الفصل 51
بقيتُ شاخصًا ببصري نحو صحن الفنجان، الذي كان يدور في الهواء بحركة بطيئة أتاحت لي تفحّص وجهيه الأمامي والخلفي بيسروسهولة.
وبعد أن أمعنتُ النظر في النقوش المحفورة على ظهره، فتحتُ نافذة الحالة وتفقدتُ الخانة الأولى في أعلاها:
[هان غو يو (أوريـون يانغ) ♥ x1]
لم يتغير عدد القلوب مطلقًا.
رغم أنني تلقيتُ حكمًا مؤكدًا بالموت قبل قليل، إلا أنني لم أُبعث في الفندق، ولم تنقص من حياتي فرصة واحدة.
"سيد دومينيك..."
نبستُ بتلك الكلمات لأتبين حقيقة الخوف الذي يتسلل إلى أعماقي، وسألته:
"هل... هل قمتَ بإحيائي؟"
"نعم، لقد أعدتكَ إلى الحياة يا سيد غونمـبام."
وفي تلك اللحظة، كانت بقايا الدماء العالقة على يدي دومينيك تتلاشى تدريجيًا، ليعود ويرتدي قفازه فوق يده التي أصبحت نظيفة تمامًا.
ثم وجه إليّ سؤاله بنبرة مهذبة:
"هل تصرفي هذا كان فيه إساءة لك؟"
"......"
"سأتوخى الحذر في المرة القادمة. آه، لقد كنتُ أعلم أنك ستعود إلى الحياة مجددًا يا سيد غونمـبام، لكنني عثرتُ على شيء رائع ولم أتمكنمن كبح رغبتي في إطلاِعك عليه فورًا، ففعلتُ ما فعلت. أليس المجيء من الفندق إلى هنا مجددًا يستغرق الكثير من الوقت؟"
تبددت أصوات نبرته الرخيمة والعميقة عند مسامعي.
وطوال فترة تدفّق كلماته الناعمة، عجزتُ عن إبداء أي رد فعل.
إن الكيان الذي يقف أمامي الآن قد تخطى قوانين المحن.
إذن، كيف يمكنني تصنيف هذا الشيء؟ هذا الكيان الذي يتحدى حتى النظام نفسه!
اجتاحني شعور طاغٍ كأنني أهوي في هاوية سحيقة لا قرار لها.
وحركتُ شفتيّ الجافتين لأقول بالكاد:
"لا... بل شكرًا لك."
لم يعد لظنوني الآن أي قيمة، فمهما حاولتُ التخمين، سيتجاوز هذا الأمر كل توقعاتي؛ لأنني ببساطة لم أواجه كيانًا كهذا قط من قبل.
بناءً على ذلك، يجب عليّ التركيز فقط على الجوانب المؤكدة:
دومينيك يكنّ لي مشاعر إيجابية، وسأستغل هذه المشاعر إلى حدها الأقصى لأتمكن من إنهاء مرحلة كال أوڤو بأسرع وقت ممكن.
سأترك دومينيك هنا، وأخرج أنا إلى العالم الخارجي.
هذا هو أفضل خيار متاح أمامي حاليًا.
بالطبع، قد يتسبب دومينيك في حدوث ظواهر شاذة بعد إنهاء المرحلة، لكن...
'لكل حادث حديث حينها.'
فهذا الكيان ليس بالشيء الذي يقع في نطاق قدرتي على استيعابه أو التعامل معه الآن.
وإذا تشتت انتباهي بأمور أخرى وفشلتُ في إنهاء المحنة، فسأبقى محبوسًا داخل كال أوڤو... وتلك ستكون النهاية الأكثر رعبًا علىالإطلاق.
'النجاة تكمن في إنهاء المحنة فحسب.'
حاولتُ جاهدًا شحن نفسي بالطاقة الإيجابية، ونتيجة لذلك، اهتديتُ إلى ميزة هائلة وفوائد جمة.
"سيد دومينيك."
"نعم، يا سيد غونمـبام."
"إذا متُّ مجددًا، هل يمكنك إحيائي؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فكم مرة تستطيع فعلها؟"
"بالقدر الذي ترغب فيه يا سيد غونمـبام."
أن يعيدني إلى الحياة فور موتي في كل مرة؟ وليس في نقطة البعث المحددة بل في نفس البقعة التي قضيتُ فيها؟
'هذا يعني أنني أملك قلوبًا لا نهائية!'
كان هذا يعني أنه لا بأس لو غامرتُ ولعبتُ بتهور حتى لو أدى ذلك إلى موتي.
وبعد أن أدركتُ هذه الميزة الخارقة، لم يعد التعايش مع دومينيك يبدو سيئًا إلى هذا الحد.
"أنا متطلع للعمل معك مستقبلاً، وإذا متُّ، أرجو أن تعيدني إلى الحياة فورًا."
وبعد أن قدمتُ طلبي بكل أدب، لم أفتأ أن أثني عليه لأرفع من معنوياته:
"أنا محظوظ حقًا لأنك رفيقي يا سيد دومينيك. لو كنتُ بمفردي لكان الأمر مرعبًا وشاقًا للغاية."
'دومينيك هو الأفضل، دومينيك هو الأروع.'
أخذتُ أردد في نفسي عبارات الثناء هذه وأنا أمدحه بجد ومثابرة. حينها، أطلق دومينيك ضحكة خافتة عميقة.
بعد أن نجحتُ في تحسين مزاجه عبر التملق المستمر، أمسكتُ بصحن الفنجان الذي كان لا يزال يدور في الهواء.
وكان محفورًا على ظهره رمز يشبه عين حورس.
"هذا هو الشعار الذي تستخدمه طائفة أتباغ الفراغ في طقوسهم. بفضلك يا سيد دومينيك، ستصبح المهمة أكثر سهولة."
في الحقيقة، رغم أن هذا الرمز يمثل طائفة أتباع الفراغ، إلا أنه كان يظهر بكثرة وبشكل شائع في كل مكان أثناء البحث عن الأدلة.
ولم يكن له دور كبير داخل كال أوڤو، بل كان مجرد إضافة لإضفاء أجواء غامضة ومرعبة لا غير.
ومع ذلك، فقد استغللتُ الأمر لأرفع من معنويات دومينيك بمديحي المفرط.
بعد ذلك، اتخذت ملامح وجهي طابعًا جادًا وصارمًا وقلت:
"يبدو أن الطائفة الدينية حاولت تسميمي... لكني لا أعرف السبب. ويراودني شعور بأن هذه ليست سوى البداية."
في كال أوڤو، لا ينتهي الأمر بمجرد صد محاولة اغتيال واحدة.
فما لم تُحل حالة العداء، ستستمر محاولات الاغتيال المتكررة بما في ذلك التسميم.
'من المرجح أنها إيديل...'
رغم أنني لم أعرف لِمَ حاولت تسميمي فجأة، إلا أن الاستنتاجات من مختلف الجوانب لم تُشر إلا إليها.
وفي تلك اللحظة المناسبة، ظهرت نافذة الخيارات أمام عيني:
[لقد تعرضت للتسمم على يد شخص تكنّ له العداء. اذكر للدكتور دومينيك الشخص الذي تشك في أنه المحرك الأساسي من وراء الستار—]
- تقول إنك أنت الجاني.
- تقول إن زعيمة الطائفة إيديل هي الجانية.
- تقول إن موظف الفندق هو الجاني.
- تقول إن قوة طرف ثالث هي الجانية.
- تقول إنك تريد معرفة المزيد عن الحاكم الذي تسعى طائفة أتباع الفراغ لاستدعائه.
بما أنني لم ألتقِ بعد بالكثير من الشخصيات غير اللاعبة، كانت الخيارات المتاحة تبدو متواضعة وضئيلة.
فاخترت الخيار الثاني …
"يبدو أن زعيمة الطائفة الآنسة إيديل هي من حاولت تسميمي."
[لقد حددتَ للدكتور دومينيك أن زعيمة الطائفة إيديل هي المحرك من وراء تسميمك.]
- تقول إنك تخشى زعيمة الطائفة إيديل.
- تقول إنك ستواجه زعيمة الطائفة إيديل وجهًا لوجه.
- تقول إنك تريد معرفة المزيد عن الحاكم الذي تسعى طائفة أتباع الفراغ لاستدعائه.
'خيارات طائفة الرسل اللعينة هذه لا تختفي أبدًا.'
ومع ذلك، بعد أن متُّ مرة واحدة، أصبحت الحروف تبدو أكثر هدوءًا وتغير المحتوى قليلاً، لكنها ظلت تثير الضجر كالعادة.
وقفتُ متأملًا الخيارات لبرهة.
حتى الآن، كنتُ أبني علاقات جيدة مع الشخصيات الرئيسية غير اللاعبة في كل مرة أدخل فيها المحن.
أما هذه المرة، وبما أنني أسلك مسار الصحفي، يبدو أنه لا مفر من معاداتي لـ إيديل.
وكان هذا أمرًا مؤسفًا لأنني كنتُ أحب شخصية إيديل إلى حد ما.
وعلى أية حال، هي تتمتع بنفوذ هائل داخل منطقة مورنفيل، وإذا تركتُها وشأنها دون حراك، فسوف تضايقني وتضطهدني بشدة من جميعالنواحي.
لذلك، كان عليّ أن أتحرك لفرض السيطرة واستباق الأحداث.
فاخترت الخيار الثاني…
"أنا عازم على مواجهة إيديل وجهًا لوجه."
وفور انتهاء الحوار المحدد في الخيار، أردفتُ قائلًا لأعبر عن فكرتي الخاصة:
"أشعر أنني لو بقيت ساكنًا فسأقع في فخ محكم لا فكاك منه، لذا أفكر في اتخاذ تدابير وأساليب أكثر هجومية ونشاطًا."
سألني دومينيك باهتمام:
"ما هي هذه الأساليب؟"
رفعتُ أمامه الفنجان الذي كان لا يزال نصفه ممتلئًا.
كانت إيديل تسير بخطوات خفيفة وئيدة وهي تترنم وتدندن بهمس ونغم.
وعندما وصلت أمام غرفة الاستقبال، توقفت لتعديل نبرة صوتها، ثم طرقت الباب بخفة:
"دق، دق... سأدخل."
ورغم عدم تلقيها أي إجابة، إلا أنها فتحت الباب دون إذن؛ إذ لم يكن الوضع بحاجة إلى انتظار إذن بالدخول على أية حال.
كانت تتطلع بشغف وتتشوق لرؤية المشهد الذي سينكشف أمام عينيها.
دخلت إلى غرفة الاستقبال وهي تضغط بيدها على صدرها لتهدئة دقات قلبها التي كانت تنبض بإثارة وفرح، بيد أن المشهد كان مغايرًالتوقعاتها بعض الشيء.
"سيدي...؟"
كان السيد دومينيك واقفًا وهو يحمل بين يديه جثة هامدة.
ونظرت عيناه الزرقاوان الساحرتان نحو إيديل.
وفي تلك اللحظة، جال في خاطرها خاطرة غريبة:
'لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا... يبدو أن السيد يبتسم.'
تصلبت إيديل في مكانها لبرهة، ثم أسرعت بالاقتراب من السيد دومينيك، وصرخت بنبرة حادة ومتعجبة تتصنع فيها الجهل التام بما حدث:
"يا إلهي! كيف يعقل هذا؟! أوريـون يانغ...!"
وتظاهرت بتفقد حالته، فأمسكت بذراعه المسترخية لتتحقق من نبض معصمه.
لقد كان ميتًا بشكل قاطع ومؤكد.
لقد تخلصتْ من ذلك الكيان المزعج الذي يقف في طريقها.
وأطبقت شفتيها بقوة لمنع علامات البهجة والسرور من الارتسام على وجهها.
وفي تلك اللحظة، وكأنهم كانوا بانتظار إشارة، اندفع أتباع الطائفة الدينية إلى الداخل.
وصخوا بالصراخ والعويل عندما أبصروا الجثة المرتخية بين أحضان السيز دومينيك:
"جريمة قتل تقع داخل أسوار الطائفة الدينية؟!"
"ربما تكون أنت المستهدف التالي يا سيدي! من الأفضل أن تلوذ بمكان آمن أولاً."
"نحن سنتولى حمايتك."
وقفت إيديل أمام أتباع الطائفة، وتوسلت إلى دومينيك بلهفة:
"سيد دومينيك، أرجوك اسمح لنا بخدمتك ورعايتك. يجب علينا أولاً التحقق من نوع السم الذي تعرض له أوريـون يانغ، لذا يرجى تسليمهإلينا..."
لكنه جابهها برفض مهذب:
"لا أظن أن هناك داعيًا لذلك يا آنسة إيديل."
وتحولت نظرات السيد دومينيك نحو الأسفل، وهي تحمل في طياتها نوعًا من الترقب والانتظار.
'ترقب وانتظار؟'
رمشت إيديل عينيها بسرعة دون وعي منها.
'هل أخطأت في قراءة تعابير وجهه؟'
وشككت في نفسها بينما تتبعت ببصرها اتجاه نظرات السيد.
كان ذلك الوجه الوسيم يبدو كمن استسلم لنوم أبدي، ولم يكن يُفترض أن تنفتح تلك العينان المطبقتان بإحكام مرة أخرى.
ولكن... حبست إيديل أنفاسها أمام اللحظة التي تجسدت أمام عينيها؛ حيث بدأت النضارة والحمرة تعودان إلى الوجه الذي كان شاحبًاوخاليًا من الدماء قبل قليل.
وارتفع الصدر وهو يمتلئ بالهواء، وانفرجت الشفتان لتستنشقا وتزفرا الأنفاس مجددًا.
تلا ذلك تفتّح حدقتي العينين ببطء، ووجه نحو إيديل نظرة فاترة وناعسة، كأنه استيقظ للتو من غفوة ونوم هنيء.
بقيت إيديل شاخصة ومذهولة وهي تنظر إليه؛ لقد كانت عينان بريئتين ونقيتين للغاية.
لم ينبس أوريـون يانغ ببنت شفة لبرهة طويلة، بل اكتفى بالنظر إليها بهدوء، قبل أن ترتسم على محياه ابتسامة رقيقة ودافعة.
وأخيرًا، تحركت شفتاه لتقولا:
"لا عليكِ يا آنسة إيديل."
جاءت كلماته محملة بنبرة غفران غامرة، وكأنه يصفح عن كل شيء.
وفي تلك اللحظة التي تناهى فيها هذا الهامس الودود إلى مسامعها، سرت في أوصالها رعشة إدراك جارفة انطلقت من أعمق أعماق كيانها؛لقد كان يعلم كل شيء منذ البداية!
كان يعلم بمحاولتها لتسميمه...
وكان يدرك يقينًا أنه سيعود إلى الحياة.
لم يكن هذا سوى تجسيد خالص لمعجزة!
ارتجف جسد إيديل بالكامل، وانفرجت شفتها لتصرخ بنبرة ذهول كمن أصابتها صاعقة من السماء:
"البعث...!"
ثم تابعت هتافها مدوية:
"لقد حظي أوريـون يانغ بالمعجزة، وعاد إلى الحياة من جديد!"
إن استخدام ورقة البعث والموت أمام الأعين ثم العودة إلى الحياة كان دائمًا وسيلة بالغة النفع والجدوى كلما سلكتُ مسار زعيم الطائفة.
فإحياءٌ واحدٌ خاطف كفيلٌ بأن يغسل كل الأحقاد والنزاعات داخل الطائفة الدينية كأنها لم تكن، ليتشكل من حولك تأييد مطلق ودعملانهائي.
بيد أن هذا الأسلوب كان مشروطًا بضرورة حدوث البعث أمام مرأى ومسمع من أتباع الطائفة، وهو ما جعلني عاجزًا عن استخدام هذهالحيلة سابقًا حتى تتاح لي القدرة على تعيين المذبح كنقطة للبعث.
لكن الأمر اختلف الآن؛ فقد كان دومينيك معي، وكان يتحرك وينفذ ما أريد بدقة متناهية وبشكل مثالي.
تذكرتُ كيف تجرعتُ ما تبقى من الشاي الأسود ثم قضيتُ نحبي.
وبما أنني متُّ بالفعل، فقد استغللتُ الفرصة هذه المرة لأتأمل بتمعن الكيفية التي تظهر بها نافذة النظام.
[لقد لفَظتَ أنفاسك.]
[ستُبعث الآن أمام عيني الدكتور دومينيك.]
لم تضطرب نافذة النظام أو تصاب بالجنون كما حدث في المرة الأولى لموتي، بل بزغت الكلمات بوضوح ونقاء شديدين، وكأن هذا البعث أمربديهي وطبيعي للغاية، وهو الأمر الذي جعل قشعريرة مريبة تسري في جسدي من غرابته.
فتحتُ عينيّ ببطء مستطلعًا الأجواء.
كانت غرفة الاستقبال قد غصّت بأتباع الطائفة الذين احتشدوا كأمواج الغمام.
وفي المقدمة، كانت إيديل ترتجف ذهولاً وقد اتسعت عيناها من فرط الصدمة.
لقد كانت ردة فعلها مرضية ومثيرة للارتياح تمامًا.
ولأضع حدًا لشكوكها وأرسخ الصدمة في قلبها، ألقيتُ بكلماتي الحاسمة:
"لا عليكِ يا آنسة إيديل."
كان المعنى المبطن وراء عباراتي هو 'أنا أعلم بكل ما اقترفتِ يداكِ، لكني سأصفح عنكِ، لذا ليريني كلٌ منكم حسن صنيعه الآن.'
وفور أن ألقيتُ هذه العبارة بتلك النبرة الموحية، جاءت ردة فعل إيديل أكثر تماهيًا ومثالية، إذ تولت بنفسها إعلان نبأ عودتي للحياة أمامالحشود، وهتفت قائلة:
"لقد حظي أوريـون يانغ بالمعجزة، وعاد إلى الحياة من جديد!"
'شكرًا لكِ أيتها الزعيمة.'
وجهتُ لها شكرًا صامتًا في أعماقي بعد أن نلتُ اعترافًا رسميًا ببعثي من قِبل زعيمة الطائفة نفسها.
كانت هذه هي المرة الأولى التي أجرّب فيها استخدام حيلة البعث أثناء سلوكي مسار الصحفي، وجاءت النتائج مذهلة وفوق التوقعات بكثير.
ففي لمح البصر، غدوتُ ضيفًا فوق العادة ومن كبار الشخصيات لدى طائفة أتباع الفراغ، وجرى استقبالي ورعايتي بأقصى درجات الحفاوةوالتبجيل.
أُقِيدت مأدبة عشاء فاخرة تكاد تتكسر قوائم الطاولات من ثقل ما حوته من أصناف الطعام، وجلست إيديل ملاصقة لي تكاد لا تفارق جانبيلتتولى خدمتي بنفسها.
ورغم أنني حاولتُ الاعتذار والرفض بتهذيب، إلا أنها أصرت وتشبتت بمكاني ورفضت الابتعاد قيد أنملة.
كانت ملابسها تثير في نفسي حرجًا وضيقًا شديدين، لكني آثرتُ القبول والتماشي مع الأمر خوفًا من أن تظهر نافذة العلاقة العدائيةمجددًا إن أنا صددتها.
وقالت بنبرة تقطر أسفًا:
"كيف لنا أن نجهل قدر شخص بمثل هذا المقام الرفيع، ونعرضه لمثل هذه المحنة القاسية والآلام؟ أرجوك أن تصفح عنا وتهبنا غفرانك يا سيدأوريـون يانغ."
بل إن عينيها اغرورقتا بالدموع وهي تسرد كلماتها تلك.
ولم ألبث أن بادرتُ بتطييب خاطرها وتهدئتها قبل أن تنخرط في نوبة بكاء حارة:
"لا، لا عليكِ، فالخطأ شيمة البشر، والجميع معرضون للوقوع فيه."
"آه، كم أنت رحيم وواسع العطاء!"
مسحت إيديل دموعها على عجل، واستدارت لتنظر إليّ بعينين تشتعلان شغفًا وهيامًا، ليتضاعف معها شعوري بالضيق والعبء بنفسالمقدار...
وتابعت بحديثها الذي ينساب كصوت الشحرور العذب:
"كم سيكون الأمر رائعًا لو انضممت إلى طائفتنا الدينية؛ فهناك معارف لا حصر لها عن النجوم أود تفصيلها لك. لكنني أعلم أن سماع مثلهذا الحديث الآن قد يشكل عبئًا عليك. ما رأيك لو تأخذ اليوم جولة استكشافية لتفقد معالم الطائفة من الداخل؟ وإن تملّكك الفضول بشأنأي شيء، فلا تتردد في سؤالي."
كانت تبدو وادعة ولطيفة وهي تثرثر بصوتها الرقيق، غير أن الرعب المكتوم في داخلي كان أكبر، لأنني كنتُ أدرك يقينًا ما اقترفته تلكَ اليداناللتان تحاولان إطعامي الآن من أصناف الطعام اللذيذ.
تناولتُ الطعام على مضض وبتردد من يدي هذه الخبيرة المحترفة في تقديم الأضاحي البشرية، ورحتُ أسترق النظر نحو دومينيك.
كان دومينيك منشغلًا بتبادل أطراف الحديث مع أتباع الطائفة طوال فترة المأدبة.
ولفت انتباهي أنهم كانوا يتهافتون لإطعامي وخدمتي، في حين أنهم بمجرد أن رفض دومينيك عرضهم لمرة واحدة، أحجموا تمامًا ولم يجرؤأحد على تكرار الطلب أمامه.
بدا واضحًا أن الجميع يهابونه ويجدون صعوبة في التعامل معه، وكأنه شيء مقدس ومحرم لا يجوز المساس به أو الاقتراب منه بسوء.
وجدتُ أن ابتعاد دومينيك في هذه اللحظة يمثل فرصة سانحة ومثالية.
ابتلعتُ اللقمة التي قدمتها لي إيديل، ثم خفضتُ نبرة صوتي وسألتها بهمس:
"ولكن يا آنسة إيديل... كيف انتهى بكِ المطاف لتلقي العلاج على يد السيد دومينيك؟"
حينها، ارتسمت على شفتي إيديل ابتسامة عذبة وساحرة وقالت:
"في الواقع، هذا سرٌ مطبق لا يباح به للغرباء... ولكن بما أنك شخص استثنائي وخاص، فسوف أطلعك عليه."
أدنت شفتيها من شحمة أذني، لتسري قشعريرة باردة في جسدي بفعل أنفاسها التي تلمست بشرتي وهي تهمس:
"كل فرد يعيش في مورنفيل قد تلقى العلاج على يد السيد دومينيك. الجميع بلا استثناء، ولم ينجُ من ذلك أحد."
"...ماذا؟"
تراجعتُ بجسدي إلى الخلف مسافة أمان وأنا أشخص ببصري نحوها، بينما كانت نظرات إيديل قد غامت وبدت غارقة في حالة من التشتتوالذهول الضبابي.
وهمست وهي ترفع رأسها لتنظر إليّ:
"لقد استدعانا السيد جميعًا... إلى عيادته الخاصة."
ثم أردفت بصوت خافت كالفحيح:
"نحن جميعًا مرضاه يا سيد أوريـون."
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
~ ترجمة بـوني🪻~
الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦