سكنت الريحُ فجأة فوق ذلك الجسر الجليدي المعلق، وكأن العالم قد حبس أنفاسه لمشاهدة الصدام القادم. كان الجسر، الذي يربط بين غابة الثليج وبوابة القلعة السوداء،
يمتد لمئات الأمتار فوق هاوية سحيقة يغمرها ضبابٌ أزرق لا يرى قاعه، ضبابٌ لم يكن مجرد بخار ماء، بل كان مانا متجمدة تلتهم أي جسد يجرؤ على السقوط في أحضانها.
وفي منتصف هذا الطريق الضيق، حيث لا مجال للمناورة أو التراجع، وقف **[حارس البوابة الملكي]**.
لم يكن الحارس مجرد وحش ضخم، بل كان تجسيداً فيزيائياً لصلابة القلعة وجبروت مَلِكِها. وقف بارتفاعٍ يتجاوز الخمسة أمتار، جسده مغلفٌ بدرعٍ من الجليد الأسود القاتم، وهو نوعٌ من الكريستال الأسطوري الذي نبت من مانا المتجمدة.
كان الدرع ينضح بمانا زرقاء داكنة، تنسال منه هالاتٌ باردة كانت تجمد الهواء المحيط به قبل أن يصل إلى رئتي الخصم، مما يجعل كل شهيق يقوم به **مين-هو** أو **جين-وو** أشبه باستنشاق شفراتٍ من الزجاج تمزق صدورهما من الداخل.
خلف خوذته العظيمة التي لا تحمل أي ثغرة، لم تكن هناك أعينٌ وحش عادية، بل وهجٌ قرمزي خامد يشبه الجمر تحت الرماد، وهجٌ لا ينظر إليك كخصم، بل كمادةٍ خام سيتم سحقها وتذويبها قريباً. أما الفأس العملاق الذي كان يقبض عليه بيديه المدرعتين،
فقد كان قطعةً فنية من الرعب؛ نصله العريض كان يعكس ضياء البرق البعيد رغم انعدام الشمس، وكلما تحرك الحارس إنشاً واحداً، كانت الأرضية الجليدية للجسر تئن وتتشقق تحت ثقل هيبته قبل ثقل جسده.
لم يكن الحارس يصدر صوتاً، لكن "الصمت" الذي يحيط به كان أعلى من أي زئير. كانت الهالة المنبعثة منه تضغط على الأكتاف بقوة جاذبية مضاعفة،
تجبر الروح على الانحناء قبل الجسد. كان يقف هناك كجدارٍ منيع، صخرة عاتية تفصل بين طموح الصيادين وهلاكهم المحتوم.
على الجانب الآخر من الجسر، وقف **سونغ جين-وو** و**مين-هو**. كانت المسافة بينهما كافية ليشعر كل منهما بارتجاف المانا في الهواء.
جين-وو، الذي واجه أهوالاً في الزنزانات المزدوجة، شعر بانقباضٍ حاد في عضلات يده؛ هذه ليست مجرد زنزانة من الفئة A، هذا الكيان هو وحش دفاعي متكامل في صورته الأكثر قسوة.
ركز **مين-هو** الشارينغان على الوحش لكن ما رآه جعله يشد قبضته على خنجره بقوة كادت تحطم المقبض.
"جين-وو، لا تتقدم خطوة واحدة دون غطاء،" همس مين-هو، وصوته كان يرتعش بشكل غير محسوس من فرط ضغط المانا الذي يواجهه. "الشارينغان لا ترى فيه نقاط ضعف.. بل ترى 'ثقباً أسود'.
" هذا الحارس يمتص مانا المكان بالكامل ويخزنها في درعه. الفأس الذي يحمله ليس مجرد سلاح، إنه مفتاحٌ لتفجير المانا المحيطة بنا."
أمال جين-وو رأسه، وبريق عينيه الأزرق يشتعل بحدة كاد يغطي على الضباب المحيط. "إذن، هو لا يدافع عن البوابة فحسب، هو 'البوابة' نفسها. إذا لم نسحقه هنا، فلن نصل إلى الملك أبداً.":
ردَّ **مين-هو** وهو يستل **[خنجر غسق الظل]** ببطءٍ وثبات، وكان النصل الأسود يمتص الضوء الشاحب من حوله كأنه ثقبٌ كوني يرفض الانعكاس.
ثبتت عيناه الحمراء (الشارينغان) على هالة الحارس المرعبة، وهمس بنبرةٍ خافتة تملؤها الجدية والتحذير:
"جين-وو، دعنا نبذل كل ما نملك من جهدٍ هنا.. هذا الوحش ليس مجرد عائقٍ عابر إذا تهاونا لثانيةٍ واحدة، فقد تكون هذه الأرض الجليدية آخر ما تلمسه اقدامنا."
لم تكن كلمات مين-هو نابعة من الخوف، بل من تقديرٍ دقيق للقوة التي يواجهونها؛ قوةٍ جعلت الهواء يثقل في صدورهم. قبض جين-وو على خنجره بقوة أكبر،
وشعر بصدق كلمات رفيقه؛ فالهيبة المنبعثة من الحارس كانت تخبرهما بوضوح: *هنا تنتهي رحلة الضعفاء.*
انطلق مين-هو كالسهم. لم يكن يركض، بل كان يختفي ويظهر باستخدام **[إزاحة الظل]**، مخلفاً وراءه أوهاماً سوداء تتبخر بمجرد أن يحاول الحارس ضربها بفأسه.
كان الرتم بطيئاً في نظر مين-هو بفضل الشارينغان؛ رأى الفأس يرتفع ببطء، رأى تدفق المانا يتركز في شفرة الفأس قبل أن يهبط.
***بـوووم!***
هبط الفأس على الجسر، وأحدث موجة صدمة جليدية كادت تطيح بـ مين-هو بعيداً. قفز مين-هو في الهواء، ودار حول نفسه ليغرس خنجره في كتف الحارس.
*تششششش!*
صدر صوت فحيح مروع. مانا العدم السوداء بدأت تتآكل في الجليد الأزرق، لكن كما توقع مين-هو، انساب الجليد من بقية الدرع ليغلق الجرح في رمشة عين.
زأر الحارس، وأطلق انفجاراً من المسامير الجليدية من جسده في كل اتجاه.
"تباً!" صرخ مين-هو وهو يغير مكانه في الهواء مرتين متتاليتين، لكن مسماراً جليدياً خدش معطفه الأسود، تاركاً أثراً من الصقيع كاد يجمد ذراعه.
لم ينتظر جين-وو أكثر. اندفع بقوته البدنية الخام، محطماً بلاط الجسر تحت قدميه مع كل خطوة. قفز عالياً، واستل "نصل كاساكا"، موجهاً ضربة عمودية بكل قوته نحو رأس الحارس.
اصطدم النصل بالخوذة الجليدية بصوتٍ صمّ الآذان. لم ينكسر الدرع، لكن قوة الضربة جعلت الحارس يجثو على ركبة واحدة، وتسببت في تصدع الجسر تحت قدميه.
"إنه ثقيل بشكل مرعب،" فكر جين-وو وهو يشعر بارتداد الضربة في عظام ذراعيه.
حاول الحارس الإمساك بـ جين-وو بيده الحرة، لكن جين-وو فعل مهارة [الاندفاع] وتراجع للخلف بسرعة فائقة. في تلك اللحظة، استدعى جين-وو **إيغريس**.
خرج الفارس الأسود من الظل بوقارٍ مميت، سيفه الطويل يلمع ببريق أرجواني. انطلق إيغريس ليبدأ سلسلة من الطعنات المتتالية السريعة، مستهدفاً مفاصل درع الحارس ليشغله عن مين-هو وجين-وو.
بينما كان إيغريس يشتبك مع الحارس، وقف مين-هو وجين-وو على بعد أمتار لمراقبة الوضع.
"انظر يا جين-وو،" قال مين-هو وهو يشير بعينه نحو صدر الحارس. "كلما ضربه إيغريس، يزداد توهج الدرع. إنه لا يرمم نفسه فقط، بل يمتص قوة الضربات ويحولها لدرع أقوى. نحن نغذيه بضرباتنا!"
لم يكد ينهي جملته حتى قام الحارس بحركة غير متوقعة. غرس فأسه في الأرض وصرخ صرخة لم تكن صوتاً، بل كانت موجة " مانا".
فجأة، تلاشت ظلال إيغريس والجنود الآخرين الذين استدعاهم جين-وو. شعر جين-وو بضعف مفاجئ في تدفق طاقته، وكذلك مين-هو الذي شعر أن الظلام الخاص به بدأت تخبو.
"لقد عزل المانا في المنطقة!" صاح جين-وو وهو ينظر حوله
تحرك الحارس بسرعة تفوق حجمه بكثير. في لحظة، كان أمام جين-وو، ورفع فأسه ليقضي عليه. جين-وو رفع خنجره ليصد الضربة، لكن الفارق في الوزن والقوة كان شاسعاً.
*كرااااك!*
تصدع الجسر تحت قدمي جين-وو بالكامل، وبدأ ينهار نحو الهاوية. قفز مين-هو في اللحظة الأخيرة، ممسكاً بياقة معطف جين-وو، وانتقل بهما باستخدام "إزاحة الظل" (التي استهلكت منه جهداً مضاعفاً بسبب عزل المانا) إلى منطقة أكثر استقراراً على الجسر.
وقف الاثنان وهما يلهثان. الغبار الجليدي يملأ المكان، والحارس يقف وسط الركام، يلمع درعه الآن بضوء أحمر مخيف؛ لقد استوعب المانا من حوله
نظرا لبعضهما البعض. كانت الدماء تسيل من جبهة جين-وو، بينما كانت يد مين-هو ترتجف من فرط استهلاك المانا المكانية في محيط معزول.
"إذا استمرينا هكذا، سنكون مجرد وقود لهذا الوحش،" قال مين-هو بنبرة خالية من الأمل الزائف. "لقد أخطأنا في تقدير هذا المكان. البوابة الحمراء ليست مجرد زنزانة، إنها كائن حي يحاول هضمنا."
أمسك جين-وو بخنجره بقوة أكبر، وعيناه الزرقاء تشتعلان غضباً وتحدياً وهو يفكر ' النظام لا يعطيني مهاماً مستحيلة. هناك ثغرة.. هناك دائماً ثغرة.'
في الجهة المقابلة، بدأ الحارس بالسير نحوهم ببطء وثبات، كل خطوة منه كانت ترسل اهتزازات مرعبة في قلوبهم. لم ت
عد المسألة مسألة "من يقتل من"، بل أصبحت "كيف يمكننا البقاء على قيد الحياة لدقيقة أخرى؟"