الفصل 48

لم يكن ذلك الرجل طويل القامة ينسجم إطلاقًا مع المشهد الهادئ والدافئ المحيط به.

بدا كأنه كائن اقتُلع من عالمٍ آخر وأُلقي هنا وحده، غريبًا عن كل ما حوله.

ولم يكن هناك ما يدعو إلى الشك في هويته.

إنه السيد.

"……"

ابتلعتُ ريقي دون وعي.

أين بدأ كل شيء ينحرف عن مساره؟

ولماذا، بحق السماء، يتقمص هذا الكيان المسمّى بـ السيد شخصية الدكتور دومينيك؟

حتى لساني تجمّد من شدة التوتر.

بل لم يكن مجرد شعور بالتجمّد... لقد تجمّد فعلًا.

وفي اللحظة التالية ظهرت أمامي نافذة النظام.

__________________________

لقد التقيتَ بالدكتور دو؟مين؟يك؟؟؟

- ألقِ عليه تحيةً ودية.

- اصرخ واركض هاربًا ثم تدهسك سيارة فتموت!

- اركع متوسلًا الرحمة، ثم تشنق نفسك على شجرة صفصاف وتموت!

- ارتطم برأسك بالأرض متوسلًا النجاة حتى تنزف حتى الموت!

- أقسم أن تصبح عبدًا مخلصًا يخدم ذلك الجليل!

__________________________

كانت الخيارات محطمة تمامًا...

وبهذا الشكل لم يبقَ عمليًا سوى خيار واحد يمكن اختياره.

وأثناء تحديقي في النافذة كان دومينيك يودّع إحدى المريضات، امرأة تُدعى ماري.

وما إن ابتعدت سيارتها حتى التفت إليّ مجددًا.

اخترت الخيار الأول.

"يسرّني لقاؤك. اسمي أوريـن يانغ، أعمل صحفيًا في لندن، وقد وصلت اليوم إلى مورنفيل."

خرج صوتي مشرقًا وطبيعيًا، دون أن يكشف ولو ذرةً واحدة من التوتر الذي يعتصرني.

في تلك اللحظة شعرت بامتنان يكاد يبكيني لأسلوب اللعب في كال اوفوڤو، حيث تُجبَر الشخصية على نطق الحوارات المحددة عبر الخيارات.

"أوريـن يانغ؟"

ردد اسمي وهو يتأملني بإمعان.

ثم انحنى قليلًا، فغطّى ظله جسدي.

وعندها فقط، بعدما خف توتري قليلًا، استطعت أن أنظر إلى وجهه جيدًا.

هذا الكائن...

لم يكن إنسانًا.

صحيح أنه يرتدي هيئة بشرية، لكن من المستحيل اعتباره من الجنس نفسه.

ولم يكن السبب طوله الذي يقارب ثلاثة أمتار فحسب.

بل لأن جماله كان غريبًا إلى حد يفوق ما يستطيع البشر احتماله.

شعر بلاتيني مثالي.

وعينان زرقاوان كأنهما تحتضنان الكون بأسره.

بدتا أشبه بعناقيد النجوم المعلقة في سماء الليل.

طبقات لا حصر لها من الأزرق تتموج في أعماقهما؛ ومن زاوية معينة ينعكس فيهما وهج بنفسجي غامض، ومن زاوية أخرى يمر فيهما بريقأبيض بارد كالجليد.

وفوق القزحية تناثرت شظايا ذهبية دقيقة، كأنها بقايا نجوم محطمة، فتتلألأ بطريقة غير واقعية.

لكن رغم كل ذلك البهاء...

كلما أطلت النظر إلى عينيه أكثر...

أصبحت عاجزًا عن إدراك نهايتهما.

كأنني أحدق في أعمق هاوية.

في فراغٍ لا قاع له.

في اتساعٍ سحيق لا يُدرك.

'آه! كيف يمكن أن يكون الركوع أمامه والانحناء له إهانة؟! إنه أعظم تكريم يمكن أن يقدمه مخلوق ضئيل وتافه مثلي! إنه شرف العمر كله!'

"……!"

شهقت فجأة.

ما الذي كان ذلك؟

قبل أن أستطيع استيعاب الفكرة المرعبة التي خطرت في رأسي، بادر دومينيك بالكلام.

"اعذرني، لكن هذا الاسم لا يليق بك."

أطلق همهمة خافتة ثم قال:

"ما رأيك باسم غو يو؟"

ثم تابع مبتسمًا:

"هان غو يو. اسم كهذا."

"……."

عند هذه المرحلة بدأت أرغب بصدق في الفرار.

لكن المشكلة أنه لم يكن هناك مكان أهرب إليه.

فالخروج من كال اوفوڤو يتطلب وجود الدكتور دومينيك.

وحتى لو سلكتُ مسار الزعيم للطائفة الدينية، فلا مفر من الاصطدام به في النهاية.

مهما فعلت، كنت مضطرًا للتورط مع هذا السيد الذي ينتحل شخصية دومينيك.

"ما رأيك باسم... غونبام؟"

قلت ذلك بسرعة وكأنني أتشبث بقشة نجاة.

"أصدقائي ينادونني بهذا الاسم."

بدا واضحًا أنه لم يُعجبه الاقتراح، إذ ضاقت عيناه قليلًا، لكنه قبله بأدب.

"إن كنت تفضّل ذلك، فلا مانع لدي."

ثم سوّى كمّ بدلته بعناية ورسم على وجهه ابتسامة نبيلة.

"حسنًا يا سيد غونبام، ما الذي جاء بك إلى العيادة؟"

"في الحقيقة... أنا..."

"لندخل أولًا. يمكننا الحديث بهدوء."

يبدو أنه اعتبرني مريضًا.

وبما أن الحديث سيكون طويلًا على أي حال، لم يكن أمامي خيار سوى الدخول.

فشددت عزيمتي وخطوت إلى الداخل.

*

كانت عيادة دومينيك ذات سقف مرتفع ومفتوح حتى الطابق الأول، ولهذا استطاع دومينيك المزيف التحرك فيها بحرية دون أن يصطدم رأسهبالسقف.

أما غرفة الفحص فكانت مكسوة بخشب الماهوغاني، ومع وجود المدفأة في أحد الأركان بدت دافئة ومريحة على نحو غريب.

أجلسني على كرسي جلدي ذي جناحين.

"تفضل بالجلوس. هل ترغب في كوب من الشاي الساخن؟"

"لا بأس، لقد شربت قبل قليل."

كادت الكلمات التالية تخرج من فمي:

'لقد تلقيت ضيافة الشاي من خدمك مؤخرًا، وكانت تجربة سيئة للغاية.'

لكنني أمسكت لساني.

جلس دومينيك قبالتي.

وعندها فقط أدركت غرابة تصميم هذه العيادة.

كل الأثاث الذي يستخدمه دومينيك وحده صُمم بحجم هائل يناسب جسده، أما بقية الأثاث فكان بالحجم الطبيعي الملائم للبشر.

حتى السرير الطويل المخصص لفحص المرضى بدا صغيرًا ولطيفًا عندما وُضع إلى جانبه.

جلس أمامي في هيئة طبيب مستعد للاستماع إلى مريضه، بينما كنت أفكر بيأس في كيفية بدء الحديث.

لماذا لا تعود إلى قصرك؟ عد فورًا.

أنا أعلم أنك فضائي.

خدمك ينتظرونك.

خطرت في رأسي عشرات الجمل، لكنني لم أستطع قول أي منها.

فأنا لا أعرف سبب بقائه في كال أوفوڤو أصلًا، ولو تظاهرت بمعرفة أمور لا ينبغي لي معرفتها فقد أثير غضبه.

وبعد تفكير طويل قلت أخيرًا:

"أنا قادم من الخارج."

"من مدينة أخرى؟"

"لا... من خارج هذا العالم."

"فهمت."

أجابني وهو ينظر إليّ بعينين تمتلئان بتفهم عميق.

وبمجرد أن سمعت كلامي من فمه أدركت كم أبدو كمجنون كامل.

وزاد الأمر سوءًا أن تخصصه الطبي هو الطب النفسي.

لذلك قررت أن أغيّر اتجاه الحديث.

"هل كنت هنا منذ البداية يا سيد دومينيك؟"

"نعم. وُلدت في مورنفيل، ولم أغادرها إلا خلال سنوات الجامعة."

بدا منغمسًا تمامًا في أداء دور دومينيك.

وحين شعرت أن التلميحات لن تنفع، قلتها مباشرة:

"أنت لست دومينيك، أليس كذلك؟"

لأول مرة ارتسم الاضطراب على وجهه.

أما أنا فاضطررت إلى صرف بصري عنه للحظة.

كنت أخشى أن أنجرف مجددًا إذا أطلت النظر في عينيه.

ثبتُّ نظري عند مستوى صدره تقريبًا، وعندها سمعت صوته المنخفض.

"أنت أول شخص يقول لي ذلك، يا سيد غونبام."

رفعت رأسي قليلًا.

فإذا به ينهض فجأة.

ثم اقترب مني.

أما أنا فبقيت متجمدًا فوق الأريكة.

انحنى على ركبتيه حتى أصبحت أعيننا على مستوى متقارب.

ونظرت إليّ تلك العينان الزرقاوان المرصعتان بالنجوم.

ثم قال بصوت ثقيل هادئ:

"في الحقيقة... لا أملك أي ذكريات."

استغرق الأمر مني لحظة لأفهم ما قاله.

"...تقصد أنك فقدت ذاكرتك؟"

"نعم. استيقظت يومًا فوجدت نفسي هنا. الجميع كانوا ينادونني بدومينيك ويعاملونني على هذا الأساس، لذا عشت وفق ذلك."

'يا للجنون.'

بذلت جهدًا هائلًا كي لا أشتم بصوت مرتفع.

كان الموقف بأكمله جنونيًا بكل معنى الكلمة.

'فقد ذاكرته؟'

ثم طرح سؤالًا جعل الوضع أكثر جنونًا.

"يا سيد غونبام... هل أظنّ أنك تعتقد أنني إنسان؟"

أو بالأحرى:

"هل أنا إنسان؟"

سألها بجدية كاملة.

وبينما كنت أعصر ذهني بحثًا عن طريقة للتعامل مع الموقف، تمتمت:

"لماذا... خطر لك هذا السؤال؟"

"انظر."

مدّ يده المغطاة بالقفاز نحوي.

ثم وضع إصبعًا فوق راحة يده الأخرى.

وببطء...

مرر الإصبع على الكف.

انشق القفاز.

وانشق الجلد تحته.

لكن لم يظهر أي دم.

ولم يصدر أي أنين ألم.

وكأن الأمر طبيعي تمامًا.

رفع راحة يده المشقوقة أمامي.

وفي الداخل كان هناك...

[لا تنظر! لا! أغمض عينيك! لا تنظر! أرجوك! لا! أغمض عينيك! أنقذوني! أرجوكم! لااااااااااا!]

"أوووه..."

أطبقت يدي على فمي.

في اللحظة نفسها اجتاحني ألم مروّع، كأن أحشائي انقلبت رأسًا على عقب.

واحترقت عيناي بحرارة شديدة.

ثم سال الدم من أنفي.

أسرع دومينيك وأخرج منديلًا وضغطه تحت أنفي.

وسرعان ما تلطخ منديل قماش الكتان الأبيض باللون الأحمر.

"أنا آسف يا سيد غونبام. لقد أخطأت."

قال ذلك وهو يتفقد حالتي بقلق واضح.

واستغرق الأمر بعض الوقت حتى توقف النزيف.

وعندما رفعت رأسي أخيرًا ونظرت إليه بوجه شاحب...

كانت راحة يده قد عادت كما كانت.

لا أثر للجرح.

ولا أثر حتى لانشقاق القفاز.

كأن شيئًا لم يحدث قط.

ثم قال بصوت أكثر هدوءًا مما سبق…

"ما الذي أكونه أنا حقًا...؟ يبدو أنني على الأرجح لستُ إنسانًا."

"لا!"

صرختُ فورًا، بينما كنت أضغط المنديل تحت أنفي لإيقاف النزيف، فخرج صوتي مكتومًا أنفيًّا.

"أنت إنسان!"

في تلك اللحظة لم يكن في رأسي سوى فكرة واحدة فقط.

يجب أن أخدعه.

لا ينبغي السماح لهذا الكائن بالخروج من هذه المحنة.

يجب إبقاؤه حبيسًا داخل كال أوفوڤو مهما كان الثمن.

وإن تعذّر ذلك، فعلى الأقل... على الأقل جدًا... يجب أن يبقى فاقدًا لذاكرته، وألّا يدرك حقيقته أبدًا.

هذا الكيان المسمّى بـ السيد ضعيف الآن لأنه لا يعرف نفسه.

لكن ماذا لو عرف؟

ماذا لو استعاد حقيقته؟

عندما أُغلقت سامكل، لم يختفِ الخدم.

ولو حدث الأمر ذاته هنا؟ لو أُغلقت كال أوفوڤو ولم يختفِ هو أيضًا؟

ولو أصبح قادرًا على الانتقال بين المحن المختلفة؟

كنت واثقًا من شيء واحد.

أي محنة يدخلها هذا الكائن ستتحول إلى جحيم.

إن هيئة الاستجابة للمحن تعتبر المحن التي تسقط على الأرض كوارث وتحاربها باستمرار.

لكن مقارنةً بهذا الموجود الجالس أمامي...

فكل تلك الكوارث لا تُعد شيئًا يُذكر.

أما هذا...

فهو الكارثة الخالصة بذاتها.

"أنا جاد. أنت إنسان بالفعل يا سيد دومينيك. صحيح أنك مميز بعض الشيء، لكنك إنسان بلا شك."

كدت أستنزف كل ما لدي من طاقة وأنا أطلق تلك الأكاذيب الواحدة تلو الأخرى.

أما السيد، فظل يحدق بي بصمت، وكأنه يراقب محاولاتي اليائسة للكذب.

ثم سألني:

"وأنت يا سيد فونبام، هل أنت إنسان أيضًا؟"

"نعم، أنا إنسان. لكنني مختلف عن سكان مورنفيل."

"فهمت..."

في الواقع لم تكن تلك كذبة.

فأنا لست واحدًا من سكان هذا العالم أصلًا، ولست شخصيةً من شخصياته.

ظل دومينيك صامتًا للحظات وكأنه يفكر مليًا، ثم توصل إلى نتيجة.

"إذا كان سيد غونبام إنسانًا، فلا بد أنني إنسان أنا أيضًا."

"……."

لقد نجوت.

بأعجوبة نجحت في خداعه.

فأجبرت نفسي على الابتسام.

فبادلني دومينيك ابتسامة مرحة، مجعدًا أنفه قليلًا كطفلٍ يمازح أحدًا.

ثم قال:

"مع ذلك، أظن أن كلامك صحيح في نقطة واحدة؛ لا يبدو أنني دومينيك فعلًا."

وأخذ صوته يبطؤ شيئًا فشيئًا.

"لأنني لا أحب هذا الاسم كثيرًا."

ثم تابع:

"لو كان عليّ اختيار اسم آخر، فأعتقد أن اسمًا مثل دومينوس سيكون..."

وما إن نطق بكلمة دومينوس حتى بدأت عيناه الزرقاوان تشعان ببريق ساطع بصورة مرعبة.

فقفزت من مكاني تقريبًا وصرخت:

"لا!"

ثم تابعت بسرعة:

"أقصد... دومينيك! اسم دومينيك ممتاز جدًا! إنه يناسبك تمامًا. وقعه جميل، ويلائمك من جميع النواحي."

( م: دومينوس معناها الحاكم الي ببالكم باللاتينية ودومينيك مشتقة من دومينوس معناها المكرس للحاكم او عبده )

"همم... بما أن سيد غونبام يصر على ذلك إلى هذا الحد."

قالها بعد تفكير قصير.

"فلا بأس، سأستمر في استخدام اسم دومينيك."

بدا واضحًا أنه لا يزال غير مقتنع تمامًا، لكنه قبل الاسم في النهاية.

وبعد أن حُسم الأمر، ارتسمت على وجهه ملامح ارتياح حقيقية.

وقال بنبرة أخف من السابق:

"لقد ساعدتني يا سيد غونبام على حل جزء من الحيرة التي لازمتني طوال هذه الفترة. أشكرك."

أما أنا، الذي كنت قد عبرت لتوي بين الحياة والموت عدة مرات خلال دقائق معدودة، فأجبته بوجه أثقل من الرصاص:

"لا شكر على واجب..."

وما إن تجاوزت أزمة حتى وجدت نفسي أمام أخرى.

قال دومينيك مبتسمًا:

"وأنا أيضًا أرغب في مساعدتك إن كان هناك ما أستطيع فعله من أجلك."

وفي اللحظة نفسها، ظهرت نافذة النظام.

[هل ترغب في ضمّ الدكتور دومينيك إلى فريقك؟]

ماذا أفعل بدومينيك؟

كان وجود الدكتور دومينيك ضروريًا لإنهاء كال أوفوڤو.

فهو الشخص الوحيد القادر على فك غسيل الدماغ المفروض على أتباع الطائفة.

لكنني، إن أمكن، كنت أفضل أن أبقيه جالسًا بهدوء داخل عيادته وألا أسمح له بالتحرك خطوة واحدة...

"آه، صحيح يا سيد غونبام."

قال دومينيك ذلك فجأة.

"قبل مدة قصيرة دعاني أحدهم للانضمام إلى ديانة ما. وقد وجدتها مثيرة للاهتمام إلى حدٍّ ما، لذلك إن كنت ترغب فربما نستطيع الذهابمعًا..."

"سيد دومينيك!"

"نعم؟"

"أرجوك، انضمّ إلى فريقي!"

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

~ ترجمة بـوني🪻~

الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام

https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

2026/06/11 · 13 مشاهدة · 1815 كلمة
نادي الروايات - 2026