الفصل 56
في اللحظة التي تملّكني فيها اليقين، تزاحمت الأفكار في رأسي كعاصفة هوجاء، فابتلعت لعنة غاضبة كادت أن تفلت من بين شفتي.
استجمعت كل ما أوتيت من رباطة جأش، وتحدثت بنبرة حاولت جاهدًا أن تبدو هادئة:
"هذا يعني أنه حتى لو تمكنت من اجتياز هذا المحن، فقد لا أجد طريقًا للخروج، أليس كذلك؟"
جاءني صوت عبر الشارة:
— "بالضبط. بل إننا لسنا متأكدين حتى الآن ما إذا كان المكان التي تتواجد فيه، يا سيد هان غو يو، هي محنة أم شيء آخر."
أجبته بيقين:
"بل هي محنة حتمًا... هناك مهمة محددة، وهذه اللعبة تعود للمطور نفسه الذي خبرتُ ألعابه من قبل."
تساءل سامرا:
— "هل يمكنك إطلاعي على طبيعة هذه المحنة وفكرتها؟"
قدمت له شرحًا مقتضبًا عن لعبة كال أوڤو.
وما إن أنهيت حديثي حتى شرع سامرا في البحث والتقصي عبر قواعد البيانات في الوقت الفعلي.
وبعد لحظات، أردف قائلًا:
— "كما تعلم، فإن موقع تجسدك يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمضمون المحنة. لو سارت الأمور مسارها الطبيعي، لكانت هذه المحنة تابعة للهيئةالبريطانية. لكن الغريب أننا لا نجد لها أي أثر أو معلومة في أي مكان حاليًا." ( قصده ب "موقع تجسدك يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمضمونالمحنة" يعني مكان تجسده في بريطانيا والمفروض بكون مرتبط بالهيئة البريطانية )
ساد الصمت بيننا عقب كلماته تلك؛ فالفراغ المطبق الذي واجهناه جعل حتى كيانًا كـ سامرا يقف عاجزًا ومكتوف الأيدي.
لكنه لم يستسلم للركود طويلًا، بل سارع بطرح سؤالٍ يُمهد لفك الشفرة:
— "كيف قمت بتفعيل الشارة؟"
"لطختها بقليل من دمائي."
بدت النبرة الآلية لسامرا مهتزة قليلاً بنبرة مفاجأة وهو يقول:
— "لقد وضعنا قطع مماثلة في محن لا تحصى، وهذه أول مرة يتمكن فيها أحد من تفعيلها ."
لكن الكلمات التالية التي فاه بها كانت هي المفاجأة الحقيقية لي:
— "سأتولى دور المرشد والموجه لك من هنا."
أن يعرض عليّ الدعم كـ مرشد يعطني التوجيهات يبدو أن قيمتي بنظر سامرا لم تنفد بعد.
تسلل إلى أعماق نفسي شعور دافئ بالأمان لمجرد معرفتي بأنني ما زلت متصلاً بالعالم الخارجي.
كان الأمر يشبه تمامًا شخصًا يوشك على الغرق في لُجّة البحر، ثم تلوح له طوق نجاة هبطت عليه من السماء بمحض الصدفة.
أعدت تثبيت الشارة في بطانة ملابسي الداخلية وسألته:
"شكراً لك. هل تسمع ما يدور حولي من أصوات، أم تلتقط صوتي أنا فقط؟"
— "أستطيع سماع صوتك أنت فقط، سيد هان غو يو."
كان صوت سامرا يتردد في مسامعي بوضوح جلي دون الحاجة لتقريب الشارة من أذني.
وبما أنها أداة مميزة مستدعاة من عالم آخر، فقد فاق أداؤها بمراحل أي أجهزة اتصالات تقليدية.
وبينما كنت أفتش مكتب العمدة بقرقعة متسارعة، استأنفت حديثي لأطلعه على ما غاب عنه:
"ثمة أمر آخر... هناك ظاهرة شاذة تحدث في كال أوڤو حاليًا."
— "أي نوع من الظواهر الشاذة؟"
"لقد قطعتُ وعدًا لكبيرا خدم لعبة سامكل بأن أبحث لهم عن سيد القصر... والمفاجأة أن ذلك السيد موجود هنا، في نداء الفراغ."
رغم أن الاتصال كان صوتيًا فحسب، إلا أنني شعرت بوضوح بالارتباك الشديد الذي حلّ بسامرا إثر كلماتي.
فقد تطلب الأمر وقتًا أطول من المعتاد قبل أن يأتيني رده:
— "... لقد تلقينا بالفعل تقارير تفيد بحدوث انتقال قسري تسبب فيه كبيرا الخدم."
أخرجت سلكًا معدنيًا دقيقًا وشرعت في فتح أحد الأدراج المغلقة وأنا أسأله:
"سيادة المقدم والنقيبين الآخرين... هل هم بخير؟"
— "إنهم في أمان. ركّز الآن على سلامتك أنت وحسب. وأرجو أن تشرح لي طبيعة هذه الشخصية غير قابلة للعب الذي تدعي أنه سيدالمنزل."
تمتمت مجيبًا:
"علم..."
تجاوب الدرج المقفل وانفتح، لكنه لم يكن يحوي سوى بعض الخردوات والمهملات.
غير أنني لاحظت شيئًا غريبًا؛ عمق الدرج من الداخل كان أضحل بكثير مما يبدو عليه من الخارج.
بدأت بالضغط في أماكن متفرقة لأفصل قاعه المزيف، وخلال ذلك رحت أشرح له هوية دومينيك:
يبلغ طوله ثلاثة أمتار، فاقد للذاكرة ولا يعرف سبب وجوده، لديه القدرة على التدخل في نظام اللعبة والتأثير على بقية الشخصيات الغيرلاعبة، بل ويمكنه تحوير الأشياء وتغيير طبيعتها... وغيرها من قدرات.
وما إن وصلت في حديثي إلى خطتي التي تعتمد على استغلال عاطفته وميله نحوي لأتمكن من اجتياز المحنة والهروب، حتى نجحت أخيرًافي نزع القاع المزيف للدرج.
__________________
★ لقد عثرت على الوثائق السرية لعمدة مورنفيل!
وثائق تُفصّل جرائم الطائفة بدقة متناهية.
__________________
همست متابعًا حديثي:
"... ولهذا السبب، نحن نتحرك بشكل منفصل الآن."
حينها فقط انتبهت إلى أنني كنت أتحدث بمفردي لفترة طويلة.
داهمتني خشية أن يكون الاتصال قد انقطع، فناديته مسرعًا:
"سامرا؟"
وما إن نطق اسمه حتى جاءني صوته أخيرًا:
— "سيد هان غو يو."
"نعم؟"
— "أعرف أن تجاهلك للطرق المعتادة والقواعد المتعارف عليها هو ما يجعلك تحقق نتائج مختلفة وجديدة دائمًا. لكن ماتفعله هذه المرة خطير جدًا."
كانت نبرته الهادئة والعاتبة خالية من أي مشاعر، مما جعلها تبث في نفسي رعبًا أكبر.
سارعت بالاعتذار وأنا أشعر بالخزي:
"أنا آسف... ولكن لم يكن أمامي أي طريق آخر للخروج."
— "ألا يمكنك إلغاء رابطة الرفقة معه؟"
"هذا ممكن، لكن إن ألغيتها من طرف واحد، فستتحول العلاقة بيننا إلى عداء مطلق في نفس اللحظة."
— "سأبحث في قواعد البيانات عن حالات مشابهة. انتظر لحظة من فضلك."
استغللت هذه الاستراحة القصيرة والتقطت بسرعة صورًا للوثائق السرية مستخدمًا كاميرا نظامي.
[تم الالتقاط بنجاح تام! جرى تسجيلها كدليل حاسم.]
ولم يكد يمر سوى وقت لا يُذكر، حتى عاد سامرا ليتحدث، وكأن كلمته "لحظة" لم تكن مجرد تمطيط للوقت:
— "من الأفضل ألا تلغي رابطة الرفقة."
أومأت برأسي موافقًا في سري؛ فقد توقعت هذا الرد.
وضعت يدي على إطار النافذة وهممت بالقفز لمغادرة مكتب العمدة، حين باغتني قائلًا:
— "تتمتع شارة الهولوغرام بميزة إضافية أخرى إلى جانب الاتصال."
"وما هي؟"
— "خاصية الهروب."
اتسعت عيناي بذهول:
"... الهروب؟"
— "إنها ميزة صُممت خصيصًا بالاعتماد على حقيقة أن هذه المحنة تلتزم بقوانين برمجيات الألعاب."
فهمت مقصده على الفور.
ففي الألعاب، عندما تعلَق الشخصية في مكان شاذ يمنعها من الحركة، أو حين تتوقف اللعبة تمامًا بسبب خطأ برمي، تتوفر دائمًا خاصية"الهروب الاضطراري" لإعادة تعيين موقع اللاعب.
'هل يمكنني الخروج الآن فورًا؟'
ولكن قبل أن ينتفخ صدري بالأمل، سكب سامرا ماءً باردًا أطفأ حماستي:
— "لا يمكن استخدام خاصية الهروب إلا في اللحظة التي يواجه فيها نظام المحنة خللاً برمجياً عاماً."
بالتأكيد، ليس من المنطقي أن تتاح ميزة خارقة كهذه دون قيود أو شروط.
فحتى في الألعاب، لا تُستخدم هذه الخاصية إلا عند وقوع الأخطاء.
سألته مستوضحًا:
"تقصد بالخلل البرمجي... شيء مثل تشوه الكلمات في نافذة النظام أو تداخلها بشكل غريب؟"
— "بالضبط."
هذا يعني أنه يتوجب عليّ الانتظار حتى تظهر نافذة النظام خطأً جديداً.
— "ولأجل تفعيل هذه الخاصية، سيكون علينا إنهاء هذا الاتصال لضمان استقرار العملية."
وهكذا، كان عليّ أن أقطع هذا الخيط الرفيع الذي ربطني بالعالم الخارجي لتوّي.
ولكن، لم يكن هناك داعٍ للمفاضلة، فالأولوية هنا واضحة كالشمس.
اجبته باقتضاب:
"فهمت."
ثم طرحت السؤال الذي رغبت في إلقائه منذ البداية، وتلعثم به لساني طويلاً:
"وماذا عن سامكل...؟"
قاطعني سامرا مجيبًا عما يجيش في صدري دون أن يتركني أكمل:
— "لقد تم إغلاق المحنة وتطهيرها نهائيًا."
شعرت بمزيج غريب من الراحة والوحشة في آن واحد.
غير أن صوت سامرا انتشلني من شرودي:
— "سيد هان غو يو، أنا على يقين بأنك ستعود سالماً."
لا أدري إن كان يصح إطلاق مثل هذه التعبيرات على كائن أندرويد آلي، لكنني أحسست ببادرة قلق حقيقية تنبعث من كلماته.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت ردًا على تعليقه:
"أجل. لنلتقي في الخارج إذن، يا سامرا."
ولم يأتنِ أي رد بعد ذلك؛ لقد انقطع الاتصال تمامًا.
وعدت غريبًا وحيدًا كما كنت.
جلست على حافة النافذة لوهلة، مستغرقًا في تفكيري.
'في الوقت الحالي، يجب أن أمضي في اجتياز المحنة، مع إبقاء عيني مفتوحة لاقتناص فرصة الهروب.'
وستكون اللحظة الأكثر ضمانًا هي عندما يتسبب دومينيك بخلل في نافذة النظام.
أما مسألة موتي وانبعاثي مجددًا أمام عينيه، فيبدو أن النظام قد استوعبها بالفعل واعتبرها مسارًا طبيعيًا...
وبينما كنت أرسم الخطوط العريضة لخطتي في مخيلتي، انتبهت فجأة ودققت النظر خارج النافذة.
تردد في الأرجاء دويّ أجراس.
دانغ... دانغ...
لم تكن تلك الدقات تعلن عن الوقت أبدًا.
فلم تكن الساعة قد بلغت تمامها، كما أن وقع الرنين كان يحمل نبرة غير مألوفة؛ كان صخبًا حادًا يماثل إنذارًا طارئًا يشي باختراق أو هجوموشيك.
'لم يكن في أحداث لعبة كال أوڤو أي سيناريو يتحدث عن غزو للأعداء.'
تريثت قليلاً بانتظار أن يخمد صوت الأجراس، لكن فجأة، انفتح باب المبنى المقابل بعنف.
ومع تلك الدقة، أخذت أبواب جميع البنايات الممتدة على طول الشارع تنفتح واحدًا تلو الآخر.
ومن تلك الأبواب المفتوحة، تدفقت حشود من البشر تعلو وجوههم ملامح منومة وغائبة عن الوعي، وساروا في صفوف منتظمة متوجهين صوبوجهة موحدة.
أخرجت نصف جسدي من النافذة لأتبين المسار الذي تسلكه الجموع؛ كانوا يتجهون نحو مقر طائفة أتباع الفراغ.
كانت الأمور تأخذ منحى غريبًا وخارجًا عن السيطرة.
وفي تلك اللحظة، انبثقت أمام عيني نافذة الخيارات.
_________________
لقد بدأت لحظة مذهلة!
— تخرج إلى الهواء الطلق.
— تخرج إلى الخارج لتنعم بالسعادة.
— تخرج إلى الخارج لتبتهج بالسرور.
— تخرج إلى الخارج لتمجّد حاكم الفراغ!
_________________
لسوء الحظ، كان المضمون وحده هو الشاذ، بينما بدت الحروف وهيئة الكلمات في غاية الاستقرار والسلامة البرمجية.
اخترت الخيار الأول، ثم خرجت عبر الباب المفتوح مغادرًا مكتب العمدة.
كان المبنى خاليًا تمامًا.
ولم ألتقِ بأي شخص طوال هبوطي حتى الطابق الأرضي؛ إذ يبدو أن موظفي البلدية وسكان المبنى قد انجرفوا هم الآخرون خلف رنينالأجراس نحو مقر الطائفة.
لقد واجهت من قبل عدة ظواهر شاذة تسببت فيها الشخصيات الغير لاعبة أو زعماء المراحل في المحنات السابقة، لكنها المرة الأولى التيأرى فيها هذا العدد الهائل من الشخصيات يتصرف بشكل شاذ في الوقت نفسه.
ورغم الحيرة التي تملكتني، اندسست وسط الحشود؛ فقد كانت هذه فرصة مثالية للتوجه نحو مقر طائفة الأتباع دون إثارة الشبهات.
كان كل من يسير في ذلك الدرب يبتسم؛ ابتسامات عريضة تبدو وكأنهم في طريقهم إلى نزهة أو عطلة مبهجة.
ولم يكن هناك وجه عابس أو خالٍ من التعبير في هذا المكان... سوى وجهي أنا.
ولم يكد يمر وقت قصير حتى لاحت لنا بناية الطائفة في الأفق، وتصاعدت في مسامعي نغمات موسيقى خلفية؛ موسيقى لم أسمعها قط فيلعبة كال أوڤو، لكنها كانت مألوفة لـذاكرتي تمامًا.
لقد كانت "أنشودة الفرح".
صدح في الأرجاء صوت جوقة غنائية ضخمة، يتمازج فيها عويل الرجال ونحيب النساء في سيمفونية مهيبة زلزلت المكان.
كانت ساحة مبنى الطائفة غارقة في أجواء احتفالية صاخبة، بينما وقف عند المدخل حارسان من الأتباع، يحمل كل منهما سيفاً أسودضخماً، وراحت أيديهما تومئ للحشود بالتقدم.
اقترب شاب وفتاة بملامح يكسوها الفرح والابتهاج، وفجأة، لمع النصل الشيطاني الأسود في الهواء.
بضربة سريعة، طار رأسان مستديران في الهواء قبل أن يسقطا على الأرض ويتدحرجا بهدوء وسط الدماء.
ولم يتوقفا إلا عندما ارتطما بكومة هائلة من الرؤوس البشرية المتراكمة هناك.
حدقتُ بذهول في تلك التلة الآدمية؛ كانت كل تلك الوجوه المقطوعة تحتفظ بابتسامة سعيدة وراضية تماماً.
وفيما وقفتُ مكاني وقد تجمدت الدماء في عروقي، كانت مقصلة الموت تستمر في حصد الأرواح بلا توقف.
الغريب أنه لم يكن ثمة صراخ واحد، ولا أنين ألم، ولا حتى توسل شفقة لطلب النجاة؛ لم يكن يقطع هتاف الجوقة الحالم سوى ضحكاتمتناثرة تنم عن نشوة عارمة.
بدأت الدماء السائلة بغزارة تتقدم نحو قدمي وتكاد تلامس طرف حذائي.
'سأحرص على إقامة طقس مهيب وعظيم تليق بك، يا سيدي.'
حسب كلمات دومينيك، فإن الطقوس التي ينوي إقامتها يجب أن تُنفذ على أتباع الطائفة...
وما إن وصل تفكيري إلى هذه النقطة، حتى برقت في ذهني نتيجة لا يصدقها عقل:
'لا يعقل... هل جميع سكان مورنفيل من أتباع هذه الطائفة؟'
لم يكن هناك أي تفسير آخر يبرر هذا المشهد الجنوني.
ومع ذلك، لم يكن يُفترض بـ إيديل أن تمتلك مثل هذه القوة الجبارة.
أنا أعلم هذا يقيناً لأنني خضتُ مسار زعيم الطائفة في اللعبة من قبل؛ فقوة الطائفة تتناسب طردياً مع رتبة الحاكم الخارجي الذي يتماستدعاؤه.
تبدأ الحكاية بعقد صفقات مع حكام من رتب دنيا، ثم التدرج صعوداً لإبرام عقود مع كيانات أقوى لتضخيم النفوذ.
ولو كانت إيديل —بصفتها الزعيمة الحالية— قد تعاقدت مع حاكم خارجي يمنحها هذه السطوة المرعبة، لاستحال أن يخفى الأمر عني.
'لأن كل من يبرم عقداً مع حاكم خارجي، يتشوه جسده البشري ويتحول.'
في مسار زعيمة الطائفة، تعقد إيديل اتفاقات مع عدة حكام خارجيين، فيختل جسدها ويتعرض لتغيرات مرعبةومتواصلة. ومع التقدم في أحداث اللعبة، تتحول تدريجيًا إلى كائن هجين يشبه الكيميرا.
( كيميرا: يعني انسان من اعلى وافعى من تحت او رأس اسد وجسد انسان وهكذا..)
حين كنت ألعب كآل أوڤو، وعدتُها بأنني سأعقد صفقة مع الكيان الأسمى لأحررها من عقودها المقيدة، وورثتُ عنها منصب زعيم الطائفة... لكن الاستدعاء فشل آنذاك بسبب خطأ برمجي في اللعبة.
فأين يا تُرى بدأ هذا التشابك اللعين؟
شعرتُ بلزوجة الدماء وهي تحيط بنعل حذائي، فخفضتُ بصري إلى الأسفل.
وفي تلك البركة القانية، انعكست صورة وجهي؛ وبدت ملامحي غبية ومذهولة إلى حد ما.
"......"
تلاشت الحيرة فجأة وتدفقت الأفكار المبعثرة في عقلي كسيول جارفة.
بدأتُ بربط قطع الأحجية واحدة تلو الأخرى، مسترجعاً كل أمر شاذ وغريب واجهته منذ لحظة دخولي عالم كال أوڤو وحتى هذه الثواني...
وحينها فقط أدركتُ الحقيقة.
لقد كان عالم كال أوڤو يخبرني بوضوح وجلاء منذ البداية عما يبحث عنه ويريده.
وما إن تجلت لي الحقيقة، حتى انطلقتُ راكضاً بكل ما أوتيت من قوة.
لكنه كان إدراكاً متأخراً جداً.
وما إن رآني الأتباع، حتى هتفوا باهتبال وسرور:
"سيد أوريـون يانغ!"
كانت ثيابهم البيضاء المصنوعة من قماش ناصع قد صُبغت بالكامل باللون الأحمر القاني.
وابتسم الأتباع بابتسامة مشرقة وهم يشهرون سيوفهم:
— "لقد بحثنا عنك بشغف كبير. إن زعيمتنا في انتظارك بفارغ الصبر."
وكما توقعت، لم يحاول أحد منهم اعتراضي.
دخلت مسرعاً إلى داخل مبنى الطائفة، وتسللتْ إلى أعماق نفسي ترانيم الثناء التي تدعي أن قوة الحاكم ستجعل الجميع جسداً واحداً.
تقطع نَفَسي وأنا أركض، لكنني لم أهدئ من سرعتي قط، بل اندفعتُ دفعة واحدة نحو القبو السفلي حيث تُقام الطقوس المقدسة.
كان القبو مضاءً بنور ساطع انبعث من مئات الشموع المشتعلة، وتجمدت قطرات الشمع الذائب على الأرض في تشكيلات فوضوية، بينماانعكست على الجدران ظلال عملاقة تتراقص مع تذبذب ألسنة اللهب.
وعلى مذبح من الرخام الأبيض الناصع، وقفت إيديل وهي ترتدي حُلة طقوسية بلغت ذروة البذخ والجمال، وكانت تشخص ببصرها بنشوةوذهول نحو السقف المصمت الذي لا تزوره شمس النهار أبداً.
"إيديل!"
التفتت إليّ إيديل، التي كانت تغطي عينيها بطرحة رقيقة خفيفة:
"سيد أوريـون يانغ!"
رغم أن رداء وجهها يحجب الضوء والرؤية، إلا أنها ميزت هويتي بمجرد سماع نبرة صوتي.
وارتسمت على شفتيها الملطختين بحمرة داكنة ابتسامة مشرقة:
"يا لفضلك! إنه لأمر رائع حقاً. لقد وصلت في الوقت المناسب تماماً ولم تتأخر. كنتُ على وشك البدء بالطقوس الآن."
سألتها وأنا ألهث لالتقاط أنفاسي:
"هل هي طقوس مكرسة لحاكم الفراغ؟"
كان سؤالاً مجرداً من المعنى، لأنني كنت أعرِف الإجابة التي ستلقيها عليّ مسبقاً.
بل إنها هي الأخرى كانت تدري أنني أدركت الحقيقة كاملة.
"نعم، يا سيد أوريـون يانغ!"
رفعت إيديل خنجراً مصنوعاً من حجر الأوبسيديان الأسود، وبدأت تتمايل بخفة ورشاقة كأنها تؤدي رقصة جنائزية، وهتفت بنبرة حماسية:
— "هاوية الأزل، وينبوع الفوضى، والفراغ المطلق! الرعب المدمر، وسيـدنا!"
ثم ثبّتت نظراتها نحوي، وصرخت بملء فيها:
"إنها الطقوس المقدسة المكرسة للسيد دومينيك!"
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
~ ترجمة بـوني🪻~
الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦