الفصل 55

كانت الشارة الهولوغرامية التي منحني إياها سامرا مستقرة في بطانة ثيابي الداخلية؛ فلم تكن في موضع يثير العيان، ولم يخطر ببالي قطأن أظهرها أمام دومينيك.

"هذه الشارة..."

"ما بها الشارة؟"

"إنها هدية... تلقيتها من صديق لي."

"آه، أهو صديقك الذي في لندن؟"

"... أجل. ولكن، كيف تسنى لك أن تدرك وجودها وهي مواراة داخل ثيابي؟"

سألتُه محاولًا رسم ابتسامة اصطناعية تخفي خلفها التوجس، كمن يلقي دعابة عابرة.

غير أن جواب دومينيك جاء نابعًا من دهشة حقيقية اعتلت ملامحه:

"لا أدري، لكنني بدأت أشعر بوجودها فجأة منذ برهة وجيزة."

بدا وكأنه لم يدرك حقيقة وجود الشارة المخفية إلا في تلك اللحظة بالذات؛ فمن أسلوب حديثه، تبين لي أنه لم يكن عالمًا بأمرها منذ أن ارتديتهاأول مرة.

وانتابني حدس قوي بأن هذا الإدراك المباغت لم يولد إلا بعد أن وقعت عيناه على المجسم المضيء غير المتماثل.

أما عن سبب استشعاره لها...

'لعل السبب يكمن في أنها لا تنتمي إلى مقتنيات لعبة كال أوڤو؟'

كانت هذه هي الفرضية الأكثر منطقية وقبولاً في عقلي؛ فكونها غرضًا وافدًا من العالم الخارجي جعلها تبث ترددًا غريبًا يثير ريبته.

"قبل أي شيء، فلنغادر هذا المكان."

خطوتُ نحو الأمام متصدرًا الطريق، وتابعتُ حديثي بصوت خافت أوجّه فيه الكلمات نحو دومينيك الذي يتبع خطاي:

"لا تزال أمامنا أدلة يتعين حصدها، وأبرياء محتجزون ينتظرون التحرير؛ وأرى أن تفرقنا وانقسامنا لإنجاز هاتين المهمتين سيكون أكثركفاءة وسرعة."

أسرعتُ في خطواتي مستطردًا:

"أنا أحوز قامة قصيرة تجعل من اختبائي وتواريّ عن الأنظار أمرًا يسيرًا، لذا سأتولى أنا مهمة جمع الأدلة المتبقية. ما رأيك لو تكلفت أنتبأمر الأضاحي المحتجزة؟"

لم أكن لأرى في قصر قامتي عيبًا أو ميزّة في الأحوال العادية، غير أن الوقوف أمام شخص كدومينيك جعل مثل هذه الكلمات تتدفق منشفتي بسلاسة وعفوية.

"إنها فكرة سديدة. سأتولى تحريرهم واقتيادهم صوب مصحتي الطبية لتأمين حمايتهم؛ فالآنسة إيديل لن تجرؤ على تدنيس تلك البقعة أوالاقتراب منها."

بسطتُ له شرحًا مقتضبًا عن البقعة السريّة التي يُحتجز فيها أولئك البؤساء.

وفيما أنا مسترسل في حديثي، شعرتُ فجأة باختفاء وقع خطواته من خلفي؛ فكففتُ عن دفع الباب المؤدي إلى خارج ردهة الحجز، والتفتُّأستطلع أمره.

"... سيد دومينيك؟"

"سيد غونمـبام... أعلم علم اليقين أن طلبي هذا ينضح بالصعوبة والمشقة، ولكن..."

رفع كفه ليضعها فوق وجهه لبرهة، وبدا على ملامحه اضطراب حقيقي كمن فوجئ بخلاجه نفسه، ثم أردف مسرعًا:

"لا عليك... اعتبرني لم أقل شيئًا، وتجاوز الأمر أرجوك."

'هل يتعمد إثارة حنقي؟'

فأن تقطع حديثك عند هذا الحد لهو أمر كفيل بأن يوقظ في نفس سامعك بركانًا من الفضول والتساؤل.

ورغم يقيني بأن ما سيجود به لسانه لن يكون بالخبر السار الذي يبهج النفس، إلا أن الفضول أخذ ينهش عقلي كشفرة حادة.

وإذا لم أستبن أمره الآن، فلا أدري أي قنبلة موقوتة ستنفجر في وجهي لاحقًا بسبب هذا الصمت.

'أن تنفجر الآن خيرٌ من أن تفاجئني في القادم من الأيام.'

وهكذا، تقدمتُ نحوه بخطوات تماثل خطوات خبير تفكيك المتفجرات، وقلتُ بصوت هادئ:

"تحدث يا سيد دومينيك، أنا منصت إليك."

تردد لبرهة من الوقت، ثم سألني بنبرة حذرة وصوت يملؤه التحفظ:

"هل يتسنى لك أن تمنحني تلك الشارة؟"

لم يكن في مضمونها ما يوحي بالحذر ؛ ورغم جهلي بالوظيفة الحقيقية لتلك الشارة حتى الساعة، إلا أن انزعاج دومينيك منهاوإلحاحه في طلبها كان دليلًا قاطعًا على أنها غرض بالغ الأهمية والخطورة.

ولم يكن بوسعي تفويض غرض بمثل هذه القيمة له بسهولة، فضلاً عن أنها ليست ملكًا لي في الأصل، بل هي أمانة تخص سامرا.

ولم أجد مفرًا من نسج أكذوبة جديدة أداري بها الموقف، فقلتُ بملامح كساها الأسف:

"أعتذر منك بشدة... إنها الأثر المتبقي والذكرى الوحيدة من صديق لي فارق الحياة..."

وبعد أن أرسلتُ روح سامرا القابعة في البعيد إلى عالم الفناء في ثوانٍ معدودات، عدتُ لأرتدي ذلك القناع البائس والمستدر للعطف الذياستعنتُ به في الزنزانة قبل قليل، وتابعتُ مستعطفًا:

"أنت رفيقي الذي أنقذ حياتي وأخذ بيدي، وكنتُ لأهبك أي شيء تطلبه نفسي، بيد أن هذا الغرض بالذات..."

تملك الارتباك دومينيك واجتاحه شعور طاغٍ بالذنب والأسف، فقال مسرعًا:

"أأثرٌ من صديق راحل؟! أنا من يتوجب عليه الاعتذار يا سيد غونمـبام، سامحني أرجوك. لا أدري ما الذي أصابني، لقد تملكتني رغبةاندفاعية طائشة جعلتني أتصرف بمثل هذه الفظاظة، وأنا نفسي أعجز عن فهم علة سلوكي هذا."

هززتُ رأسي نفيًا كمن يبرئ ساحته ويعذر جهله، وقلتُ:

"لا تلم نفسك، أظن أن السبب يعود إلى ذلك الصندوق المعدني الغريب الذي أبصرناه ليلة أمس."

"……!"

"إنه غرض ينضح بالشؤم والخطر بلا أدنى شك؛ وخير لنا ألا نقترب من تلك البقعة مستقبلاً."

فأجابني متأثرًا بكلماتي:

"أوافقك الرأي تمامًا. لا بد أنني تجرعت مثل هذه الرغبة الاندفاعية المريبة من ليلة أمس يا سيد غونمـبام."

رمقني بنظرات متفحصة وجديدة، كمن يعيد تقييم حالتي ويتأكد من سلامة قواي العقلية والنفسية.

فتبسمتُ له بوجه وادع لا تشوبه شائبة قلق، وسألته:

"هل نمضي الآن؟"

"أجل، يا سيد غونمـبام."

تبعني دومينيك في طواعية وهدوء، وفور خروجنا انصرف كل منا إلى وجهته لإنفاذ المهمة المنوطة به.

وعندما غدوتُ بمفردي أخيرًا...

"آه..."

أطلقتُ زفيرًا حارًا كنتُ أحبسه في صدري طوال الوقت.

لقد شعرتُ طوال مكوثي بجانب دومينيك أن ضربات قلبي توشك على تمزيق صدري من فرط التوتر؛ وكيف لا، والخدع والأكاذيب التينسجتها حوله قد تجاوزت حد العد والإحصاء!

فحتى موقع احتجاز الأضاحي البشرية، تعمدتُ إرشاد دومينيك نحو بقعة خاطئة ومضللة، لكي تستغرق عملية البحث وقتًا طويلًا، ويمضييومه بأكمله منكفئًا هناك دون أن يتدخل في شؤوني.

فطقوس الليلة لن تقام على أجساد أولئك الأبرياء بأي حال، بل ستكون أجساد أتباع الطائفة ومؤمنيها هي الوقود الجديد للشعائر بفعلتوجيهات دومينيك لإيديل، لذا لم يكن هناك أي داعٍ للعجلة في إنقاذهم.

'قضت خطتي الأصلية بأن أظل ملاصقًا لدومينيك طوال الوقت.'

كان هدفي من ذلك مراقبة تحركاته عن كثب لضمان عدم ارتكابه لأي حماقة، وفي الوقت ذاته استغلال قدراته الخارقة لتسهيل مسيرتي.

غير أنني أرى الآن أن الخيار الأمثل هو إيداعه في بقعة معزولة بعيدًا عن الأحداث؛ فقد تسببت تدخلاته السابقة في تغيير أضاحي الطائفةوتبديل هوياتهم، مما أدى إلى تعقيد مسار اللعبة وتشابك خيوطها.

فرغم نجاتهم، إلا أن الطقوس لا تزال قائمة وسيجري تنفيذها.

وبالطبع، كان بإمكاني اصطحابه معي والتسلل إلى معقل الطائفة لإحباط الطقوس معًا، وكان ذلك ليوفر عليّ الكثير من الجهد والمشقة... غير أن ردود أفعاله المريبة والتحولات التي طرأت على سلوكه منذ أن أبصر المجسم المضيء غير المتماثل جعلتني أستقر على قرار حاسم: 'يجب إبعاد دومينيك عن كل ما يمت بصلة لاستدعاء الحكام الخارجية.'

وربما يكون دومينيك في الأصل كيانًا جرى استدعاؤه إلى هذا العالم بفعل شعائر الطائفة الدينية مسبقًا؛ وقد تولدت هذه الفرضية في عقليلعلمي بأن طقوس الطائفة تتمحور حول استجلاب شتى صنوف الحكام الخارجية.

وإن كنتُ أعجز عن الجزم بما إذا كان يحوز رتبة إلهية أم لا، إلا أن قواه الخارجة عن المألوف تجعل من هذا الاحتمال أمرًا واردًا وقريبًا منالمنطق.

ولكن، إن صح ذلك، فإن هذه المحنة لا تعد كونها مساحة زمنية مغلقة تعيد تكرار العالم ذاته بلا نهاية؛ فكيف لتلك المساحة أن تحوز من القوةما يكفي لتقييد كيان كدومينيك وإلقائه خلف قضبانها؟

إنه لأمر يعجز عقلي عن تصديقه أو استيعاب كنهه.

وعلى أية حال، كانت تلك معضلات يستحيل بلوغ إجابة شافية لها في ظل المعطيات الحالية، لذا عقدتُ العزم على التوجه صوب طقوس الليلةوإحباطها بمفردي ودون الاستعانة بأحد.

تسللتُ نحو الجانب الخلفي لمركز الشرطة، ورفعتُ رأسي بحذر مسترقًا النظر عبر نافذة مفتوحة لاستطلاع الأجواء في الداخل.

ولما كانت تحركات الشخصيات الغير لاعبة محكومة بأوقات وجداول زمنية صارمة، فقد خلت البقعة الخلفية لمركز الشرطة من أي أثر للحياةفي هذا الوقت من اليوم.

مددتُ يدي نحو الداخل، والتقطتُ قبعة كانت معلقة فوق الجدار القريب، ثم وضعتها فوق رأسي ضاغطًا إياها نحو الأسفل لتواري ملامحي.

'سأستعير هذه القبعة لبرهة فحسب.'

بما أنهم زجوا برجل بريء خلف القضبان، فلا ضير إن اعتبرتُ هذه القبعة محض هدية تذكارية يقدمها مركز الشرطة لي تعويضًا عما لحقبي.

وبالنظر إلى السكينة والهدوء المخيمين على الأجواء، يبدو أن أمر فراري من الزنزانة لم يُكتشف بعد.

ولكن، بمجرد أن يحين موعد توزيع وجبات العشاء على السجناء، سيتضح مخرجي الخاوي؛ لذا تعين عليّ الفراغ من جمع الأدلة والتسللإلى مقر الطائفة قبل حلول ذلك الموعد.

ولجتُ بامتثال وهدوء إلى زقاق ضيق ومنعزل، خاوٍ من المارة وعابري السبيل.

فانطلق جرذ سمين من أمامي مطلقًا صيحات ناعمة قبل أن يختفي بسرعة فائقة في عتمة المكان.

وما إن توغلتُ في أعماق الزقاق حتى بلغتُ نهايته المسدودة، وفي تلك اللحظة انبثقت نافذة النظام أمام عيني:

[لقد ولجتَ إلى "المسالك الخلفية لمدينة مورنفيل". إلى أين تود الانتقال الآن؟]

يتطلب فتح هذا المسار السري توافر عدة شروط: امتلاك أكثر من عشرة خيارات تنقل متاحة، وحصد ما يزيد على ثمانية أدلة، وضمحليفين على الأقل؛ وهي شروط عكفتُ على تهيئتها وضبطها طوال يوم أمس.

حركت أصابعي وانتقيتُ وجهتي القادمة…

[يجري الآن نقلك إلى مبنى البلدية.]

وفور الاستقرار على الخيار، تحرك جسدي تلقائيًا بقوة النظام؛ فوطئت قدماي حافة صندوق القمامة، ليرتد جسدي نحو الأعلى واثبًا فوقالسور المرتفع بخفة متناهية.

وفي لمحة بصر، غدوتُ فوق أسطح البنايات ورحتُ أركض بسرعة فائقة.

كان الركض فوق أسطح تلك المباني المنخفضة تجربة تحبس الأنفاس وتنضح بالخطورة والمجازفة.

ولو كان الأمر متروكًا لقدراتي البدنية الأصلية، لغدا هذا الصنيع ضربًا من المستحيل؛ غير أن آلية التحرك التلقائي جعلت حركاتي تماثلحركات ممثلي الحيل الخطرة في السينما العالمية.

وبفضل القفز المتتالي بين الأسطح، انقضت المسافة سريعًا وبدت أسوار مبنى البلدية تلوح في الأفق القريب.

شخصتُ ببصري نحو برج الساعة لأستبين الوقت، ثم رحتُ أتقصى محيط مبنى البلدية؛ كانت الساحة الفسيحة المرصوفة بالحصى تعيشحالة من الفوضى والاضطراب، وبدا رجال الشرطة واقفين بملامح كساها الإضطراب والجدية الشديدة.

ويعود السبب في هذا الاستنفار إلى أن مسكن العمدة، الذي يبعد مربعين سكنيين عن مبنى البلدية، كان مسرحًا لجريمة الاغتيال البشعةالتي وقعت ليلة أمس.

وكانت الميزة الأكبر لاستخدام المسالك الخلفية تكمن في أنها تقود اللاعب تلقائيًا نحو مسارات شديدة السرية والتكتم؛ مسارات إذ قد لاتكون سوى ممرات ضيقة ، لكنها تؤدي الغرض كطرق بديلة بكفاءة عالية.

تسللتُ صعودًا عبر أنبوب تصريف مياه الأمطار المثبت على الجدار الخارجي، متسلقًا نحو مكتب العمدة.

وبفضل انشغال كافة القوات وتوجههم إلى مسكن العمدة الميت، خيم السكون المطبق على أرجاء المكتب.

استخرجتُ سلكًا حديديًا كنتُ قد حصدته من عمليات تجميع الأغراض بالأمس.

[سلك حديدي بالٍ: أداة لا غنى عنها لكل صحفي دفعه شغف التقصي إلى حافة الجنون! يمكن الاستعانة به في استخدامات شتى. (عددالمرات المتبقية للاستخدام: 5)]

أدخلتُ السلك في قفل النافذة، وحركته برفق حتى انفتح القفل، ثم دفعتُ النافذة نحو الأعلى.

وخطوتُ إلى الداخل، لتنبثق نافذة النظام على الفور:

[لقد دخلت إلى مكتب عمدة مورنفيل. ثمة هالة شؤم تنبعث في الأجواء.]

كان هذا التنبيه بمثابة إشعار برمي اللاعب في حدث يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخط الدرامي الرئيسي للقصة.

ووفقًا للسيناريو الأصلي للعبة، كان من المفترض أن يكتشف العمدة أمري ويثور غضبه جراء هذا التسلل؛ إذ يرزح العمدة تحت تأثير سحرغسيل دماغ خفيف، وإذا ما فشل اللاعب في إقنائه وتبديد ذلك السحر، ينقلب العمدة إلى مسخ مشوه وتبدأ مواجهة كبرى ضد زعيمالمنطقة.

إن خطوة طائشة كتلك، بالولوج إلى مكتب العمدة دون أهبة أو إعداد سابق، كانت كفيلة بأن تفقدني إحدى قلوب حياتي على الفور.

إذ أن غياب العمدة الليلة شرّع أمامي الأبواب، فدخلتُ مستغلاً خلوّ المكان.

وتحولتُ في الحال إلى لص يسطو على بيتٍ هجره أصحابه؛ فجعلتُ أطوف ببصري في أرجاء المكتب بحثًا عن بغيتي؛ تلك الوثائق والملفاتالسرية المرتبطة بالطائفة والتي دأب العمدة على مواراتها عن العيون.

وفقًا لسياق اللعبة المعتاد، لا يتسنى للاعب حصد هذه الأغراض إلا بعد الإطاحة بالعمدة الذي تحول إلى زعيم للمنطقة، أو النجاح فيإقناعه وتبديد السحر عنه.

ولما كانت هذه هي المرة الأولى التي أسلُك فيها درب السرقة والنهب، تعين عليّ تقصي معالم المكتب بدقة، مستفتحًا بملفات طاولة المكتبكخطوة أولى.

وفيما أنا منكبٌّ على تفتيش الطاولة، وقعت عيناي على صحيفة جرى طيها بعناية واستقرت فوق سطح الطاولة.

ويبدو أنها قد سُلِّمت قبل الشروع في ذياع خبر مقتل العمدة، إذ كانت تحمل تاريخ اليوم.

ورحتُ أتأملها دون إمعان فكر، غير أن أمرًا عجيبًا ومباغتًا قد استوقفني؛ إذ بدأت الحروف التي تؤلف اسم الصحيفة مورنفيل هيرالد تتلوىوتتبدل برفق أمام ناظري، لتستحيل إلى اسم مألوف أعرفه حق المعرفة!

"الأخبار اليومية...؟"

إنها الصحيفة ذاتها التي قدمها لي كبير الخدم القطط في سامكل، والتي حملت بين طياتها أنباء تفجير سفينة الفضاء.

ولما كان من المستحيل أن يقع هذا في باب المصادفات العابرة، فقد امتدت يدي والتقطت الصحيفة على الفور.

بيد أن الخيبة كانت في انتظاري؛ إذ غدت أسطرها بالكامل محجوبة ومطموسة تحت كتلة من المربعات الملونة.

وعلى النقيض من المرة السابقة التي ظفرتُ فيها بقراءة مقال واحد على الأقل، خلت صفحاتها هذه المرة من أي حرف مستبين.

ولم يتسلل إليّ اليأس، فواصلتُ تقليب صفحاتها باحثًا حتى بلغتُ منتصفها، فلاحظتُ في زاوية ضيقة قسمًا صغيرًاخُصص للمعلومات الحياتية العامة.

ورغم أنها لم تتعدى السطرين، إلا أنها كانت قابلة للقراءة دون عناء:

___________________

- المعلومات الحياتية البسيطة لـ ■■ ■■■!

إذا حزتَ على غرضًا نشطًا لكنك تعجز عن تسخيره واستخدامه، فما عليك إلا إستخدام مهارة التقييم عليه!

___________________

"ولكنني لا أمتلك مثل هذه المهارة أصلاً."

كانت هذه النصيحة تماثل في عبثيتها من يطلب منك إلقاء مكعبات الثلج في كأس الجعة إن وجدتها دافئة!

فبعد أن أجهدتُ عيني في التقصي والبحث، لم أظفر في النهاية إلا بهذه التمتمات الجوفاء.

وفيما أنا أصبّ جام غضبي على تلك الصحيفة العديمة النفع، امتد خط أفقي مباغت ليشطب تلك الأسطر، وتنبثق عبارة جديدة فوقها:

_________________

[المعلومات الحياتية المتقدمة لـ ■■ ■■■!]

إذا حزتَ على غرضًا نشطًا لكنك تعجز عن تسخيره واستخدامه، فما عليك إلا إستخدام مهارة التقييم عليه! فتلجأ إلى تلطيخه بقطراتمن دمك! ورغم بدائية هذه الطريقة، فإنها تؤدي غرضها بفعالية كبيرة!

_________________

"......"

ما هذا الهراء؟

بدا الأمر وكأن ثمة عينًا خفية ترقب حركاتي وسكناتي عن كثب.

ظللتُ أحدّق في تلك المربعات المطموسة، غارقًا في التفكير، حتى عادت بي ذاكرتي إلى مواضع متعددة رأيت فيها النمطذاته من هذه المربعات الغامضة.

ففي كل مرة أنجح فيها في تجاوز محنة، تظهر أمامي رسالة جديدة تشير إلى أن تلك الكتلة ذاتها من المربعات ما تزالتحيط بي وكأنها تراقبني.

بل إنني عاينت المربعات نفسها في المهمة الخاصة بـ ديزونديل.

وحينها، كانت الأسطر المكتوبة في تلك المهمة قد آتت نفعًا وخلصتني من مأزق.

وبعد برهة من التردد، آثرتُ السير خلف تلك النصيحة مجاريًا الكذاب إلى عتبة الباب؛ فإراقة قطرة أو قطرتين من دمي لم يكن بالأمرالعسير، والمجازفة تستحق العناء.

انتزعتُ الشارة المثبتة في بطانة ثيابي الداخلية، ووخزتُ طرف سبابتي بسنّها المدبب برفق، ثم مسحتُ قطرة الدم النازفة فوق سطح الشارة.

ولم تكد تمر لمحة ظننتُ فيها أن مسعاي قد خاب، حتى تلاشت قطرة الدم وغارت داخل الشارة كأنما ابتلعتها بلوعة خفية، ليعقب ذلك انبعاثطيف من أضواء الهولوغرام المتلألئة.

اتسعت عيناي ذهولاً أمام هذا المشهد المهيب، وتناهى إلى مسامعي صوت واهن ومتهدج تصاحبه ذبذبات وتشويش صاخب انبعث منالشارة؛ فقبضتُ عليها بكلتا يدي وأدنيتها من مسمعي لأستبين الصوت:

— ... سيد هان غو يو!

"سامرا؟"

لقد كان صوت سامرا بلا ريب!

يبدو أنه قد نجح في اختراق قوانين المحن وتأمين قنوات اتصال مع الداخل.

واجتاحتني موجة عارمة من الغبطة والسرور لسماع صوته بعد طول غياب.

وبمجرد أن أخذت الدهشة مأخذها مني جراء هذه التقنية المتطورة، قاطعني صوت سامرا بنبرة استبد بها الذعر والعجلة:

— أين أنت الآن تحديدًا؟

"أنا في لعُبة <نداء الفراغ>. لقد قسرتني إحدى الشخصيات الغير لاعبة على مغادرة عالم سامكل واقتيادي قسرًا إلى هنا."

— هل تقصد أنك ولجتَ إلى داخل أحد المحن؟

"أجل."

لكن نبرة صوته أثارت في نفسي ريبة خفية؛ فسـامرا رجل يزن كلماته بميزان دقيق ولا يتكلم إلا عند الحاجة، فما سبب سؤاله المستنكروإعادته لتلك الكلمة؟

— سيد هان غو يو...

انطلق صوت سامرا مجددًا بعد برهة من الصمت المطبق خيمت على الخط، ليقول:

— إن لعبة <نداء الفراغ>... هي محنة لم يكتب لها الفقس أو الولادة قط حتى هذه الساعة.

"لم يكتب لها الفقص...؟ وماذا يعني هذا؟"

— يعني... أنها محنة لا وجود لها في الأصل.

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

~ ترجمة بـوني🪻~

الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام

https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

2026/06/13 · 2 مشاهدة · 2491 كلمة
نادي الروايات - 2026