انقشع غبار الزنزانة أخيرًا، خرج **مين-هو** و**سونغ جين-وو** جنبًا إلى جنب. استقبلهما ضوء الشمس الشاحب، لكنه لم يكن أشد سطوعًا من الأضواء الكاشفة لسيارات جمعية الصيادين.
هناك، وسط الحشود، وقف رجلٌ ينضح بالهيبة؛ ببدلته الرسمية السوداء وشعره البني المصفف بعناية، كان **المفتش وو جين-تشول** (الرتبة A) ينتظر.
ساد صمتٌ مفاجئ. وقعت عينا وو جين-تشول على **سونغ جين-وو**، واعتلت ملامحه صدمة طفيفة كاد يخفيها خلف اعينه
لقد رآه سابقًا في المستشفى، لكن الشخص الذي يقف أمامه الآن كان مختلفًا تمامًا؛ طوله، بنيته الجسدية، وهالته التي لم تعد تشبه "أضعف صياد في البشرية".
ثم تحولت نظراته نحو **مين-هو**. شعر وو جين-تشول بقشعريرة باردة؛ هالة هذا الفتى كانت غير عادية، مانا هادئة لكنها عميقة كالمحيط، تجبر أي صياد على الحذر.
تقدم وو جين-تشول بخطوات رزينة وحياهم ببطء: "أنا وو جين-تشول من قسم الرقابة والتفتيش بالجمعية. لدي بعض الأسئلة الضرورية.. من منكم قام بقتل المفتش تاي-شيك؟"
حاول **السيد سانغ** (ذو الذراع الواحدة) التقدم مدعيًا المسؤولية لحماية البقية، لكن صوته انقطع عندما تكلم **مين-هو** ببرودٍ جليدي شطر الصمت:
"سيد وو جين-تشول.. لقد كنا داخل زنزانة. أمور القتل تحدث هناك في كل ثانية. أم أنها المرة الأولى التي تشاهد فيها شيئًا كهذا؟"
اتجهت أنظار الجميع نحو مين-هو. كان وجهه يعكس برودًا مطلقًا لا يتناسب مع سنه، وكأنه يتحدث عن طقس اليوم وليس عن جثة مفتش من رتبة B نظر جين-وو نحو مين-هو، ثم هز رأسه مؤيدًا وهو يضع يده في جيبه:
"إنه على حق. الموت داخل الزنزانة ليس أمرًا كبيرًا، ودائما ما يتكرر."
نضر وو جين-تشول نحوهم، ملامحه لم تظهر التصديق، لكنه ظل صامتًا يستمع. أكمل جين-وو بلهجة قاطعة:
"السجناء الذين أحضرتموهم غدروا به وطعنوه من الخلف فمات. لم نكن نعلم الكثير لأننا كنا متفرقين في الممرات."
تنهد وو جين-تشول بعمق، وهز رأسه وهو ينظر إلى الأرض للحظة. أدرك بخبرته أن هؤلاء الشباب يخفون شيئًا عظيمًا، لكن لا دليل لديه. "حسناً.. آسف على إزعاجكم. سنكتفي بهذا القدر حاليًا."
استدار المفتش وغادر مع فريقه، تاركًا السيد سانغ والمعالجة جو-هي في حالة من الصدمة من جرأة مين-هو وجين-وو في الرد.والكذب على جمعية الصيادين هاكذه
التفت مين-هو ببرود، ولم يعطِ الأمر أكبر من حجمه، ثم بدأ بالمغادرة بخطوات واثقة.
وقف **سونغ جين-وو** في مكانه، مثبتاً نظراته على ظهر **مين-هو** وهو يبتعد ببرودٍ قاتل وسط حشود المصورين ورجال الجمعية. كانت أنفاس جين-وو هادئة، لكن عقله كان في عالم آخر
فكر جين-وو في نفسه: 'هذا الشخص.. هالته ليست مجرد قوة عادية، بل هي شيءٌ أعمق وأكثر ظلمة. وتلك الأعين.. تملك قوة غريبة أيضا '
'في كل مرة يقف فيها بجانبي، يستعد جسدي تلقائيًا للقتال وتصرخ غرائزي محذرة .'
شدّ جين-وو على قبضة يده وهو يرى "لوحة النظام" الخاصة به تومض ببهاتة أمام عينيه، وأكمل حديثه الداخلي بشكٍّ عميق: 'جسدي يتفاعل معه وايضا أضن أنه يملك 'نظاماً' خاصاً به بنفس القوة والمقدار التي املكها'
لم يلتفت **مين-هو** ولو لمرة واحدة؛ غادر مسرح الأحداث بخطواتٍ واثقة وثابتة، تاركاً خلفه **سونغ جين-وو** الذي لا تزال نظراته تلاحقه بشكٍّ
وبقية الصيادين الذين غرقوا في تساؤلاتهم. تلاشى جسده بين زحام المدينة وصخبها، وكأنه لم يكن جزءاً من المذبحة التي حدثت قبل قليل.
بعد بضع دقائق، انغلق باب شقته المتواضعة خلفه بصوتٍ خافت. ساد صمتٌ ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنفاسه المنظمة. "حسناً.." همس لنفسه وقال ' كان اليوم ممتعا حقا رؤية قوى سونغ جين في الواقع أمر مختلف حقا '
توجه نحو الحمام، وترك المياه الباردة تنساب فوق جسده لتغسل دماء الزنزانة وغبار المعارك. خرج وجلس في وسط الغرفة عاري الصدر،
كاشفاً عن جسدٍ رياضي صلب بدأت تظهر عليه ملامح القوة غير البشرية. أغمض عينيه ببطء، وأخذ نفساً عميقاً ليحبس الهواء في صدره.
"حان وقت العذاب،" نطق الكلمة وكأنها حكمٌ أصدره على نفسه.
بتركيزٍ حديدي، بدأ **مين-هو** بضخ **مانا الظلام** بشكل قوي في أعماق عروقه. لم يكن ضخاً عادياً، بل كان هجوماً داخلياً يستهدف كل ذرة في جسده لإجبارها اما على التمزق أو التمدد
بدأ يشعر بالمانا السوداء وهي تندفع كالحمم البركانية، تقوم بتمزيق وتوسيع "خطوط ضخ المانا" الضيقة داخل أنسجته وجهازه العصبي.
ارتجف جسده بعنف، وبدأت قطرات العرق البارد تتصبب من جبينه. الألم كان لا يُطاق؛ كان يشعر وكأن آلاف الإبر المشتعلة تخترق خلاياه من الداخل
تعيد تشكيل بنيته التحتية لتستوعب فيض القوة القادم. صرّ على أسنانه بقوة حتى كادت تتكسر، ورفض أن يخرج منه أي أنين، فالتطور الحقيقي لا يأتي إلا من رحم الألم المطلق.
لم تكن مجرد دقائق، بل استمر الجحيم لساعاتٍ طوال. كان جسد **مين-هو** ينتفض فوق الأرضية الخشبية في نوبات ارتجافٍ لا تتوقف، بينما كان العرق يتصبب منه بغزارة كأنه شلالٌ من الأدرينالين والألم.
كل ثانية كانت تمر كأنها دهر، حيث كانت مانا الظلام تعيد نحت قنواته الداخلية بقسوة، تمزق القديم لتبني مساراتٍ تليق بطاقة الظلام خاصته
وعندما بلغت المعاناة ذروتها، سكن كل شيء فجأة. توقف الارتجاف، وانقطعت أنفاسه لثوانٍ قبل أن يطلق زفيراً طويلاً وهو يسقط في غيبوبةٍ قسرية.
لكن قبل أن يغلق عينيه تماماً، ارتسمت على وجهه **ابتسامة جنونٍ** باهتة؛ ابتسامة من عبر الجانب الآخر من الألم وخرج حياً.
استيقظ مين-هو في اليوم التالي مع أول خيوط الشمس التي تسللت إلى شقته. شعر بفرقٍ هائل؛ لم يعد جسده يشعر بالثقل المعتاد. أغلق قبضة يده ببطء،
فشعر بمانا الظلام تتدفق بين أصابعه بسلاسة مرعبة، أسرع وأكبر من ذي قبل، دون أي عائق أو تباطؤ.
"جيد.." همس بصوتٍ أجش وهو يتأمل كفيه: "الآن يمكنني ضخ الظلام بحريةٍ مطلقة.. لن أحتاج لدخول ذلك الجحيم مرة أخرى."
بعد حمامٍ منعش تخلص جسده من آثار الليلة الماضية، وفطورٍ هادئ ليستعيد طاقته، ارتدى ملابس رياضية خفيفة وخرج ليقوم بتمارين الصباح
بينما كان يركض بهدوء في أطراف ساحة سيول الواسعة، لمح قامةً مألوفة؛ كان **سونغ جين-وو** هناك، يمارس تمارينه اليومية بجديةٍ قاطعة.
تلاقت نظراتهما لبرهة؛ لم يكن هناك ترحيب او كلام، بل برودٌ متبادل يعكس كبرياء كل منهما.
انطلقا معاً، جنباً إلى جنب في البداية. لكن، وسرعان ما تحول الركض الروتيني إلى **تحدٍ صامت**.
في كل مرة يتقدم فيها مين-هو خطوة، كان جين-وو يزيد من سرعته ليتجاوزه بكتفه، جاعلاً مين-هو خلفه. لم يقبل مين-هو بذلك؛ ورفع سرعت ركضه
مستعيداً الصدارة. تحول الأمر إلى سباقٍ مستعر؛ جين-وو يرفض الخسارة وجسده يدفعه للأمام، ومين-هو يرفض التراجع وكبرياؤه يرفض ان يكون هو الذي يقف وراء اي شخص
استمر الركض.. ساعة.. ساعتين.. ثلاث ساعات.
بدأت قطرات العرق ترتسم على جبهتيهما، والأنفاس أصبحت ثقيلة كوقع المطارق، لكن أحداً منهما لم يفكر في الإبطاء. كانا يركضان بأقصى سرعة بشرية (وما وراءها)،
يشقان الهواء كالسهمين، تاركين المارة خلفهما مجرد أشباحٍ باهتة. لم تكن مجرد رياضة، بل كانت معركة إرادات بين شخصين يدرك كل منهما أن الآخر هو "المنافس الوحيد" الذي يستحق هذا العناء.
ساد الصمت، إلا من وقع أقدامهما السريع على الرصيف، وكأن قلوبهما تنبض بإيقاعٍ واحد: *"لن أكون أنا الخاسر اليوم."*
استمرت هذه "الماراثونية الانتحارية" لعدة ساعات أخرى، حتى تحولت شوارع سيول إلى ضبابٍ خلفهما. وفي لحظةٍ ما، توقفا فجأة كأن محركاتهما قد انفجرت في وقت واحد.
انحنى **مين-هو** واضعاً يديه على ركبتيه، وصدره يعلو ويهبط كأنه يحاول ابتلاع هواء المدينة كله، بينما كان العرق يقطر من أنفه كالحنفية المعطلة.
رفع **سونغ جين-وو** رأسه بصعوبة، ورغم أنه كان يرتجف من التعب، إلا أنه استجمع ما تبقى من ذرات كبريائه، ورسم نظرة "تكبر" مستفزة للغاية وهو يمسح العرق بظاهر يده، وقال بنبرة متقطعة لكنها واثقة:
"لقد... فزت... أنا.. ."
نظر إليه مين-هو وهو يلهث بصعوبة، وعيناه تكادان تخرجان من مكانهما من شدة الإرهاق: "تباً لك... اللعنة... أنت... سريع جداً... ؟"
لم يفوت جين-وو الفرصة، بل نظر إلى مين-هو من الأعلى إلى الأسفل، تماماً كما ينظر بطل خارق إلى شرير سقط في أول فخ، بابتسامة نصرٍ باردة جعلت عروق جبهة مين-هو تبرز.
اشتعل مين-هو غضباً وصرخ بوجهه وهو يحاول استعادة توازنه: "أيها اللعين! هذا ليس عدلاً! أنا لست من مختصي السرعة! مهاراتي في القتال المباشر !"
هز جين-وو كتفيه بكل برود واستفزاز، وقال جملته القاضية:
"اعذار الخاسرين."
في تلك اللحظة، تحول غضب مين-هو إلى بركان ونظر إلى جين-وو بنظرة مرعبة وكأنه يريد تمزيقه إرباً أو ربما دفنه حياً في هذه الساحة.
"أعذار خاسرين؟! تعال هنا أيها اللعين المتحرك! سأريك كيف تكون الأعذار!" صرخ مين-هو وهو يحاول الاندقاع نحو جين-وو، لكنه تعثر بقدمه بسبب التعب، ليمسك بجين-وو ويسحبة معه ليسقطا على الأرض وهم يلهثون بتعب بجانب بعضهما البعض
بعد دقائق من الاستراحة وقف جين-وو وهو يحاول الحفاظ على وقاره المستفز ويبتعد ببطء قائلاً: "الخاسر يشتري الغداء.. تذكر ذلك."
تجمد **مين-هو** في مكانه للحظة، وعيناه تتسعان بذهول مختلط بالغضب وهو يسمع عرض "الغداء" المفاجئ.
صرخ بصوتٍ مبحوح أثر الركض المتواصل: "أيها المخادع! نحن لم نتفق على ذلك أبداً "
لكن **سونغ جين-وو** لم يكلف نفسه عناء الالتفات. وبدلاً من الرد، رفع يده بحركة وداعٍ باردة ومستفزة، متابعاً سيره بظهره وكأنه عارض أزياء خرج للتو
كانت ابتسامة النصر الماكرة مرسومة على وجهه، تاركاً خلفه هالة من البرود التي جعلت مين-هو يشعر برغبة عارمة في رمي حذائه الرياضي نحوه.
وقف مين-هو وحيداً في وسط الساحة، يغلي من الداخل وهو يمسح العرق عن جبهته، وتمتم بغيظ: "تسك.. تباً له ولنظامه اللعين "