الفصل 58
ساد صمتٌ مخيفٌ حتى بدا وكأنّ المرء يستطيع سماع احتراق شعلات الشموع.
صمتٌ ثقيلٌ إلى درجة أنّ إدراك سببه احتاج بعض الوقت؛ فقد كان جميع من في ذلك الفضاء تحت الأرض قد حبسوا أنفاسهم في اللحظةنفسها.
ابتلعتُ ريقي الجاف.
وكان الدليل الحاسم الذي جعلني أوقن أنّني أنا من استدعاه هو خدم أسرة سامكل.
'دومينيك أيضًا مرتبط بمسارات لعبي في السابق، تمامًا كما كان أولئك الخدم في محاولاتي السابقة.'
( شرح: تتذكرو كيف هو دخل للعبة هو انهاها بالنهايه الحقيقيه اصلا وشلون الخدم يذكرونه؟ نفس الشي ودومينيك مرتبط بالماضيومسارات لعبه )
لكنني لم أتمكّن يومًا من إنهاء كال أوڤو.
الحاكم الذي استدعيتُه آنذاك تُرك داخل لعبةٍ لم تكتمل نهايتها، ثم علق داخل الدكتور دومينيك بعد أن فقد ذكرياته.
'وربما يكون استدعاء كائنٍ مثل دومينيك هو ما أدّى أصلًا إلى انهيار اللعبة.'
ومهما يكن، فقد كنت متأكدًا من أنّني حقّقت شروط النهاية الحقيقية.
فاللاعب، بصفته الزعيم الديني للطائفة، نجح في استدعاء حاكم الفراغ.
وكان ظهور الأخطاء في نافذة الخيارات، وعجزها عن إجبار أفعالي على السير في المسار المحدد، دليلًا واضحًا على ذلك.
لكن...
لم تظهر أمامي أي نافذة نظام تُعلن الوصول إلى النهاية.
كما أنّ دومينيك ما زال موجودًا كما هو.
ظلّ يحدّق إليّ بصمت.
كانت نظرةً نافذة، كأنّها تنبش جوهر وجودي ذاته.
ارتجف جسدي لا إراديًا.
سيطر عليّ خوفٌ بدائيّ خالص.
'سأموت.'
راودني يقينٌ غريزي بأنّ وجودي كله سيتحوّل إلى أشلاء أمام دومينيك.
وفي تلك الأثناء بدأت أفكار غريبة تتسلل إلى رأسي.
لكن الموت أمامه هو سعادةٌ لا نهائية!
سعيد... سعيد... سعيد... سعيد... سعيد... سعيد... سعيد... سعيد... سعيد... سعيد...
آه... المجد له!
لم تكن تلك أفكارًا اخترتُها بإرادتي.
وكلما طال تلاقي نظراتنا...
استمرّت تلك الأفكار...
الغريبة...
في التدفّق إلى عقلي.
"…..!"
ما إن انقطعت نظراتنا حتى انحنيتُ فورًا.
تقيّأت بعنف، لكن لم يخرج سوى اللعاب وعصارة المعدة.
وتناثرت على الأرض قطراتٌ حمراء عديدة.
مسحتُ ما تحت أنفي بظاهر يدي، ثم رفعت رأسي.
كان دومينيك واقفًا وذراعاه معقودتان، ينظر إليّ من علٍ.
بدت عيناه الزرقاوان البعيدتان، وكأنهما في مكانٍ لا يُطال، باردتين إلى حدّ القسوة.
قــال:
"إنها مزحة غير مضحكة."
كان يمنحني فرصة.
فرصةً للتراجع عن كلامي والاعتذار.
ثم تابع ببطء، كما لو كان يعلّم طفلًا صغيرًا:
"إنها مزحة، أليس كذلك؟"
لكنني لم أستطع التمسّك بتلك الرحمة التي مدّها لي.
فقلت له بصدق:
"أنا آسف يا سيد دومينيك."
كنت أشعر فعلًا بالذنب تجاهه.
لا أعلم كيف استدعيتُ وجودًا مثله إلى داخل اللعبة، لكنني لم أكن أنوي مساعدته على استعادة ذكرياته المفقودة، ولذلك ازداد شعوريبالأسف.
ومن المرجح أنّه لن يستعيد ذكرياته بسهولة في المستقبل أيضًا.
وقبل أن أكشف الحقيقة، كنت قد تأكدت من أمرٍ ما بعد سماع كلماته.
'أتظن أنّ بضع كلمات يتفوّه بها أولئك التافهون ستجعلني أستعيد وجودي؟'
أيقنت أنّه مهما قلتُ فلن يستعيد ذكرياته كاملة.
كان عليه أن يجد حقيقته بنفسه.
صحيح أنّ بعض الذكريات قد تعود إليه بسبب كلامي، لكن إن أردتُ إنهاء اللعبة بالنهاية الحقيقية والخروج منها، فلا بدّ من تحمّل قدرٍ منالمخاطرة.
وبعد أن أنهيتُ حساباتي الخاصة، أخبرته بالحقيقة.
ولهذا...
كنت مستعدًا لدفع الثمن.
"……"
وعندما لم أقدّم له الإجابة التي أرادها حتى النهاية، اختفت كل التعابير عن وجهه.
وفجأة ظهرت نافذة النظام أمامي.
[تم إنهاء علاقة الرفقة بواسطة الدكتور دومينيك!]
لم يعد يسألني شيئًا.
ولم يقل شيئًا.
بل عبّر عن مشاعره بالفعل مباشرة.
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"هاه...!"
في لحظةٍ واحدة متُّ ثم عدتُ إلى الحياة.
دار العالم أمام عينيّ.
وشعرتُ بغثيانٍ عنيف جعلني أرغب في التقيؤ فورًا.
لم يكن في معدتي شيء أصلًا، ومع ذلك ظلّ الإحساس المقزز يهاجمني بلا رحمة.
لكن لم يكن لديّ حتى الوقت لالتقاط أنفاسي.
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"ها... آننغغغغ..."
تسرّبت أنّة من فمي دون إرادة.
كانت تلك المرة الأولى التي أختبر فيها الموت والبعث بشكل متواصل.
وكان الأمر مؤلمًا أكثر مما تخيّلت.
ربما لم يكن مجرد إجراءٍ نظاميّ بسيط كما كنت أظن.
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"….."
إحساسٌ لم أعرفه في حياتي من قبل كان يسحق جسدي كله.
وشعرتُ أنّ تكرار هذا الأمر أكثر من ذلك لن يكون مقبولًا.
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"……"
حتى التفكير أصبح صعبًا.
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"……"
هذا مؤلم...
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"……."
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"……"
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"……"
[لقد متّ.]
[ستُبعث من جديد أمام الدكتور دومينيك.]
"كفـى!"
دوّى صراخٌ أشبه بالاستغاثة.
وكان يائسًا إلى حدّ أنّه اخترق أذنيّ المخدرتين بوضوح.
توقّف دومينيك أخيرًا عن تكرار فعلته اللامبالية.
وأدار نظره نحو مصدر الصوت.
أما أنا فبقيتُ ممددًا على الأرض عاجزًا عن الحركة.
'هل... ما زلت حيًا...؟'
ارتعش جسدي من شدّة الارتياح.
فالآثار التي خلّفها الموت والبعث المتكرران خلال تلك الفترة القصيرة كانت مروعة.
لم يكن الأمر ألمًا بالمعنى المعتاد.
فجسدي من الخارج بدا سليمًا تمامًا.
لكنني شعرت بأنّ شيئًا عميقًا في داخلي قد تضرّر.
وربما كان تشبيهًا مبالغًا فيه، لكن أقرب وصف لذلك الإحساس هو أنّ روحي نفسها قد تمزّقت.
كان عذابًا لا أريد اختباره مرةً أخرى ما حييت.
بل لو سألني دومينيك الآن مجددًا إن كان كل ما قلته مزحة، فقد أجيب بنعم.
رفعتُ بصري بصعوبة.
'كان ذلك صوت إيديل بالتأكيد...'
وكان واضحًا أنّ مزاج دومينيك في أسوأ حالاته.
ولم يكن من الحكمة التورط في الأمر. ترجمه
ظلّ بصري ضبابيًا، ولم أستطع الرؤية جيدًا إلا بعد أن رمشت عدة مرات.
وعندها فقط رأيت إيديل.
كانت متشبثة بجسد دومينيك من الأسفل.
وقد غرسته بخنجرٍ من السبج الأسود، لكن لم تسل منه قطرة دم واحدة.
بل بدا الخنجر وكأنّه ذاب داخله وامتصّه جسده.
فتحت إيديل عينيها على وسعهما وهي تلهث.
وبدت وكأنها عاجزة عن السيطرة على نفسها من شدّة الخوف مما فعلته.
ومع ذلك لم تصمت.
ورغم العرق البارد الذي كان يتصبب منها تحت نظراته الزرقاء، أجبرت نفسها على الكلام.
"أرجوك سامحنا، أيها السيد."
كانت شبه فاقدة للوعي وهي تتوسل من أجل حياتي.
0إن منحت الزعيم... مـ... مرة واحدة فقط من رحمتك..."
كان موقفًا غير متوقع.
أليست إيديل تابعًا يخدم دومينيك؟
ومهما كنتُ أنا الزعيم، فلم يكن هناك سبب يدفعها للدفاع عن شخصٍ أغضب حاكمها.
حتى علاقة الرفقة السطحية التي صنعها النظام لم تكن مبررًا كافيًا لذلك.
ومع ذلك هاجمت دومينيك من أجلي.
خفضت إيديل رأسها.
كانت قد استجمعت شجاعتها للحظة، لكنها لم تعد قادرة على النظر إليه من شدّة الرعب.
وكانت ترتجف حتى أخذت أسنانها تصطك ببعضها.
ثم التفتت فجأة إليَّ.
والتقت أعيننا.
أردتُ أن أشكرها.
لكن صوتي لم يخرج.
فاكتفيتُ بأن رمشت لها عدة مرات.
وفجأة تشوّه وجهها بالكامل.
احمرّت حواف عينيها حتى صارت بلون حدقتيهما تقريبًا، ثم انهمرت الدموع بلا توقف.
كانت تنظر إليّ بمزيجٍ فوضوي من اللوم والقلق والخوف.
وكأنّها ترى أنّني سأنهار أو أختفي في أي لحظة.
ولم أعرف كيف أتصرف أمام بكائها الصامت، فاكتفيتُ بالرمش في حيرة.
'أليس هذا جيدًا نوعًا ما؟'
منذ أن أخبرتُ دومينيك أنّ لديّ كلامًا أخيرًا أقوله له، كنت مستعدًا لحدوث أمرٍ سيئ.
بل كنتُ قد هيّأت نفسي لسيناريوهات أكثر وحشية.
ولهذا بدا لي ما حدث الآن معتدلًا نسبيًا.
كما أنّ قلبي الاحتياطي لم يُستهلك بعد، وما زالت لديّ حياة إضافية واحدة.
لكنني لم أستطع شرح ذلك لها أو طمأنتها.
لذا لم يكن أمامي سوى مراقبتها وهي تبكي.
وبينما كانت تكافح لكبت دموعها، تحرّكت شفتاها.
"غونبام..."
حدّقتُ فيها بشرود.
لكن بدا وكأنها نفسها لا تدرك ما الذي نطقت به للتو.
واصلت فقط النظر إليّ والبكاء.
وفي تلك اللحظة، ناداني صوتٌ هادئ يحمل ثقلًا غريبًا.
"سيد غونبام."
شعرتُ وكأنّ دلوًا من الماء المثلج انسكب فوق رأسي.
استعدتُ وعيي فجأة.
بصقتُ الدم المتجمع في فمي على الأرض.
ثم حاولت النهوض...
لكن لم يبقَ في ذراعيّ أو ساقيّ أي قدرٍ من القوة.
تساءلتُ للحظة إن كان هذا هو الشعور نفسه الذي يختبره المرء عندما يفشل في مهمةٍ ملحمية ويُعاقَب ببتر أطرافه.
ولعلّ دومينيك رأى في محاولاتي البائسة للزحف فوق الأرض المتسخة شيئًا يدعو للشفقة، إذ أمسك بمؤخرة عنقي ورفعني بيدٍ واحدة.
ثم وضعني فوق المذبح.
وكاد جسدي ينهار إلى الأمام فورًا، لكنّه أسندني بخفة قبل أن أسقط.
"هل أنت بخير؟"
كان سؤالًا يثير الضحك من شدّة سخافته في هذا الموقف، لكنني لم أملك حتى القوة الكافية لتحريك زاوية فمي.
ظللتُ مترهلًا في مكاني، أجمع ما تبقى من طاقتي بصعوبة، ثم تمكنت أخيرًا من تحريك لساني.
"سيد دومينيك..."
بدا صوتي غريبًا، وكأنّه صوت شخصٍ آخر.
"هل... هدأ غضبك... قليلًا...؟"
توقفتُ في منتصف الجملة وعضضتُ على أسناني بقوة.
كان الألم عنيفًا إلى درجة شعرت معها بأنّ شعري انتصب من شدته.
نظر إليّ دومينيك وأنا أتلوّى من العذاب، ثم أجاب بهدوء:
"على الأقل هدأت أعصابي بما يكفي لأستعيد رباطة جأشي."
"……."
"والآن يا سيد غونبام، ماذا تنوي أن تفعل؟"
"……."
"لم أعد أرى أي جدوى من محاسبتك على ما فعلته. فالأمر قد وقع وانتهى بالفعل. ما أريده الآن هو استعادة نفسي."
"……."
"هل ستعيد إليّ ذكرياتي؟"
"……"
"إن لم تستطع فعل ذلك، فلم يكن عليك أن تخبرني بالحقيقة من الأساس. فأنا قادر على جعل حياتك، وحياة كل من يعني لك أمرًا، جحيمًا لايُطاق."
"……"
"بل يمكنني ببساطة أن أتركك هنا إلى الأبد. على الأقل لن أشعر بالملل."
"أنا..."
جمعتُ ما تبقى لديّ من قوة.
ثم نطقتُ بالشرط الأخير للنهاية الحقيقية.
"أبرم معي عقدًا، يا سيد دومينيك."
"……"
لأول مرة منذ بدء هذا الحديث الطويل، ساد الصمت.
دومينيك، الذي كان يتحدث بهدوء واسترخاء طوال الوقت، لاذ بالصمت فجأة.
شعرتُ بنظرته تستقر عليّ.
كانت حادة إلى درجة بدت معها وكأنّها شيءٌ ماديّ يلامس الجلد ويترك فيه ألمًا حقيقيًا.
رفعتُ رأسي إلى الخلف، ووجهي المبتل بالعرق والدموع.
ونظرتُ مباشرة إلى عينيه.
"ولنغادر هذا المكان معًا."
مرّت لحظات قبل أن يردّ.
ثم سأل بصوتٍ خافت:
"...ألم تكن تنوي أن تُبقيني سجينًا هنا؟"
إذًا... كان يعلم.
لكن منذ متى أدرك ذلك؟
شعرتُ وكأنّ جميع نواياي قد انكشفت أمامه بالكامل.
فضحكتُ دون إرادة.
وما إن ضحكت حتى اجتاحني الألم، فأطلقتُ تأوهًا مكتومًا.
ومع ذلك تابعت:
"في البداية... نعم، كان هذا ما أريده."
"لكن الآن..."
توقفتُ قليلًا ثم أكملت:
"أريد أن أخرج معك يا سيد دومينيك."
في البداية، كنت مصممًا بكل ما أوتيت من جهد على إبقاء دومينيك محبوسًا داخل نداء الفراغ.
لكن منذ اللحظة التي أدركتُ فيها أنّني أنا من استدعاه إلى هذا العالم، بدأت أفكاري تتغير.
'إنه وجودٌ استدعيتُه أنا بنفسي.'
كان الأمر حادثًا لم أقصده، لكنني شعرت بأنّ عليّ تحمّل مسؤوليته.
فبقوة دومينيك الهائلة، سواء طال الوقت أم قصر، سيجد طريقه في النهاية إلى خارج نداء الفراغ.
إنه أمرٌ لا مفرّ من حدوثه يومًا ما.
ولهذا رأيتُ أنّ الأفضل هو أن أبقيه إلى جواري منذ الآن، وأراقبه عن قرب، وأفكر في طريقة للتعامل مع ما قد يحدث مستقبلًا.
وهكذا، لذلك الكائن الذي قد يصبح أعظم كارثة عرفها الوجود...
قدّمتُ أفضل وعدٍ أستطيع تقديمه.
"بصفتي رفيقك... سأبقى إلى جانبك حتى تستعيد جميع ذكرياتك يا سيد دومينيك."
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
~ ترجمة بـوني🪻~
الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦