أنت تحاول إنقاذنا الآن، أليس كذلك؟"
رسموا على وجوههم ابتسامات مصطنعة وهم يتلمسون طريقي للنجاة، فتركتهم لشأنهم وضغطتُ على زر الإضاءة.
انقشع الظلام قليلًا عن القاعة حين سُلطت بقعة ضوء دائرية واحدة مباشرة فوق خشبة مسرح صغيرة تقع في أقصى قاعة الرقص.
وفي وسط تلك البقعة المضيئة، كانت تقبع راقصة باليه مصنوعة من معدن أبيض صقيل.
كانت ملامح وجهها ممسوحة تمامًا وملساء، وانحنت نحونا برأسها في تحية بالغة الأناقة والرفعة.
التفتُّ إليها وطلبتُ منها اختيار المعزوفة قائلًا:
"بما أن الحضور كثر اليوم، أرجو أن تكون المعزوفة بنمط أليغرو السريع."
تسللت إلى الأرجاء نغمات آلة المزمار العذبة؛ كانت معزوفة رقصة البجعة السوداء من بحيرة البجع الشهيرة.
في العادة، تختار اللعبة عشوائيًا بين النمط البطيء "أداجيو" والنمط السريع "أليغرو"، ولكن استجابةً لطلبي، بدأت المعزوفة سريعةوصاخبة.
راحت راقصة الباليه المعدنية، بثوبها "التوتو" الأسود، تؤدي حركاتها ببراعة وديناميكية فائقة تتماشى مع إيقاع الموسيقى المتصاعد.
وعلى الرغم من أن عمال التنظيف كانوا يدركون تمامًا ضرورة الفرار فورًا، إلا أنهم تسمروا في أماكنهم كالمجاذيب، تملكتهم الحيرة والذهولوهم يشخصون بأبصارهم نحوها.
وأنا نفسي وقفتُ معهم مسحورًا، مأخوذًا بجمال تلك الحركات الانسيابية.
وفيما كانت الراقصة تخطو بخفة وتطير في الهواء كالفراشة، أخذ العمال يقتربون منها خطوة تلو الأخرى بغير وعي منهم، كأنما تُساقأقدامهم بقوة خفية.
ومع وصول المعزوفة إلى ذروتها الصاخبة، ركزت الراقصة المعدنية نظراتها نحوي، وبدأت في أداء حركات الدوران المتتالي واثنتين وثلاثين لفةعلى قدم واحدة.
كانت ترتكز بثبات على ساق واحدة مستقيمة، بينما تلوّح بالساق الأخرى في الهواء كالسوط اللامع يمنة ويسرة مع كل دورة.
ومع كل لوحة وسوط من ساقها، كانت أجساد العمال تتلوى وتتفكك؛ وامتزجت أصوات تكسر العظام وتمزق الأجساد وتحطمها تحت النغماتالموسيقية الساحرة.
وما إن أتمت رقصتها البارعة واستقرت في مكانها...
طاخ طاخ طاخ طاخ!
رحتُ أصفق لها بحرارة وإعجاب شديدين.
فانحنت لي الراقصة المعدنية بامتنان وابتهاج، بينما كانت أجساد عمال التنظيف متناثرة عند قدميها مبعثرة ومحطمة كبراغي ملتويةومشوهة.
لم يكترث أي منا بمرأى تلك الدماء؛ فهذه الوحوش كانت تجسد الجمال والأناقة اللذين يليقان بهذا القصر المنيف، بينما لم يكن عمالالتنظيف هؤلاء سوى قاذورات تشوه هذا البهاء.
’الآن فقط غدوتُ أفهم تمامًا سر مقت كبار الخدم لهؤلاء العمال والنفور منهم.‘
غمرني شعور بالاعتزاز والفخر بكوني أحد خدم هذا القصر العظيم، فاستقامت قامتي وتملكتني العزة.
وغضضتُ الطرف تمامًا عن مشهد الراقصة وهي تلتهم جثث العمال بنهم وجشع؛ إذ ليس من اللياقة والآداب في شيء إزعاج سيدة رقيقةأثناء تناول وجبتها.
بينما كنتُ أهُمّ بالخروج مجددًا إلى الممر، تناهى إلى مسمعي صوتٌ مألوف من الخارج ينادي عليّ ويبحث عني بلهفة:
"غويو! هان غويو! غونبام! بام!!"
لقد كان صوت غواك هان موك.
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
~ ترجمة بـوني🪻~
الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦