لم يكن الموت بارداً كما تخيلتُ دائماً. لم يكن هناك نفق من الضوء، ولا ملائكة تستقبل الأرواح الضائعة. كل ما شعرتُ به هو سكون مطلق، فراغ يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة، أو ربما الصمت الذي يعقب انكسار كل شيء.

فتحتُ عينيّ ببطء، وكأن أجفاني ثقيلة بحمل سنين من التعب. لم أكن في غرفتي الموحشة، ولم أكن في المستشفى الذي لفظتُ فيه أنفاسي الأخيرة وحيداً بينما كان العالم يواصل دورانه دون أن يلتفت إليّ.

نظرتُ حولي. المكان كان غريباً، هواءً ثقيلاً برائحة الورق القديم والبخور. الجدران لم تكن موجودة، بل كانت عبارة عن رفوف لا متناهية من الكتب التي تمتد إلى الأعلى حتى تضيع في الظلام. وفي المنتصف، كان هناك مكتب خشبي ضخم، تشتعل فوقه شمعة واحدة بلهب أزرق هادئ.

كان جسد **كانج مين-هو** المنهك يقف وسط هذا الفراغ، بينما كان هناك شخص يجلس خلف المكتب بوقار غريب. لم يكن من السهل تمييز ملامحه؛

فظلال المكتبة الضخمة ولهب الشمعة الأزرق جعلت وجهه ضبابياً كلوحة لم تكتمل فصولها بعد. كان يرتدي رداءً طويلاً ينسدل بنعومة على الأرضية، وتتدلى من عنقه قلادة غريبة تتوهج بضوء خافت مع كل حركة، وكأنها نبض قلب لمكان لا زمان فيه.

لم يكن الرجل طويل القامة، لكن حضوره كان يملأ الفراغ بهيبة تجمد الدماء في العروق. نقل **مين-هو** بصره نحو الطاولة التي تفصله عن هذا الكيان، ليجد كتاباً واحداً مفتوحاً بعناية، وبخط عريض وبارز، كُتب عليه عنوان عرفه جيداً: **(Solo Leveling)**.

"أهلاً بك يا.. **كانج مين-هو**."

انبعث الصوت من كل زاوية في المكان، وكأن الكتب والجدران هي التي تتحدث. تسمر **مين-هو** في مكانه، وشعرت روحه بالاضطراب. كيف لهذا الغريب أن يعرف اسمه؟ ذلك الاسم الذي لم ينطقه أحد بحب في حياته السابقة،

الاسم الذي تركه إخوته وأهله خلفهم كذكرى مزعجة يودون نسيانها.

استجمع **مين-هو** شتات نفسه، وخرج صوته مبحوحاً وضعيفاً كأنه يسترجع قدرته على النطق:

"لقد مت.. هذا ما أعرفه. إذن لماذا أنا هنا؟ ومن أنت؟"

مال الشخص الغريب برأسه قليلاً، واتسعت الابتسامة على وجهه الضبابي، ابتسامة باردة لا تحمل ذرة من الدفء. وضع يده على الكتاب وقال بنبرة هادئة:

"أنا سيد القدر، يا مين-هو. وكما ترى.. أنا من أحضرك إلى هنا."

صمت لثانية وهو يمرر أصابعه الطويلة على صفحات الكتاب المفتوح، ثم تابع:

"لقد تم اختيارك.. ستنتقل إلى عالم آخر. عالم ينتظرك لتمثل دورك فيه."

ساد صمت ثقيل خيم على أركان المكتبة اللامتناهية. نظر **مين-هو** إلى يديه الشاحبتين، وتذكر في تلك اللحظة كل انكساراته؛

كل مرة خذله فيها المقربون، وكل مرة تمنى فيها أن ينتهي هذا العبث المسمى بالحياة. شعر بمرارة قديمة تسكن حنجرته، ولم يجد في داخله أي رغبة في خوض مغامرة جديدة.

"أرفض."

نطقها **مين-هو** بجمود تام، دون تردد. حدق مباشرة في وجه الكيان الغامض وتابع بصوت قاطع:

"لا أريد الذهاب إلى أي مكان. لقد اكتفيتُ من العيش.. العيش وسط البشر، الوعود الكاذبة، الألم الذي لا ينتهي.. لقد حصلتُ أخيراً على الراحة التي أردتها، فلماذا تريد إعادتي إلى الجحيم مرة أخرى؟"

صدرت من "سيد القدر" ضحكة خافتة تشبه حفيف الورق اليابس في غابة مهجورة. نهض من كرسيه ببطء، وظل وجهه غامضاً رغم اقترابه من **مين-هو**.

"كلا.. أنت لست صاحب القرار هنا يا فتى."

تغيرت نبرة صوته فجأة، أصبحت أكثر حدة وعمقاً، واهتزت الشمعة الزرقاء بعنف وكأن المكان كله يرتجف استجابة لكلماته.

"بما أن 'السيد' قد اختارك ورسم طريقك، فأنت مجبر على الخطو إلى المسرح. لستَ سوى قطعة في لعبة كبرى، وعليك أن تلعب دورك بإتقان.."

خطا سيد القدر خطوة أخيرة ليصبح أمام **مين-هو** مباشرة، واختتم كلامه بهمس مرعب تقشعر له الأبدان:

".. واجعلني استمتع برؤية ما ستفعله."

نظر **مين هو** مباشرة نحو المكان الذي يُفترض أن تكون فيه عينا **سيد القدر**، وكان الغضب في صدره يغلي كمرجل من نار. لم يكن غضباً من أجل البقاء،

بل كان غضباً من هذا العبث الذي يلاحقه حتى بعد الموت. قبض على يديه بقوة وقال بنبرة حادة: "وماذا لو رفضتُ مرة أخرى؟ هل ستجبر روحاً لم تعد تملك شيئاً لتخسره؟"

لم يهتز **سيد القدر**. ظل واقفاً ببرود جليدي، وكأن كلمات **مين هو** ليست سوى طنين ذبابة في أذن عملاق. مال برأسه قليلاً وقال بصوت هادئ يحمل وعيداً مرعباً: "الرفض خيارٌ لمن يملك الرفاهية، يا **مين هو**.

" لكنني أستطيع أن أجعل 'العدم' الذي تنشده أمنية بعيدة المنال. أستطيع، على سبيل المثال، رميك في قاع سحيق من الحمم المستعرة،

لتُحرق خلاياك عشرات الآلاف من المرات دون أن تذوق طعم الموت.. أو ربما ألقي بك في بئر لا قاع له، مليء بالأفاعي السامة التي تنهش لحمك وتفرغ سمومها في عروقك، ثم أعيد إحياءك في كل مرة لتبدأ الرحلة من جديد."

سكت لبرهة، ثم أكمل وهو يمرر يده في الهواء وكأنه يرسم لوحة من العذاب: "ربما رميك في فراغ الفضاء، حيث تتقرح رئتاك من نقص الهواء وتتجمد دماؤك، لكنك لن تموت.. ستشعر بسكرات الموت في كل ثانية، دون أن تعبر البوابة أبداً. هناك طرق لا تحصى لجعل أبديتك جحيماً لا يطاق."

اتسعت عينا **مين هو**، وشدّ على أسنانه حتى كادت تنكسر، وهتف بمرارة: "تباً لك.. أنت مجرد شيطان يستمتع بإجبار الآخرين على ما يكرهون."

تغيرت ملامح **سيد القدر** الضبابية قليلاً، وانبعثت منه هالة من الضغط جعلت ركبتي **مين هو** ترتجفان. قال ببرود لا يعرف الرحمة:

"هل تعلم يا **مين هو**.. لولا رغبة 'السيد'، لجعلتك تندم على مجرد التفكير في رفع عينيك نحوي. إنه أمر مؤسف حقاً، فالسيد يريدك حياً ومتحركاً على ذلك المسرح، وإلا لكنتُ قد أريتك معنى الألم الحقيقي."

ضغط **مين هو** على قبضتيه حتى ابيضت مفاصله، وشعر بالعجز ينهش روحه. التفت يميناً ويساراً في ذلك الفراغ المكتبي اللامتناهي، ثم زفر زفرة محملة بالهزيمة والغضب، وقال بصوت خافت: "والآن.. ماذا تريد؟"

أجاب **سيد القدر** وهو يعود ليجلس خلف مكتبه بهدوء مستفز: "القرار بسيط. إما أن توافق على النقل بملء إرادتك، أو أجبرك عليه بكل الطرق التي ذكرتها. فما هو اختيارك؟ واتمنى ان تختار الخيار الثاني "

تنهد **مين هو** بعمق، وشعر بثقل الأقدار فوق كتفه. "حسناً.. ليس لدي خيار على أي حال. لكن، بما أنني مجبر على هذا العبث، فلدي شرطان يجب تحقيقهما."

لم يبدُ على **سيد القدر** أي تفاجؤ، بل هز رأسه ببطء وقال بنبرة تحمل سخرية خفية: "شرطان؟ على الرغم من أنني أعرف ما يدور في خلدك وما ستطلبه، إلا أنني سأسمعك."

تجاهل **مين هو** قدرة الكيان على قراءة أفكاره، وقال بوضوح: "أولاً، أريد الحصول على عين 'الشارنغان' بكل قدراتها وتطوراتها. وثانياً، أريد 'نظاماً' يساعدني على رفع قوتي."

هز **سيد القدر** رأسه قليلاً، ولمعت القلادة حول عنقه بضوء غريب. "مطالب منطقية لمن يريد البقاء في عالم جديد لا بأس.. أستطيع منحك هذه الأدوات لتبدأ عرضك."

وما إن أنهى كلماته، حتى رفع يده وفرقع بأصابعه في الهواء. في تلك اللحظة، شعر **مين هو** بتمزق في نسيج الواقع من حوله. تلاشت المكتبة، واختفت الشمعة الزرقاء، وانفجر العالم في عينيه ليتحول

الى دوامة من الألوان والأصوات الصاخبة، قبل أن يتغير المكان بالكامل.

2026/04/02 · 136 مشاهدة · 1060 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026